وجدة.. استفراد الوالي بالتذبير أمام غياب المنتخبين.. أي دور للديمقراطية المحلية وللعمل السياسي مستقبلا؟..

admin
2025-07-24T00:41:29+02:00
مقالات رئيس التحرير
admin24 يوليو 2025آخر تحديث : منذ 8 أشهر
وجدة.. استفراد الوالي بالتذبير أمام غياب المنتخبين.. أي دور للديمقراطية المحلية وللعمل السياسي مستقبلا؟..
  • مصطفى قشنني

    في بلد يراهن على البناء الديمقراطي كرافعة للتنمية الشاملة، تظل المجالس المنتخبة، خاصة على مستوى الجهات، الحاملة الأولى لهذا الطموح، من خلال صوغ السياسات المحلية، وتقريب القرار من المواطن، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. لكن الواقع في جهة الشرق – مدينة وجدة على وجه الخصوص – يكشف عن اختلالات عميقة في الممارسة، حيث تتلاشى تدريجيًا وظيفة هذه المؤسسات، ويشتغل والي الجهة منفردًا في غياب التنسيق المؤسسي، وكأننا أمام تدبير عمومي قائم على شخص واحد بدل منظومة متكاملة.
    إن أبرز ملاحظة في هذا السياق هي غياب المقاربة التشاركية، وافتقاد المجالس المنتخبة للدور الحيوي الذي يمنحه لها القانون التنظيمي ، فلا تكاد تسجل بصمة واضحة في تدبير المشاريع ولا في اقتراح البرامج ولا في مراقبة الإنفاق العمومي. والمحصلة هي أن المواطن لا يرى أثرًا واضحًا لهذه المجالس، سوى صور المسؤولين في القاعات المغلقة أو مشاهد الصراع في الجلسات العلنية ومن خلال الدورات، مما يزيد من فجوة الثقة السياسية ويكرس الإحساس باللاجدوى.
    هذه المجالس، التي يُفترض فيها أن تعكس إرادة المواطنين، غدت فضاءً لتجاذبات حزبية وصراعات حول الامتيازات والمواقع، وابتعدت عن وظيفتها الرقابية والتنموية. وصار الخطاب السياسي داخلها يفتقر إلى الروح الوطنية، ويغيب عنه الهمّ الجماعي، فيما تحوّلت الكثير من قراراتها إلى تفاهمات وتسويات ظرفية بين أطراف لا يربطها سوى منطق المحاصصة والولاءات الشخصية والاصطفافات البركَماتية.
    إن الأزمة لا تكمن فقط في ضعف الأداء، بل في فقدان الحس السياسي لدى غالبية المنتخبين، حيث طغى منطق “الوزيعة” على منطق “الخدمة العامة”، وصارت الانتخابات محطة لتبادل المصالح والمغانم، ولعبةً تُدار داخل دوائر ضيقة لا تُراعي حجم التحديات التنموية، ولا تُعبّر عن مطالب الساكنة. ومن هنا، بدأت تتراجع الأحزاب عن أدوارها التأطيرية، وغابت برامجها عن المشهد، تاركة المجال لشركات التنمية المحلية التي حلّت محلّ  المؤسسات المنتخبة في تنفيذ المشاريع، رغم أن هذه الشركات تفتقد للشرعية الديمقراطية وتشتغل بمنطق المقاولة لا الخدمة العمومية.
    لكن الأخطر من كل ذلك، هو الغياب شبه الكامل للنخب الثقافية والفكرية المؤثرة، إذ فضّلت الانكفاء في الأندية والمقاهي على الانخراط الجاد في الفعل العمومي. كثيرٌ من الكفاءات تكتفي اليوم بالانتقاد من وراء الجدران، وتغيب حين تحين لحظة اتخاذ القرار، تاركة المجال لنخب أخرى جاهلة و أقل تكوين وأكثر ارتباطً بمصالحها الذاتية. وهذه النخب الفاسدة تُراكم الثروات وتعتبر المال العام غنيمةً، وتحوّل الانتخابات إلى مزادٍ للبيع والشراء، دون أي اعتبار للقيم أو للوطن.
    إن غياب النخب الواعية والمثقفة عن الحقل السياسي يُضعف جودة النقاش، ويجعل المؤسسات فارغة من روحها، وهو ما يطرح سؤالًا جوهريا حول من يمثل من؟ وحول العلاقة بين الشرعية الانتخابية والمشروعية الأخلاقية. فليس كل من حاز المقعد قادرًا على إنتاج المعنى، وليس كل من صوّت بعض المواطنين لصالحه يستحق تمثيلهم إن لم يترجم ذلك بالفعل إلى موقف. وهنا تبرز الحاجة الماسة إلى إعادة الاعتبار للسياسة كفكرة وموقف، وليس كوظيفة إدارية فقط.
    وأفتح قوسا عريضا هنا لأقول :ما يُقلق في بعض المجالس المنتخبة على مستوى مدينة وجدة على وجه الخصوص، ليس فقط تراجع الأداء، بل التهديد الحقيقي الذي بات يشكله بعض الأعضاء من احتقان للوضع المحلي ولصوت الناخب ذاته. حين ينقلب التفويض إلى سطوٍ ناعم على إرادة المواطنين، ويُختزل العمل التمثيلي في حسابات ذاتية مفضوحة، فلا شيء يُسمّى تنمية، بل كل شيء يتحوّل إلى عقبة و”بلوكاج” مصنوع عن قصد.
    فما معنى أن يتسلل إلى المجلس شخصٌ لم يكن يُعرف سوى بسوء حاله، بعوزٍ ظاهر وسكنٍ لا يقي برد الشتاء، فيصبح في ظرف وجيز من أصحاب العقارات الضخمة، وصاحب السيارات الفارهة، وصاحب القرار. أيّ قفزة هذه؟ وأيّ تورمٍ في الثروة لا تفسير له سوى التلاعب بمن منحوه الثقة؟ لقد ابتُليت المدينة لا بعضو منتخب، بل بأداة تعطيل، تُمارس الضغط والابتزاز، وتزرع الشك، وتُعطّل المشاريع أو تُصمّمها على مقاس المصالح الضيقة والصفقات المربحة.
    والمقلق أكثر، أن الجميع يعرف. الكل يرى التغيّر المفاجئ، والصعود غير المبرر، وتحوّل ذلك المستشار من صوتٍ للغلابة إلى فمٍ ينهش جيوبهم ويُضخم مكاسبه. لكن لا أحد يتحرك. بل إن هذا العبث بات يُدار بصمتٍ منظم، تُرافقه نظرات التجاهل من جهاتٍ يفترض بها المحاسبة. أين الرقيب؟ أين التقارير؟ أين مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة؟ أم أن الجملة بقيت مجرد عنوان يُستعمل في الخطابات الرسمية فقط؟
    ليس من حق أي أحد أن يعطل مصالح مدينة، أن يساوم مواطنيها، أن يُفرغ العمل السياسي من مضمونه مقابل استفادة خاصة. وليس من حقنا نحن أن نسكت. فالسؤال لم يعد من هو هذا العضو، بل كيف وصل، وكيف بقي، وكيف يُسمح له أن يُحوّل العمل الانتخابي إلى تجارة تُغذي الفساد وتُعادي الكرامة.
    في مدينة، مثل مدينة وجدة  تموت في صمت، السكوت ليس حيادًا. إنه تواطؤ بصيغة أخرى. والمحاسبة ليست انتقامًا… بل خلاص. 
    إن الديمقراطية ليست فقط صناديق اقتراع، بل منظومة قيم وممارسات يومية، تبدأ بالاحترام وتنتهي بالمحاسبة. والمجالس المنتخبة ليست مجرد هياكل قانونية، بل فضاءات يجب أن تسكنها الإرادة الوطنية، ويُعبّر فيها عن مطالب المواطنين، وتُدار وفق منطق الشفافية والمسؤولية. ومع فقدان هذه العناصر، تتحول المؤسسات إلى واجهات خالية، تُرفع شعاراتها فقط في المناسبات، بينما الواقع يُدار بطرق ملتوية لا تخدم لا الدولة ولا المواطن.
رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.