- مصطفى قشنني
قبل أن تُجمع أوتاد هذه الخيمة التي نصبَتْها الأيدي تارةً ونكستْها الحسرات تارات، وقبل أن يُسدل الستار على ذلك الفضاء الذي افترض فيه المسؤولون أن الثقافة تُصنع كما تُصنع السندويشات، كان لا بد من وقفة تأملية، لا انفعالية تليق بمن يرى بأم عينيه كيف تتحول الأحلام الكبرى إلى كوابيسَ صغرى، وكيف تصير المنابر الثقافية منابرَ للاستعراض حين تفقد البوصلة وتضيع الرؤية في دهاليز الزبونية ودهاليز الإقصاء المقنّع بثياب الاحتفال.
إنها خيمة الرباط التي كانت حلمًا للكتاب المغاربة قبل ثلاثة عقود ونيف، فإذا بها اليوم أشبه بسوق عكاظ لكن بلا فحولة، وبمواسم العرب لكن بلا بيان. خيمة ترفرف فوقها لافتات العناية بالثقافة، وتحت أرضيتها تتسع هوة الإهمال لكل ما هو جوهري ومؤثر وفعّال. حتى غدت الأجساد أضخم من الأفكار، والأصوات أعلى من المعاني، والحشود المستوردة من مدارس الأطفال والمصطفين من الدخلاء أكثر حضورًا من العقول المبدعة والنخب الفعلية التي كانت تظن أن للكتاب معرضًا يليق به، فإذا بها تصطدم بتنظيم يعكس، بكل جرأة ، أزمة فهم عميقة لمعنى الثقافة ودورها في حياة الشعوب.
إن ما يميز هذه الدورة الواحدة والثلاثين ليس فقط الإقصاء المتصاعد، بل ذلك الشعور المرير الذي ينتاب المثقف الحقيقي وهو يرى أن المعرض صار حكرًا على فئة قليلة من المحظوظين، فئة تتقاسم الكعكة وتطبخ البرنامج وتدير الأموال وتستقدم الأصدقاء من علية القوم، أولئك الذين يعيشون على هامش الثقافة ويقتبسون من ريعها قوتًا وفائضًا، بلا روح إبداعية ولا بصمة تأليفية، إن هم سوى تجار مواسم ومهرجانات، عقدوا صفقة ضمنية مع سدنة المعرض: أنتم لنا السلطة والنفوذ ونحن لكم الوجاهة والظهور، أما المغامرة الفكرية الحقيقية والأسئلة الوجودية النقدية فلتذهب إلى الجحيم.
ولا غرابة في هذا المنحى، فالوزارة الوصية فقدت بوصلتها الثقافية منذ أمد بعيد، وضبابية الرؤية لديها لم تعد سرًا يخفى، بل أصبحت سمة لاصقة بكل تدبيرها لشأن ثقافي وطني. إنها تتعامل مع الثقافة بمنطق الأرقام والمهرجانات، بمنطق العدد والكم، متناسية أن الجوهر هو في النوع والعمق والأثر. وعندما يشتكي المثقفون الحقيقيون، أولئك الجيوش الغاضبة من باحثين ونقاد وكتاب وأكاديميين ألمعيين، يقابل شكواهم بصمٍّ إداري لا يقل فظاعة عن صميم المشكلة نفسها. فمنذ متى كان الثقافي مجرد حدث يُنظّم ثم يُنسى؟ ومنذ متى كان المثقف مجرد نعلّق لوحة في معرض، أو نضيف فقرة في حفل، أو نستقطب تلميذًا ليملأ الفراغات؟
ألا يعلم القائمون على هذا القطاع الحيوي أن الثقافة ليست موضة موسمية، ولا معرضًا سنويًا تروّج له عبر استجلاب الأطفال من المدارس كي يرقموا حضورًا وهميا، ويسجلوا أرقامًا تبهج المسؤولين وتخدع الرأي العام؟ ألا يفقهون أن الثقافة هي روح الأمة، وهي ملاذها الوحيد حين تتراجع القيم وتتشظى الهوية وتهتز الثوابت؟ ألا يدركون أن العزوف الكبير للكتاب المبدعين عن المشاركة في هذه الأسواق المزيفة ليس كسلًا أو انطواء، بل هو احتجاج صامت على واقع يقتل الإبداع في مهدِه؟
إن الناظر في تنظيم هذا المعرض الدولي، الذي يزعم أنه واجهة ثقافية للمغرب كله، لا يملك إلا أن يندهش من التناقضات الفاضحة: خيمة الأكلات الخفيفة أوسع وأكثر ازدحامًا من فضاء الكتب، والفوضى التنظيمية واللخبطة في البرنامج صارت سمةً تطبع كل الفعاليات، حتى بتنا نرى أشخاصًا بأعينهم يهرولون من ندوة إلى أخرى، ومن توقيع إلى ثالث، وكأن المعرض فضاء للترويج الذاتي وليس للإبداع الحقيقي. والتكرار المقيت نفسه للأسماء نفسها وللوجوه نفسها، بحيث تحس كأنك في حفل زفاف تديره عائلة واحدة، لا في معرض دولي يستقطب آلام وآمال أمة بأسرها.
ولا تكمن المأساة فقط في تنظيم يفتقر للرؤية والحس الإداري، بل في تفويت الفرصة الثمينة لمناقشة الأسئلة الجوهرية المحرقة. أين النقاش حول أوضاع الكاتب المغربي، حول وضعه الاعتباري والاقتصادي والاجتماعي؟ وأين الحديث عن حقوق المؤلف التي تٌنتهك في صمت؟ وأين قضية جائزة المغرب للكتاب ومعاييرها المتجاوزة غير المقنعة، والتي تحولت إلى وسيلة توزيع محاباة بدل أن تكون تكريمًا حقيقيًا للتفوق والإبداع؟ وأين الأسئلة حول جدوى الكتابة في زمن الذكاء الاصطناعي، وحول المحاصرة الإعلامية للفعل الثقافي، وحول لجوء المبدعين المغاربة إلى دور النشر العربية كي يسمعوا صدى أصواتهم بعد أن صمتت دائرتهم المحلية عنهم؟
إن غياب هذه الأسئلة ليس نسيانًا، بل هو تغييب متعمّد أو ناتج عن قصور عضوي، فهو أشبه بمن ينظم مهرجانًا للطبخ دون أن يوقد نارًا، أو يعقد مؤتمرًا للطب دون أن يدعو طبيبًا. فالثقافة ليست دعوات وإكراميات واستعراضات، ليست سجادًا أحمر وصورًا تذكارية وحضورًا إعلاميًا مموّلاً من مال دافعي الضرائب. الثقافة هي تلك الحالة الوجودية القلقة التي تدفع الإنسان للسؤال، والتمرّد على الوقائع السائدة، واقتحام المناطق المحظورة في الذاكرة واللغة والجسد. فكيف يمكن لهذا أن يحدث في خيمة تأكل الريع وتنام على المكاسب وتخنق كل صوت ناقد أو معارض؟
هذا المعرض الذي يُكرّس، سنة بعد سنة، ظاهرة الإقصاء والمركزية البغيضة، ليس فقط ظلمًا جغرافيًا أو إداريًا، بل هو جريمة رمزية بحق آلاف المثقفين والمبدعين في مدن وقرى وثغور مغربية لا تمثلها غير النخب الحقيقية، لا هذه الشللية الصغيرة التي تدير الملفات وتصادر الحلم. إن ما يحدث هو تفكيك ممنهج للنسيج الثقافي الوطني، وإغراق له في مياه الاحتفالات الزائفة، كي يغفل عن دوره المقاوم والنقدي والتنويري.
وما يزيد الطين بلة أن هذا التوجّه المقلق قد أصبح ظاهرة صاعدة لا تراجع عنها، مما يدفعنا إلى القول بأن المعرض يسير نحو تحول خطير: فهو لم يعد معرضًا للكتاب بقدر ما هو سوق للعلاقات وملهى للوجاهات، فعندما تستكين وزارة كاملة لهذا المنطق، وعندما يتحول سدنة المعرض إلى حراس لمصالحهم وامتيازاتهم لا إلى خدمة الثقافة، فإن الفاجعة تصير حتمية مؤكدة. ونحن نسمع عن إحباط وتذمر لا حدود لهما يخيم على الأوساط الثقافية، فحتى أولئك الذين جرت العادة بأن لا يتكلموا، بدؤوا يهمسون، ثم سيرفعون الصوت عالياً، لأن الصمت صار خيانة، والمشاهدة صارت وصمة عار.
الغريب أن الفاعل السياسي ما زال يجهل جدوى الثقافة باعتبارها محركًا أساسيًا لكل فعل تنموي واجتماعي وحضاري، لا زال ينظر إليها كملحق ترفيهي فاره، أو كديكور زائد للصورة الخارجية للمغرب. بينما الأمم العاقلة تستثمر في الثقافة كما تستثمر في الصناعة والزراعة، بل تسبقها في الأهمية لأن الثقافة تشكّل الرؤية والعقل الجمعي، فهل يُعقل أن ننظم معرضًا دوليًا للكتاب دون أن نطرح سؤال الرواج والإشعاع الثقافي، ودون أن نتساءل عن أسباب عزوف كبار الكتاب عن اقتراف فعل الكتابة ذاتها؟
أما الحديث بالأرقام، والتباهي بآلاف الزوّار، والملايين من المشاهدات، فهو ترهيب فج للعقل ومحاولة لفرض أمر واقع ثقافي لا يقنع أحدًا. فالحشود التي تستقدم من المدارس لا تنتج ثقافة، والصغار الذين يملؤون الفراغات ليسوا جمهورًا حقيقيًا للمعرض، هم ضيوف على وليمة لم يفهموا مذاقها بعد. والاختلاط الحاصل بين الغثّ والسمين، بين الثقافة الحقيقية والفعل الرديء، بين النخبة الأصلية والدخلاء وأشباه المثقفين، هو انتصار للهجنة والغثاثة، وهو بمثابة ضربة إضافية للنخب الحقيقة التي ترفع رأسها عاليًا خارج هذا السوق المأزوم.
وإذا كان المعرض قد تحول بهذا الشكل من فضاء للتلاقح الفكري والأدبي إلى عرس مغلق على نفسه، تديره أيادٍ لا تتورع عن استبعاد كل مخالف أو مغاير، فإن الخسارة ستكون فادحة ليس فقط على الوزارة الوصية، بل على الحراك الثقافي المغربي برمته.
إن الكاتب الحقيقي لا يبحث عن وليمة قصيرة الأمد، ولا عن كعكة يتقاسمها المحظوظون، بل يبحث عن اعتراف حقيقي بدوره في تشكيل العقل الجمعي، وعن تكريم يليق بمن يكتب رواية تخلد لخمسين عامًا، لا بمن يظهر على منصة عابرة من أجل صورة تذكارية. والمثقف المغربي الذي يصنع الفارق، هو ذلك المُهمّش اليوم في هذا المعرض، هو ذاك الذي لا يُدعى ولا يستشار ولا يحضر، لأنه ليس من الذين يجرون خلف الرزق الأدبي. إن هذا المعرض بممارساته الحالية، يسير نحو زوال بطيء، ليس من حيث استمراره المادي، بل من حيث محتواه الرمزي، الذي يتآكل سنة بعد سنة.
وعلينا أن نسأل: من المستفيد من هذا الوضع المزري؟ من الذي يريد للثقافة المغربية أن تبقى ضعيفة ومجزأة ومتخمة بالعلاقات لا بالابتكارات؟ إنه ذلك المثقف الزائف، الذي لا يجد تفسيرًا لوجوده إلا في غياب المثقف الحقيقي، ففي هذه الخيمة المظلمة، تضحك قلة قليلة وتحتفل، بينما يغضب أكثرهم ويشتكي ويئنّ. ولكن الغضب المنتج والمبدع، الغضب الذي يكتب في الظلام، ويملأ الدفاتر، ويصنع ثقافة موازية، هو وحده القادر على قهر هذه الخيمة، وإسقاط أوتادها، وفضح حقيقة أن المعرض لم يعد معرضًا، بل مجرد وهم سنوي يتبخر مثل سراب في الصحراء، بمجرد أن يُغادر آخر زواره معبر الخروج.








