من القمة إلى القاع: حين تُثبت الديمقراطية أنها لا تُجامل أحداً..

admin
2025-10-21T17:42:49+02:00
مقالات رئيس التحرير
admin21 أكتوبر 2025آخر تحديث : منذ 8 أشهر
من القمة إلى القاع: حين تُثبت الديمقراطية أنها لا تُجامل أحداً..
  • مصطفى قشنني

في لحظة فارقة من التاريخ السياسي الفرنسي، انقلبت الموازين حين دخل نيكولا ساركوزي، الرئيس السابق للجمهورية، إلى سجن لاسنتيه الباريسي، ليواجه عقوبة السجن بعد إدانته في قضية تمويل حملته الانتخابية من النظام الليبي. لم يكن هذا الحدث مجرد خبر عابر في الصحف، بل كان إعلاناً صارخاً بأن الديمقراطية الحقيقية لا تعرف المحاباة، وأن العدالة لا تُفرق بين من كان في سدة الحكم ومن يقف في طابور الانتظار أمام المحكمة.

ساركوزي، الذي كان يوماً رمزاً للسلطة الفرنسية، وجد نفسه خلف القضبان، في مشهد يعكس تحولاً عميقاً في مفهوم الحصانة السياسية. لم تشفع له سنوات الحكم، ولا علاقاته الدولية، ولا شعبيته التي طالما تغنت بها وسائل الإعلام. فالقضاء الفرنسي، رغم كل الضغوط، أثبت أنه قادر على محاسبة من كان يوماً على رأس الدولة، وأن القانون لا يُستثني منه أحد، مهما علا شأنه.

هذا الحدث يعيد إلى الأذهان ما جرى في الولايات المتحدة، حين خضع الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإجراءات قضائية على خلفية أحداث اقتحام مبنى الكابيتول. ورغم تعقيدات المشهد السياسي الأميركي، والانقسامات الحادة بين الأحزاب، فإن القضاء لم يتردد في فتح التحقيقات، واستدعاء الرئيس للمساءلة، في خطوة تعكس قوة المؤسسات الديمقراطية وقدرتها على الوقوف في وجه أي محاولة لتجاوز القانون.

ما يجمع بين القضيتين هو الرسالة الواضحة التي تبعث بها الديمقراطية إلى شعوبها: لا أحد فوق القانون. سواء كنت رئيساً سابقاً أو مواطناً عادياً، فإنك تخضع لنفس القواعد، وتُحاسب على أفعالك دون تمييز. هذه الرسالة، وإن كانت مؤلمة للبعض، فإنها ضرورية لترسيخ الثقة في النظام السياسي، ولتعزيز الشعور بالمساواة أمام العدالة.

في فرنسا، لم يكن الطريق إلى إدانة ساركوزي مفروشاً بالورود. القضية تعود إلى اتهامات بتلقي تمويل غير قانوني من نظام القذافي، وهي تهم ظلت تلاحقه لسنوات، وسط إنكار مستمر ومحاولات للطعن في الأدلة. لكن القضاء الفرنسي، بثباته واستقلاليته، مضى في مساره، وأصدر حكماً بالسجن، ليؤكد أن العدالة لا تتراجع أمام النفوذ، ولا تخضع للابتزاز السياسي.

أما في الولايات المتحدة، فإن قضية ترامب كانت أكثر تعقيداً، نظراً لتداخلها مع الانقسامات الحزبية، والجدل الدستوري حول الحصانة الرئاسية. ومع ذلك، فإن المحاكم الأميركية أظهرت قدرة على التعامل مع الملف بحذر وصرامة، وسمحت بمقاضاة الرئيس، في خطوة تعكس التزام النظام الديمقراطي بمبدأ المحاسبة، حتى في أصعب الظروف.

الفرق بين النظامين الفرنسي والأميركي في التعامل مع رؤسائهما لا يُلغي الحقيقة الجوهرية: أن الديمقراطية لا تُقاس بعدد الانتخابات، بل بمدى قدرة مؤسساتها على محاسبة من يخطئ، مهما كانت مكانته. في دول كثيرة، يُنظر إلى الرؤساء وكأنهم فوق القانون، محصنون من المساءلة، محاطون بهالة من القداسة السياسية. لكن في فرنسا والولايات المتحدة، نشهد تحولاً جذرياً في هذا التصور، حيث يُعامل الرئيس كمواطن عادي أمام القضاء، ويُطلب منه الإجابة عن أفعاله دون تمييز.

هذا التحول لا يأتي من فراغ، بل هو نتيجة لنضال طويل من أجل ترسيخ دولة الحق و القانون، وتعزيز استقلال القضاء، وتفعيل آليات الرقابة. وهو أيضاً انعكاس لوعي شعبي متزايد بأن الديمقراطية لا تُصان بالشعارات، بل بالممارسة اليومية للمساءلة والشفافية. حين يرى المواطن أن رئيسه يُحاسب، يشعر بأن صوته له قيمة، وأن النظام السياسي لا يخدم النخبة فقط، بل يحمي الجميع من الاستبداد والفساد.

في هذا السياق، يصبح دخول ساركوزي السجن حدثاً مفصلياً، ليس لأنه يخص شخصية سياسية بارزة، بل لأنه يعيد تعريف العلاقة بين السلطة والعدالة. ويصبح مثول ترامب أمام القضاء لحظة فارقة، لأنها تكشف هشاشة الحصانة الرئاسية أمام قوة القانون. كلا الحدثين يرسخان فكرة أن الديمقراطية ليست مجرد نظام سياسي، بل ثقافة قانونية وأخلاقية، تُلزم الجميع بالخضوع للمساءلة، مهما كانت مكانتهم.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل ستتكرر هذه التجارب في دول أخرى؟ هل يمكن أن نشهد محاكمات مماثلة لرؤساء سابقين في دول لا تزال تعاني من ضعف المؤسسات القضائية، وتغول السلطة التنفيذية؟ الجواب ليس سهلاً، لكنه يبدأ من الاعتراف بأن الديمقراطية ليست وصفة جاهزة، بل مشروع مستمر يتطلب إرادة سياسية، ونضجاً شعبياً، واستقلالاً قضائياً.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.