- مصطفى قشنني
في مشهد يجمع بين عبقرية الإختيار وروعة المفارقة، اجتمع أمس الجمعة في الرباط أعضاء اللجنة المؤقتة المكلفة بممارسة مهام المجلس الوطني للصحافة، ليكونوا شهوداً على لحظة تأسيسية فريدة من نوعها: لحظة تحتضر فيها “سلطة الصحافة الرابعة”و يُسجى بها أمام ممثل “السلطة القضائية” ذاتها، وكأن القدر أراد أن يكتب للصحافة المغربية نهاية تليق بمسيرة بدأت بالوعود الكبرى وانتهت بالتنصيب القضائي.
لا غرو أن تكون رئاسة اللجنة من نصيب قاضٍ من المجلس الأعلى للسلطة القضائية، فالصحافة المغربية التي طالما تغنت باستقلاليتها كرابع سلطة في الدولة، ها هي اليوم تُسلَّم مقاليدها إلى من يمثل السلطة الثالثة، في لعبة تبديل أدوار مذهلة، وكأن أحداً ما قرر أن يحوّل مهنة المتاعب إلى قضية يتولاها القضاء، في سابقة ربما تكون الأولى من نوعها عالمياً. فهل يمكننا أن نتخيل يوماً أن يرأس صحفي هيئة أوسلطة قضائية؟ إنه سؤال لا يحتاج إلى إجابة، فالمسألة ليست مسألة أشخاص بقدر ما هي مسألة مبدأ وهوية، فالصحافة، بوصفها مهنة قائمة على النقد والمراقبة، لا يمكن أن تُدار من قبل من يُفترض أن يكون محايداً في خصوماتها، وإلا أصبحنا أمام مفارقة مريعة: كيف لصحفي أن يمارس دوراً رقابياً على مؤسسة يرأسها من يمثلها؟
لكن المفارقة لا تقف عند هذا الحد، فتلك اللجنة العجيبة – التي تتكون من أصدقاء أحترمهم وأقدرهم – تضم إلى جانب ممثل السلطة القضائية، ممثلاً عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وآخر عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان، كأن الصحافة المغربية التي تعاني أزمة وجودية منذ عقود، قد أصبحت بحاجة إلى وصاية جماعية من كل مؤسسات الدولة عدا مؤسستها الأم، في تجاهل صارخ للنقابة الوطنية للصحافة المغربية التي طالما ناضلت من أجل استقلالية المهنة، وكأن القائمين على الأمر يقولون بصوت عالٍ: إن الصحافة المغربية ليست أهلاً لإدارة شؤونها بنفسها، وإنها بحاجة إلى “طاقم إنقاذ” من مؤسسات الدولة لإنقاذها من نفسها.
والأكثر إثارة للضحك، بل للبكاء، هو التعيين الإداري لممثلي فئتي الناشرين والصحافيين المهنيين من قبل رئيس الحكومة، في انتهاك صريح لأبسط مبادئ التنظيم الذاتي للمهنة التي كان يفترض أن تقوم على الانتخاب، لا على التعيين الحكومي. إنه تحويل لمجلس الصحافة إلى إدارة حكومية مصغرة، تنضاف إلى إدارات الدولة التي يشتكي الجميع من بيروقراطيتها، فيما كان من المفترض أن يكون المجلس الوطني للصحافة واحة للحرية في صحراء القيود، فتجيء هذه اللجنة لتزرع فيها أعمدة الوصاية الحكومية.
وإذا كان البعض يتذرع بأن هذا الإجراء نابع من القانون الذي صادق عليه نواب الأمة، فإن الحقيقة التي لا تقبل الجدل هي أن هذا القانون كان مفروضاً على أغلبية المهنيين، وهو لا يزال محل أخذ ورد بينهم، وكأن الفرق بين الأمس واليوم هو أن الوزير القوي في إبان سنوات الرصاص إدريس البصري كان يمارس الوصاية باسم وزارة الداخلية، بينما تمارس اليوم باسم “القانون” و”المؤسسات الدستورية”، مع فارق بسيط: أن البصري كان صريحاً في وصايته بل وكان يجمع بين الوزارتين: الداخلية والإعلام، بينما هذه المرة الوصاية تلبس ثوب المؤسسية الدستورية.
إنه وضع لا يمكن وصفه إلا بأنه كارثي بكل المقاييس، فالصحافة المغربية، التي تعاني أصلاً أوضاعاً اجتماعية واقتصادية مزرية وغير مسبوقة، من تدني الأجور إلى هشاشة العقود إلى غياب الحماية الاجتماعية، ها هي اليوم تواجه أزمة هوية إضافية تتمثل في هذه الوصاية المستترة، وكأن هناك مؤامرة متكاملة الأركان لإجهاض أي محاولة لنهوض المهنة من كبوتها، خاصة في ظل تحولات رقمية قلبت موازين الصناعة الإعلامية، وأضعفت قدرة المؤسسات التقليدية على المنافسة، وجعلت الصحافة المهنية في مواجهة شرسة مع فوضى المحتوى الرقمي وفيوض واد السيليكون.
لقد تجاوزت الصحافة المغربية، في هذا المشهد العبثي، مرحلة الأزمة إلى مرحلة الكوميديا السوداء، حيث يتولى القضاء رعاية مهنة كان من المفترض أن تراقب القضاء، وتُعيَّن الحكومة ممثلي المهنة الذين كان من المفترض أن ينتخبوها، وتحضر مؤسسات دستورية لتزكية هذا التعيين الذي يكرس وصاية متعددة الرؤوس على مهنة كانت تحلم بالاستقلال، فلا غرو أن نجد الصحافيين المغاربة في حيرة من أمرهم: هل يمارسون مهنتهم كصحافيين، أم ينتظرون أحكاماً قضائية في كيفية ممارستها؟ وهل يطمحون إلى تغطية الأحداث، أم ينتظرون توصيات اقتصادية حول كيفية عملهم؟ وهذا أمر عجيب لا نجده إلا في قطاع الصحافة الذي أصبح متعدد الوصايات..الشيء الذي لا نجده في هيئات وقطاعات مهنية أخرى مشابهة أو غير مشابهة فعلى سبيل المثال هل تقبل هيئة المحامين أن يرأسها قاض؟ هل تقبل هيئة الأطباء أن يرأسها قاض؟ هل تقبل هيئة المهندسين أن يرأسها قاض؟ هل تقبل هيئة الصيادلة أن يرأسها قاض؟…هذه مجرد أسئلة أطرحها بحرقة غيرة على مهنة كبّدتني الكثير ولا زالت.. .
إن هذه اللجنة المؤقتة التي ستتولى التحضير لانتخابات ممثلي الصحافيين والناشرين، تشبه، مأموراً يُكلف بتنظيم انتخابات في سجن يعيش فيه النزلاء تحت وصاية الإدارة، فكيف يمكن لمجلس يُشكل بهذه الصورة أن يضمن انتخابات بالشكل الذي نتطلع إليه؟ وكيف يمكن لصحافيين يعيشون هشاشة اقتصادية أن يمارسوا حقهم في الاختيار بحرية تحت سقف وصاية متعددة الأبعاد؟حيث تمنح اللجنة المؤقتة صلاحيات تبدو محدودة، لكنها في جوهرها تمهد لولادة مجلس وطني يولد مشوهاً من رحم هذه الوصاية المتعددة، ليكون نتاجاً شرعياً لتلك العملية التوليدية العجيبة، التي عبرت عنها في وقت سابق بالمثل المغربي الدارج:”يدي ويد القابلة والحرامي يخرج أعور”.
صدقوني لقد عشنا ورأينا بأم أعيننا ، أن الصحافة المغربية، التي كانت تحلم بأن تكون صوتاً للصامتين، ومنارة للحقيقة، وناقداً للسلطة، أصبحت اليوم سلطةً تدار بقضاتها وممثلي مؤسساتها، وكأنها في سباق مع الزمن لتعيد تعريف نفسها خارج إطارها التقليدي، أو ربما خارج إطار الوجود ذاته. إنه وضع مقلق، خاصة أن الصحافة المغربية تعيش أصلاً أوضاعاً اجتماعية واقتصادية بائسة، من تدني الأجور إلى هشاشة العقود إلى غياب الحماية الاجتماعية، إلى جانب انهيار نموذجها الاقتصادي التقليدي أمام المد الرقمي، وإذا كان الصحافي المغربي يتساءل اليوم: من سيحميني من فقر المداخيل ومن بطش الفقر المهني، فسيجد نفسه أمام إجابة ساخرة: إن القضاء سيحمي مهنتك، والمجلس الاقتصادي سيدرس وضعك، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان سيدافع عن كرامتك، ورئيس الحكومة سيعين من يمثلك، وكأن الجميع يعمل من أجل صحافة لا تملك من أمرها شيئاً سوى دور المتفرج على هذه “الكوميديا” التي تتناقض فيها الأدوار وتتشابك فيها المصالح، لتبقى الصحافة المغربية في النهاية ذلك الطفل الذي ولد من رحم التناقض، ليكبر في ظل وصاية جماعية، ويحلم بالحرية التي يراها في أحلامه فقط دون أن يُلامسها في واقعه – لنا عودة لهذا الموضوع لاحقا -.









مهتممنذ 33 دقيقة
من يريد هذا العبث؟من يريد شرا بالسلطة الرابعة من يريدها راكعة؟ تحياتي لكم مقال في اعلى المستويات الإبداعية..خاصة في مقارنتكم بين الصحافة في سنوات الرصاص والصحافة في خضم العهد الجديد..لا فرق بل ما نشاهده من خنق ابلغ من كل تعبير ووصف..
محاممنذ 36 دقيقة
مقالك يختزل كل شيء.انا شخصيا بعيد عن مجال الصحافة إلا ما اتابعه وأقرؤه..لكن فهمت كل ما ينبغي فهمه.. تحياتي لكم ولقلمكم الحر النظيف
عبد الباقيمنذ 38 دقيقة
شكرا لكم دكتور مقال اثلج صدري..المهم قلت الكثير وقلت كل شيء
Conscienceمنذ ساعتين
Malheureusement
Nous sommes devant le metteur en scène d’un vote qui se joue dans une prison
Sincèrement , comment parler de liberté de choix quand le journaliste est enchaîné par
précarité ? La fragilité et la misère ???
Avec une presse en situation socio-économique alarmante et une commission aux pouvoirs de façade ,il n’ y aurait plus de conseil libre . , c est bizarre : Tutelle et un conseil boiteux avant même sa première respiration ?
On nous prépare un Conseil bancal, né d’un accouchement sous surveillance.
Un conseil légal sur le papier… illégitime dans l’âme.
Vraiment ,Monsieur le journaliste ,c’est tout un monde de presse qui devient dysfonctionnel , avorté ou mal né.
. Et c’est ça la catastrophe.