- مصطفى قشنني
في دهاليز الروح الإنسانية، حيث تتقاطع الغرائز البدائية مع طموحات الروح المتعالية، يكمن سر الفساد الأعمق، ذلك الينبوع الخفي الذي لا يكف عن التدفق كلما خفتت حرارة المراقبة، وتهاوت جدران الخوف، وتلاشت في الأفق البعيد هيبة القانون. الفساد ليس وليد اللحظة، ولا نتاج ظرف طارئ، بل هو تجسيد لحالة وجودية تعتور الإنسان منذ أن وعى ذاته، وبدأ يدرك أنه كائن بين كائنات، متنافس في رقعة الحياة التي تضيق تارة وتتسع تارات، يبحث عن الأمان في اكتناز الممتلكات، ويجد في السلطة والنفوذ ملاذا من وحشة الفناء، متناسيا أن الثروة الحقيقية ليست في الخزائن المغلقة، ولا في الحسابات البنكية المشتركة، ولا في الشركات الوهمية المنشأة بأسماء الزوجات والأبناء في ضواحي العواصم الأوروبية، بل في ذلك الرصيد الأخلاقي الذي يبقى شاهدا على الإنسان بعد أن يفارق هذه الدنيا، ويترك خلفه إما أثرا جميلا يخلد اسمه، أو وصمة عار تلاحقه في ذاكرة الأجيال.
ما كشفته معطيات المجلس الأعلى للحسابات عن اختلالات صارخة في تصريحات الممتلكات، وعن تلاعب وتدليس، وعن عقارات وحسابات مصرفية وأسهم وسندات، وعن تحويلات مالية مشبوهة تمر عبر شبكات معقدة من العلاقات القرابية والشركات المتقاطعة في المغرب وخارجه، يفضي بنا إلى سؤال وجودي محوري: كيف يستطيع إنسان، يحمل أسمى الأمانات وأثقلها، أن ينحدر إلى هذا المستوى من الخيانة الممنهجة، متناسيا أنه ليس مجرد موظف أو مسؤول، بل هو أمين على مستقبل أمة، ووصي على أحلام ملايين، وحارس لكرامة وطن؟ الجواب، برأي الفلسفة الأخلاقية وعلم النفس العميق، يتجذر في طبيعة الإنسان حين يفقد البوصلة الأخلاقية، ويتحرر من كل القيود الداخلية والخارجية، فيصبح كتلة من الأهواء والرغبات المتضاربة، يشبع منها ما يستطيع، ويكبت ما يعجز عنه، فتتشوه صورته أمام ذاته قبل أن تتشوه أمام الآخرين.
شخصية المفسد، في تحليلها النفسي، ليست شخصية نمطية واحدة، بل هي فسيفساء معقدة من الأنماط المتداخلة، تجمع بين الذكاء الحاد أحيانا، والغباء الأخلاقي الفظيع أحيانا أخرى، بين الثقة المفرطة بالنفس التي تصل إلى حد الغرور المرضي، وبين القلق الخفي الذي يدفع إلى التراكم والتعويض. إنه ذلك الكائن الذي ينظر إلى العالم من خلال عدسة الملكية والاحتكار، فلا يرى في الناس سوى أدوات، ولا في المؤسسات سوى عقبات يجب تجاوزها أو التسلل من خلال ثقوبها، ولا في المال العام سوى فريسة مشروعة لمن يستطيع اصطيادها. هذا المخلوق، الذي يفترض فيه أن يكون قدوة ونموذجا، يتحول إلى درس عملي في النفاق التنظيمي، يمارس دوره ببراعة، يحضر الاجتماعات، ويوقع الوثائق، ويطلق الوعود، بينما يدير في الخفاء إمبراطورية مالية موازية، تتغذى من شرايين الدولة المريضة المعطوبة، وتنمو على حساب جوع الفقراء وأسقام العاجزين عن المقاومة والرفض.
ثمة نزعة تكاد تكون جينية، إن جاز التعبير، نحو التملك والإقصاء، وهي نزعة كانت مفيدة لبقاء النوع في عصور التنافس البدائي على الموارد، لكنها أصبحت وبالا على الفرد والمجتمع في عصر المدنية والقوانين، حين يتحول الصراع من أجل البقاء إلى صراع من أجل الزيادة والتراكم غير المحدود. تلك النزعة، التي تسكن عمق الأعماق النفسية، تستيقظ بقوة وشراسة حين تتوفر البيئة الحاضنة، التي تتمثل في ضعف المؤسسات، وفشل الرقابة، وتفشي الإفلات من العقاب، وغياب النماذج الأخلاقية المقنعة، وظهور ثقافة “الكل يفعل ذلك” كشرعية ضمنية للتجاوزات و”عفى الله عما سلف”ووو… وهنا تكمن المأساة الكبرى، لأن الفساد يصبح، في هذه اللحظة، سلوكا اجتماعيا معديا، ينتقل بالفعل كالعدوى الفيروسية، لا عبر الملامسة الجسدية، بل عبر الملامسة الأخلاقية، حيث يرى كل فرد أن الآخرين ينهبون، فيقرر الانضمام إلى الركب، مبررا لنفسه أن المقاومة لا تجدي، وأن الفضيلة في هذا السياق مجرد غباء مكشوف، وأن الإخلاص للوطن لا يسمن ولا يغني من جوع.
النموذج المغربي الذي ترسمه تحريات المجلس الأعلى للحسابات، بتفاصيله الدقيقة عن استخدام ازدواجية الجنسية، وعن استغلال الأقارب والقاصرات والأزواج، وعن الشركات الوهمية في فرنسا ودول أخرى، وعن العلاقات المشبوهة مع مستشارين ورجال أعمال ومنعشين عقاريين، ليس حالة محلية منعزلة، بل هو صورة طبق الأصل عن نمط الفساد العالمي في مستوياته الراقية. عندما تلتقي مصالح الموظف الكبير بمصالح رجل الأعمال، وعندما تتزوج المنفعة العامة بالمصلحة الخاصة، وعندما تتحول الخدمة العمومية إلى سلعة تباع وتشترى في أسواق النفوذ غير المرئية، فإننا نكون أمام ملة واحدة، تتحد فيها الخطيئة وإن اختلفت أسماؤها، وتتشابه فيها الآليات وإن تنوعت أدواتها. صولة الفجر العراقية، التي ضربت بقوة في نسيج الفساد الإداري والمالي، وحملة إصلاح “ريتزر” في السعودية، التي لم تكتف بالكشف بل تجاوزته إلى التطهير الجذري، والتجربة المغربية في مراجعة التصريحات واستخدام قواعد البيانات البنكية والضريبية والعقارية، كلها محطات في رحلة إنسانية واحدة، رحلة مواجهة الشر المستشري، ذلك الشر الذي لا يأبه بالحدود ولا يهاب الأسماء، بل يتكيّف مع كل بيئة ويتخذ من كل ثقافة قناعا جديدا.
الفساد، في بعده الفلسفي، هو إعلان لحالة الفراغ القيمي، حين تصبح الغايات الذاتية هي المقياس الوحيد للأفعال، وتتلاشى كل القيم المتعالية التي كانت توزن بها الأعمال في ميزان الضمير الجمعي. إنه انهيار للنسيج الرمزي الذي يربط الإنسان بمجتمعه، ويجعله يشعر بالانتماء والمسؤولية، واستبداله بنسيج آخر من المصالح الآنية، حيث لا يبقى شيء مقدس، ولا حدود للأفعال ما دامت تحقق المكاسب الشخصية. من هذه الزاوية، يصبح المفسد فيلسوفا من نوع خاص، يؤسس لنظام أخلاقي بديل، قوامه “كل شيء مباح”، ولكن هذه الفلسفة، مهما تزينت بالحجج والمبررات، تظل فلسفة هزيلة، لا تستند إلى أي عمق وجودي حقيقي، بل هي مجرد تبرير للجبن الأخلاقي، وتجميل للخيانة، ومحاولة يائسة لتليين صراع الضمير الذي لا يموت أبدا، مهما حاول الإنسان إسكاته.
التحقيقات التي يجريها قضاة المجلس الأعلى للحسابات، مستعينين بالبيانات المحولة من الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية، وبنك المغرب، ومكتب الصرف، والوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، والإدارات الضريبية والجمارك، هي لحظة مفصلية في مسار محاربة هذه الملة الواحدة. إنها ليست مجرد عمليات تدقيق روتينية، بل هي بمثابة إعلان حرب على الثقافة الباطنية للفساد، ثقافة السرية والكتمان، التي تنمو في الظلام وتخشى الضوء. عندما تمتد يد القانون إلى جيوب المسؤولين وحسابات أقاربهم وشركاتهم الوهمية، فإنها لا تقبض على المتهمين فقط، بل تحاول استعادة ثقة المواطن في عدالة الدولة، وإعادة بناء الجسر المتهدم بين الحاكم والمحكوم، وإثبات أن لا أحد فوق المحاسبة، وأن التصريح بالممتلكات ليس مجرد إجراء شكلي، بل هو عقد أخلاقي بين الموظف والدولة، يجب أن يظل مفتوحا للمراجعة والتدقيق في أي لحظة.
لكن المعركة الحقيقية، التي لن تكسبها أي مؤسسة بمفردها، مهما بلغت من قوة وتطور، هي معركة إعادة صياغة الإنسان من الداخل، معركة زرع القيم في التربية والتعليم والإعلام والثقافة العامة، معركة إحياء الضمير الفردي والجماعي، ونبذ ثقافة التساهل مع الفساد، التي تبدأ بتبرير رشوة صغيرة وتنتهي بتقبل إمبراطوريات كاملة من النهب المنظم. الدولة التي تراهن على المستقبل، لا يمكنها أن تترك أبناءها فريسة لهذه النزعات الهدامة، بل يجب أن تُعدّهم منذ نعومة أظفارهم ليكونوا مواطنين صالحين، يدركون أن المسؤولية ليست امتيازا، بل أمانة، وأن المال العام هو دماء الشعب الذي لا يجوز التلاعب بها، وأن الشفافية ليست عيبا، بل فضيلة تزيد من قوة الدولة ومتانة مؤسساتها.
نعم، في هذه الرحلة الغوصية في أعماق الفساد، ندرك أن الخطيئة تتشابه حين تغيب الأخلاق، وأن الإنسان، أينما كان، يبقى عرضة لتلك النزعات الجامحة، لكن الفرق بين الأمم المتقدمة والأمم المتخلفة لا يكمن في غياب الفساد فيها، بل في قدرتها على مكافحته، وفي قوة مؤسساتها الرادعة، وفي ثقافة مواطنيها التي ترفض الفساد وتحتقر الفاسدين، قبل أن تحتاج إلى قوانين تعاقبهم. هنا يكمن التحدي الأكبر، ليس في القبض على المفسدين، فهؤلاء سيأتون دائما، بل في بناء جيل جديد لا يجد في الفساد ملاذا، ولا يرى في المال العام فريسة، ولا يشعر بالضعف إلا حين يخون الأمانة. الفساد ملة واحدة، ولن تواجه تلك الملة إلا بملة أخرى، ملة النزاهة والشفافية والعدالة، التي هي جوهر أي حضارة تستحق الاسم، وأساس أي نهضة تليق بالإنسان الذي خُلق ليكون خليفة في الأرض، لا ليكون سارقا لأحلامها ومستبيحا لثرواتها.








