بين أيّهما أسبق الدجاجة أم البيضة..الإمبريالية وإعادة إنتاج الأسطورة التأسيسية..

admin
2026-06-18T01:36:11+02:00
مقالات رئيس التحرير
adminمنذ 4 ثوانيآخر تحديث : منذ ثانيتين
بين أيّهما أسبق الدجاجة أم البيضة..الإمبريالية وإعادة إنتاج الأسطورة التأسيسية..
  • مصطفى قشنني

في مشهدٍ سياسيٍّ يليقُ بعالمٍ تهشَّمتْ فيه كلُّ اليقينياتِ الحداثية، وترنَّحتْ فيه المعاني تحتَ وطأةِ الخطابِ الفائضِ عنْ حدِّ العقل، يطلُّ علينا التناقضُ العلنيُّ بين رئيسٍ يدَّعي أنه صنعَ إسرائيلَ من عدمٍ، وسفيرٍ له يردُّ بأنَّ أمريكا ذاتَها ما كانتْ لتوجدَ لولا “الأساسُ اليهودي”. إنها لحظةٌ كاريكاتوريةٌ بامتياز، حيث تتحولُ القوةُ العظمى إلى مجردِ طرفٍ في معادلةٍ جدليةٍ طفولية، أشبهَ بتساؤلٍ ساذجٍ عنْ أسبقيةِ الدجاجةِ على البيضة، أو عنْ سرِّ الوجودِ في متاهةِ الأسبابِ الأولى. غيرَ أنَّ هذه المهاترات، التي تبدو سخيفةً ظاهرياً، تنفضُ عنْ غبارِ السطحِ لتكشفَ عنْ جوهرٍ فلسفيٍّ مأساويّ، هو جوهرُ العلاقةِ الإمبرياليةِ المعاصرة، بل جوهرُ أزمةِ الوعيِ الغربيِّ في مواجهةِ التاريخِ حينَ يتحولُ إلى نرجسيةٍ جماعيةٍ لا ترى في الآخرِ إلا مرآةً تعكسُ أوهامَها.

السؤالُ الحقيقيُّ ليس “منْ أوجدَ منْ؟” فهذا سؤالٌ وضعيٌّ ساذجٌ يبحثُ عنْ علَّةٍ أولى في عالمٍ تتشابكُ فيه العللُ وتتناسخُ، وتتداخلُ فيه الأصولُ والفروعُ حتى تكادُ تفقدُ الحدودُ معناها. السؤالُ الأعمقُ هو: كيفَ يمكنُ لدولتين، إحداهما وريثةُ الإمبراطورياتِ الرومانيةِ والبريطانية، والأخرى نتاجُ أتونِ الحربِ العالميةِ الثانيةِ والاستعمارِ الاستيطانيِّ الأكثرِ دمويةً في العصرِ الحديث، أن تصلَا إلى درجةٍ منَ الالتباسِ الذاتيِّ تجعلُهما تتسابقانِ في نسبِ الذاتِ إلى الآخر، وكأنَّ كلَّ واحدةٍ منهما لا تستقيمُ هويتُها إلا باستعارتِها منْ هويةِ الخصمِ نفسه؟ إنها ليستْ معركةَ حقائقَ تاريخيةٍ يمكنُ الرجوعُ فيها إلى أرشيفاتِ الأمم، بل هي معركةُ سردياتٍ وهيمنة، معركةٌ على “المعرفةِ” ذاتها، أي تلكَ اللحظةُ التي تسلمُ فيها أمةٌ عظمى عقلَها لإرادةِ أخرى، وتصبحُ مجردَ “عبدٍ معرفيٍّ” لمولاه، طائعةً في كلِّ ما يمليه، غيرَ قادرةٍ على إنتاجِ رؤيةٍ خاصةٍ بها عنْ ذاتِها وتاريخِها، وكأنَّها فقدتْ بوصلةَ الدهشةِ الأولى التي تسبقُ كلَّ معرفةٍ حقيقية.

إنَّ نفيَ ترامب لوجودِ إسرائيلَ بدونه، ليس مجردَ تفاخرٍ فرديٍّ يعكسُ غرورَ رجلِ أعمالٍ اعتادَ الصفقاتِ، بل هو تجسيدٌ لروحِ الإمبرياليةِ الأمريكيةِ الكلاسيكيةِ في أبهى صورِها الاستعلائية، حيث “المانحُ” هو “المالكُ”، وحيثُ الوجودُ يُستمدُّ منْ الإرادةِ الإمبرياليةِ لا منَ الجوهرِ الذاتيِّ التاريخيِّ. فهو يرى في إسرائيلَ كياناً اصطناعياً، أو “مشروعاً” يحتاجُ إلى رعايةٍ وراعٍ، وإلى أبٍ روحيٍّ يمنحُه شرعيةَ البقاءِ كلَّ صباحٍ. بيدَ أنَّ سفيرَه هكابي، في نقلةٍ جدليةٍ مدهشةٍ تليقُ بفيلسوفٍ أكثرَ منها بدبلوماسيٍّ، يقلبُ الطاولةَ ليؤسسَ لرؤيةٍ مضادةٍ لا تقلُّ إمبرياليةً، بل ربما تكونُ أكثرَ عمقاً في فلسفتها الميتافيزيقية: فكرةُ أنَّ أمريكا ذاتَها ليستْ سوى امتدادٍ للحلمِ الصهيونيِّ، وأنَّ روحَها التأسيسيةَ، بل وجودَها الجغرافيَّ السياسيَّ، ما هو إلا صدىً لأرضِ الميعادِ ونبوءاتِ الأنبياء. هنا، تصبحُ العلاقةُ ميتافيزيقيةً محضةً، حيثُ يتمُّ اختزالُ تاريخِ أمةٍ بأكمله في أسطورةٍ دينيةٍ واحدة، وتُستلبُ هويةُ الدولةِ العظمى لتكونَ مجردَ تابعٍ رمزيٍّ لـ”شعبِ الله المختار”، وكأنَّ التاريخَ برمَّته ليس سوى تأويلٍ متأخرٍ لنصٍّ قديم.

هذه المهاترةُ ليستْ وليدةَ الصدفةِ العابرة، ولا هي مجردُ خلافٍ عابرٍ في وجهاتِ النظرِ بينَ رجلينِ يحتلانِ منصبيْنِ رفيعينِ، بل هي انعكاسٌ لمرحلةٍ بلغتْ فيها العلاقةُ بينَ واشنطنَ وتلْ أبيبَ ذروةَ التناقضِ الداخليِّ، حيثُ يتحولُ الحليفُ إلى مرآةٍ مقلوبةٍ للذات، وتصبحُ السياسةُ الخارجيةُ لعبةَ مرايا لا نهايةَ لها. فمنذُ عقودٍ، قامتِ العلاقةُ على أساسٍ منَ “النفعيةِ المتبادلةِ” التي راكمتْ منَ الادعاءاتِ ما يكفي لتفجيرِها في أيِّ لحظةٍ، فالدعمُ الأمريكيُّ لإسرائيلَ، في خطابِه الرسميِّ، كانَ يُصاغُ بلغةِ القيمِ المشتركةِ والديمقراطيةِ وحقِّ الوجودِ المشروطِ بحمايةِ الغرب. أما في الواقعِ العميقِ الفجِّ، فكانَ هذا الدعمُ بمثابةِ صفقةٍ تبادليةٍ، حيثُ تُخضعُ السياسةُ الاعترافَ السياسيَّ لميزانِ القوى لا لمبادئِ التبادلِ الإنسانيِّ، وتجعلُ منَ القضيةِ الفلسطينيةِ ورقةً للضغطِ لا قضيةَ شعبٍ يبحثُ عنْ حريتِه. ولكنْ عندما وصلَ ترامبُ، ذلكَ القادمُ منْ عالمِ الأعمالِ لا منْ عالمِ السياسةِ الراسخة، حطَّمَ هذا الطابو؛ فعرى السياسةَ منْ ثيابِها الأيديولوجيةِ البالية، وأظهرَ العلاقةَ كما هي حقاً: علاقةُ سيدٍ بعبدٍ، مانحٍ بمستفيد، قوةٍ بضعف، إرادةٍ بإرادةٍ مستعارة. فجاءَ ردُّ هكابي ليعيدَ الصياغةَ، لكنْ منْ منظورِ الجانبِ الآخرِ الأكثرِ جرأةً: ليس نحنُ العبدَ، بل نحنُ الأصلُ والروحُ وأنتمُ الصدى، نحنُ النصُّ وأنتمُ التأويلُ المتأخرُ، نحنُ الجوهرُ وأنتمُ العرضُ الزائل.

يكمنُ العمقُ الفلسفيُّ الحقيقيُّ لهذه المعادلةِ المقلوبةِ في مفهومِ “الاعترافِ” الهيكَليِّ الذي يظلُّ عالقاً في حلقِ الإمبراطورياتِ الحديثة. ففي جدليةِ العبدِ والسيد، يحتاجُ السيدُ إلى اعترافِ العبدِ ليثبتَ سيادتَه، وإلا تحولتْ سيادتُه إلى فراغٍ مدوٍّ. هنا، يبدو أنَّ أمريكا، في ذروةِ قوتِها الماديةِ وانتشارِها العسكريِّ، تعاني منْ أزمةِ اعترافٍ وجوديةٍ حادة؛ فهي، في خطابِ السفير هكابي، بحاجةٍ إلى إسرائيلَ “لتبررَ وجودَها”، كما لو أنَّ أمةً بأكملها فقدتْ بوصلةَ هويتِها التاريخيةِ وباتتْ بحاجةٍ إلى “آخرَ” مقدسٍ ليذكرَها بجوهرِها الذي تاهَ في دهاليزِ العولمةِ والاستهلاك. وهذا يعكسُ حالةً منَ الاغترابِ الروحيِّ في قلبِ الإمبراطورية، حيثُ يُستبدلُ السردُ التأسيسيُّ العلمانيُّ للآباءِ المؤسسينَ والدستورِ والحداثةِ التقدميةِ بسردٍ دينيٍّ كتابيٍّ قديم، وكأنَّ هويةَ أمريكا لا تستقيمُ إلا باستعارتِها منْ تاريخِ الشرقِ الأوسطِ المقدس. إنها لحظةُ انهيارِ المشروعِ الحداثيِّ الأمريكيِّ وارتدادُه إلى نصوصٍ قديمةٍ يظنُّ أنها تمنحُه شرعيةً أبديةً، متناسياً أنَّ تلكَ النصوصَ بالذاتِ هي ما يصرُّ هو على حمايتِها باسمِ “الحضارةِ الغربيةِ” التي هي في صراعٍ وجوديٍّ معها. ففي هذا الارتدادِ، تتهاوى الحدودُ بينَ العلمِ والأسطورة، وبينَ السياسةِ واللاهوت، وبينَ التاريخِ الواقعيِّ والتاريخِ المتخيَّل، ليصبحَ الخطابُ السياسيُّ مجردَ شكلٍ محدَّثٍ منَ الخطابِ الدينيِّ الذي يبحثُ عنْ مسوِّغٍ للهيمنةِ في عناوينَ سحيقةٍ.

أما بالنسبةِ لإسرائيلَ، فهي تستغلُّ هذا الالتباسَ الهوياتيَّ الأميركيَّ لتكرسَ نفسَها كـ”ضرورةٍ أمريكيةٍ” لا كحليفٍ استراتيجيٍّ فقط، بل كأساسٍ ميتافيزيقيٍّ للوجودِ الأميركيِّ نفسِه. إنها تنتقلُ ببراعةٍ منْ موقعِ “الدولةِ العميلةِ” التي تتلقى الدعمَ الماديَّ بيدٍ مرتجفةٍ إلى موقعِ “المركزِ الروحيِّ” الذي يمنحُ الدعمَ المعنويَّ بيدٍ واثقةٍ، وكأنها تعيدُ إنتاجَ العلاقةِ الاستعماريةِ في شكلٍ معكوس، حيثُ يصبحُ المستعمَرُ هو المؤسِّسَ والمستعمِرُ هو المؤسَّسَ. لكنَّ هذا التحولَ في الخطابِ يبقى محفوفاً بالخطرِ الوجوديِّ الأكبر، لأنه يربطُ وجودَ إسرائيلَ نفسِها ليس بمشروعِها الذاتيِّ التاريخيِّ ولا بإرادتِها الخاصة، بل بحاجةِ الطرفِ الآخرِ الدائمةِ إليها. فإذا استيقظتْ أمريكا يوماً منْ كابوسِها الهوياتيِّ الممتدِّ، أو قررتْ بناءَ سردٍ جديدٍ لا يحتاجُ إلى أرضِ الميعادِ لتبريرِ انتشارِ قواعدِها العسكريةِ، فإنَّ كلَّ هذه الادعاءاتِ الميتافيزيقيةِ ستتبددُ كسرابٍ في صحراءِ السياسة، وسيعودُ السؤالُ الأكثرُ واقعيةً وإلحاحاً بقوةٍ: هل يستحقُّ هذا الكيانُ كلَّ هذه التضحيةِ الماديةِ والمعنويةِ التي تقدمُها واشنطنُ باسمِ “الأمنِ القوميِّ” و”المصيرِ المشترك”؟ وهنا تكمنُ المأساةُ الفلسطينيةُ الحقيقيةُ، ليسَ في تبادلِ الادعاءاتِ الاستعلائيةِ بينَ عملاقينِ يتنافسانِ على منْ خلقَ الآخر، بل في تحويلِ قضيتِهم العادلةِ والمفتوحةِ على جراحِ التاريخ إلى أداةٍ في صراعِ هويةٍ وجوديٍّ بينَ الغربِ وصنيعه، وإلى مادةٍ للخطابِ الدعائيِّ الذي يغطي على حقائقِ الاحتلالِ والاستيطانِ اليوميةِ بأبخرةِ الميتافيزيقا.

إنَّ هذه المهاتراتِ المتبادلةَ حولَ “منْ خلقَ منْ” ليستْ سوى انعكاسٍ مكثَّفٍ لمرحلةٍ مريضةٍ ومُنهكةٍ منْ تاريخِ الإمبرياليةِ المتأخرة، حيثُ تغدو الأسطورةُ أكثرَ واقعيةً منَ التاريخِ الملموسِ الذي يقطرُ دماً، ويصبحُ الوهمُ أكثرَ إقناعاً منَ الحقائقِ التي تُروى كلَّ يومٍ على شاشاتِ الفضائيات. هي أشبهُ بصراعٍ بينَ جناحينِ لنفسِ الطائرِ الإمبرياليِّ الجريح، كلٌّ يظنُّ أنه يقودُ الطيرانَ وأنه الأصلُ والمنبع، بينما الجسدُ الحقيقيُّ المهشَّمُ – شعوبُ المنطقةِ وأرضُها وتاريخُها الممتدُّ منذُ فجرِ الحضارات – يُسحقُ بهدوءٍ تحتَ ثقلِ هذا العبثِ الميتافيزيقيِّ الذي لا يعترفُ إلا بذاتِه المتضخمةِ في مرايا الآخر. وفي النهايةِ، تظلُّ المعادلةُ مفتوحةً على تأويلاتِها اللانهائية، ليس لأنَّ الدجاجةَ والبيضةَ تتسابقانِ في حلقةٍ مفرغةٍ لا أولَ لها ولا آخر، بل لأنَّ صانعي هذه المهاتراتِ يدركانِ، في أعماقِ وعيِهم العمليِّ، أنَّ السؤالَ الأهمَّ والأكثرَ إزعاجاً، وهو سؤالُ الحقِّ والعدلِ والوجودِ الإنسانيِّ الحرِّ الذي لا يُختزلُ في معادلاتِ القوةِ ولا في أساطيرِ التفوق، هو سؤالٌ لنْ يُطرحَ أبداً في إطارِ هذه الفلسفةِ الاستعلائيةِ التي تتغذى على أساطيرِ الماضي لتبريرَ هيمنةِ الحاضر، لأنَّ طرحَه يعني كشفَ العري السياسيِّ كاملاً، ويعني أنَّ البيضةَ والدجاجةَ معاً، في نهايةِ المطاف، ليستا سوى حلقةٍ في سلسلةِ هيمنةٍ قديمةٍ تتجددُ كلَّ مرةٍ باسمِ اللهِ أو التاريخِ أو الحضارة، بينما الحقيقةُ البسيطةُ والعاريةُ هي أنَّ البشرَ أحرارٌ منذُ ولادتِهم، ولا يحتاجونَ إلى دجاجةٍ ولا بيضةٍ ليصنعوا وجودَهم، بل إلى قرارٍ واحدٍ بكسرِ هذه الحلقةِ المفرغةِ إلى الأبد.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.