- مصطفى قشنني
الحرب بإسم الرب أو الصراع على السماء أو بإسم السماء، ليس نزاعاً حدودياً، ولا حرباً على ثروات الأرض، بل هو احتكار المعنى الأعلى، ومحاولة تطويع المقدس ليصبح ترسانة حرب في يد البشر. حين تتحول الكتب المقدسة إلى رايات ترفع في ساحات القتل، وحين تُتلى الآيات لتبرير الغارات وتفجير الأبرياء، عندها لا يعود الدم مجرد جريمة، بل يصبح تدنيساً مضاعفاً: تدنيساً للإنسان، وتدنيساً للسماء ذاتها. السماء تتسع للجميع، لكن البشر يريدونها حكراً عليهم، فيحولونها إلى ساحة اقتتال، وكأن الرب نفسه يحتاج إلى جنود يدافعون عنه، تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
هذا الصراع المقدس بالاسم، الدنيوي بالجوهر، يكشف عن مفارقة كبرى: أكثر الناس تمسكاً بالسماء، هم الأكثر استعداداً لتحويلها إلى جحيم على الأرض. النصوص التي نزلت رحمة للعالمين، تتحول في أيديهم إلى خطط عسكرية، والصلوات التي كان يفترض بها أن تطفئ نيران الغريزة، تصبح وقوداً لها. وما أقسى المفارقة أن تقتل أخاك ثم ترفع عينيك إلى السماء طالباً المغفرة، كأن السماء تغفر لمن يسفك الدماء باسمها ، إنه العجب العجّاب!
الفيلسوف إيمانويل كانط، في صرامته الأخلاقية، رأى في هذا التناقض خيانة مضاعفة: خيانة للعقل الذي يميز بين الخير والشر، وخيانة للإله الذي يُفترض به أن يكون مصدر السلام لا الحرب. عندما يحاول إنسان أن يبرر قتلاً باسم الدين، فهو لا يخدع الآخرين فقط، بل يخدع نفسه أولاً، ويحول الواجب الأخلاقي المطلق إلى مجرد أداة للنزوة السياسية. العقل العملي، عند كانط، يفرض علينا أن نعامل الإنسانية في أنفسنا وفي الآخرين كغاية لا كوسيلة، فما بالك بمن يعامل روح الإنسان كوسيلة للدم؟ إن السلام الدائم الذي حلم به كانط ليس مجرد اتفاق سياسي، بل هو شرط أخلاقي مسبق، وأي حرب باسم الدين هي قبل كل شيء انتحار أخلاقي.
أما نيتشه، فقد فضح هذا التناقض بطريقته الحادة التي لا ترحم. كان يرى في أولئك الذين يكثرون من الكلام عن السماء، رغبة دفينة في السيطرة على الأرض. النفوس الضعيفة تحتاج إلى سلطة مطلقة تسندها، وأعلى سلطة يمكن استعارتها هي سلطة الإله نفسه. حين يرفع السياسي المصحف أو الإنجيل كسيف، فهو في الحقيقة يخفي ضعفه الإنساني خلف قوة غيبية، ويحوّل أتباعه إلى قطيع يتحرك بإشارته. نيتشه لم يكن يحارب الدين بقدر ما كان يحارب هذا التزييف، هذا الاستخدام المعطوب للمقدس الذي يقتل الحرية الفردية ويحوّل الإنسان إلى عبد. السماء، في قراءته، أسمى من أن تُحتكر، والله أكبر من أن يكون حزباً سياسياً أو جيشاً يحارب في صف أحد.
الفيلسوف العظيم برتراند راسل، بمنطقه العلمي الصارم، ذهب إلى جوهر المشكلة: لا يوجد شيء اسمه حرب مقدسة، لأن القداسة تنفي القتل، والقتل ينفي القداسة. إنها معادلة بسيطة لكنها عميقة: الدم المسفوك لا يمكن أن يكون مقدساً، مهما تعللنا بالنصوص، ومهما استشهدنا بالآيات. راسل يرى أن الدين حين يتحول إلى أيديولوجيا، فإنه يفقد جوهره الإنساني، ويصبح مجرد شعارات ترفع لتعبئة الجماهير وتأجيجهم نحو أهداف لا علاقة لها بالسماء. الحروب الدينية، في تحليله، هي حروب سياسية بحتة، تختبئ خلف جلباب القداسة لتضفي على نفسها شرعية لا تستحقها.
هكذا تتقاطع أصوات كانط ونيتشه وراسل، كل من زاويته الفلسفية المختلفة، في رفض واحد لا لبس فيه: رفض أن تتحول السماء إلى ساحة معركة. كانط يرفضها لأنها تناقض العقل الأخلاقي، نيتشه يفضحها لأنها تخفي إرادة السلطة وراء قناع الدين، وراسل يدينها لأنها تناقض الإنسانية ذاتها. ليس بينهم اتفاق مسبق، لكن الحقيقة الفلسفية تجمعهم: أن الرب بريء من دماء البشر، وأن كل من يزعم أن الإله في صفه إنما يشوه الإله قبل أن يشوه الإنسان.
لكن المأساة أن هذا الصراع على السماء لم يتوقف. من قادة الحرب في العصور الوسطى، إلى السياسيين المعاصرين الذين يرفعون الشعارات الدينية ليخفتوا صوت العقل، تبقى الآلية نفسها: استعمال المقدس لتبرير المدنس. ترامب يرفع الإنجيل أمام الكنائس، نتانياهو يتحدث عن أرض الميعاد، المرشد يعد أتباعه “المجاهدون” بالحور العين ، كلهم يفعلون الشيء نفسه: يسرقون القداسة من السماء ليلبسوها مشاريعهم الأرضية. الفرق فقط في الأسماء والتفاصيل، أما الجوهر فهو واحد: تحويل الدين إلى ترسانة، وتحويل الإنسان إلى أداة.
والأخطر من ذلك، أن هذه الآلية تتغذى على نوع معين من العقول: تلك التي تبحث عن يقين مطلق، عن إجابة جاهزة، عن هوية جامدة لا تحتاج إلى تفكير. حين يصبح الدين مجرد شعار، وحين تتحول العبادة إلى طقس آلي، يصبح الإنسان فريسة سهلة لكل من يريد تسخير قداسته لأغراض دنيوية. العقل النقدي هو وحده القادر على كشف هذا الخداع، لأنه يذكرنا بأن النصوص المقدسة نزلت في زمن وظروف محددة، وأنها تحمل في جوهرها قيماً إنسانية كونية، لا يمكن اختزالها في خطاب سياسي آني.
الصراع على السماء هو إذاً صراع على الأرض، لكنه صراع يلبس ثوب القداسة ليكون أكثر فتكاً. حين تختلط السياسة بالدين، يصبح النقاش مستحيلاً، لأن أي نقد يصبح نقداً للمقدس ذاته، وأي اختلاف يصبح خروجاً على الإيمان. هنا تكمن خطورة هذا المزيج الملتهب: إنه يغلق أبواب العقل، ويحول الحوار إلى ساحة معركة شرسة، ويجعل من الأرض جحيماً باسم الجنة.
يبقى السؤال الأعمق: هل يستطيع الإنسان أن يتحرر من هذا الوهم، وهم امتلاك الحقيقة المطلقة، وهم أن الإله في جُبّته، وهم أن السماء تحارب معه ضد الآخرين؟ التحرر من هذا الوهم ليس سهلاً، لأنه يعني أن نعترف أن حقيقتنا ليست كل الحقيقة، وأن إيماننا ليس تفويضاً مطلقاً لإقصاء الآخرين أو قتالهم. لكن هذا الاعتراف هو بالضبط ما يميز الإنسان المفكر عن الإنسان المسيّر، وما يميز الدين الحي عن الأيديولوجيا الميتة.
السماء لا تحتاج إلى جنود، لأنها ليست مملكة أرضية. من يقتل باسم الله، إنما يقتل الله في قلبه قبل أن يقتل أخاه في الجسد. من يحول النصوص إلى سيوف ويلوي أعناقها لحاجة في نفسه، إنما يحول الإيمان إلى جريمة. والرب، في النهاية، بريء من كل هذا الفتك، بريء من كل هذا الدم، بريء من كل من يزعم أنه ينوب عنه في الأرض، وهو لا يملك حتى أن ينوب عن نفسه أمام ضميره.
إن الصراع على السماء يكشف هشاشة الإنسان المروعة حين يواجه فراغ المعنى. بدلاً من أن يبحث عن العدل في الأرض بالوسائل الأرضية، يرفع رأسه إلى السماء ليبرر ظلم الأرض. بدلاً من أن يبني جسوراً حقيقية بين البشر، يبني أسواراً دموية باسم الرب. بدلاً من أن يرى في النصوص دعوة إلى الرحمة والعدل، يراها خطة حرب وخريطة استعمار. وهكذا يتحول الدين من رسالة خلاص إلى أداة هدم، من نور يهدي إلى سلاح يقتل، من ملاذ آمن إلى ساحة قتال ضيقة. وهذا التحول الجوهري ليس قدراً محتوماً ولا ضرورة تاريخية، بل هو خيار بشري واع، خيار نابع من شهوة السلطة الجامحة ومن رغبة الهيمنة المطلقة. وكلما زادت هذه الشهوة، زاد استغلال السماء، وزاد تشويه النصوص، وزاد الدم المسفوك بلا ذنب.
نحن اليوم أمام مشهد مأساوي مركب: الأرض تغرق في الدم والدمار، والسماء تُستغل كذريعة وغطاء، والإنسان يُسحق بينهما بلا رحمة. لكن رغم هذا السواد الدامس، يبقى الأمل ممكناً في أن ينهض وعي جديد، وعي نقدي جريء، وعي يرى أن الرب ليس طرفاً في حروب البشر، بل هو المعنى الأسمى الذي يحررهم من هذه الحروب. وعي يدرك أن النصوص المقدسة ليست صكوكاً للقتل والإبادة، بل هي دعوات للرحمة والعدل. وعي يرفض رفضاً قاطعاً أن يُختزل الدين في شعارات سياسية، ويرى فيه طريقاً نحو تحرير الإنسان لا نحو استعباده، نحو السلطة الأخلاقية لا نحو سلطة القمع. هذا الوعي النقدي الثوري هو ما يمكن أن ينقذنا من الصراع المدمر على السماء وبإسم السماء، لأنه يعيد السماء إلى مكانها الحقيقي: فضاءً للرحمة المطلقة، لا ساحة للدم .









ابن رشدمنذ شهرين
الله اسمه الرحمة والمحبة وهذا ما ذهب إليه مقالكم الرائع بارك الله فيك استاذ مصطفى
عبد الباقيمنذ شهرين
شكرا لكم دكتور مصطفى قشنني بارك الله فيك طرح في قمة العقل والمنطق بوركتم
حقيقةمنذ شهرين
، المعركة الحقيقية ليست بين الأرض والسماء، بل داخل وعي الإنسان نفسه: بين نور النقد وظلام التبعية، بين أخلاق الرحمة ومنطق القوة. وحين ينتصر هذا الوعي، لا تنتهي الحروب فقط، بل يبدأ تاريخ جديد… تاريخ يُكتب باسم الإنسان، لا على حسابه تحياتى للمنبر الصادق.