ركلة في مرمى المستحيل.. لماذا لا ننقل عبقرية الكرة المغربية إلى مستشفياتنا ومدارسنا وتنميتنا البشرية…؟

admin
2026-07-18T03:17:40+02:00
مقالات رئيس التحرير
admin18 يوليو 2026آخر تحديث : منذ 12 ساعة
ركلة في مرمى المستحيل.. لماذا لا ننقل عبقرية الكرة المغربية إلى مستشفياتنا ومدارسنا وتنميتنا البشرية…؟
  • مصطفى قشنني

هناك، في تلك اللحظة التي سكنت فيها الكرة شباك المنتخبات العظمى، وتاهت فيها عقول الخبراء، واحترقت فيها شاشات التحليل، لم يكن المغرب يلعب كرة القدم؛ بل كان يكتب أسطورة جديدة عن قدرة الجماعة على هزم المستحيل، كان يعيد تعريف المنطق، ويقلب موازين الإحصائيات، ويصنع من الإرادة ما تعجز عنه الميزانيات. في تلك الليلة، راهن الجميع على السقوط، فكان الصعود، وتنبأ الكل بالهزيمة، فكان الانتصار. كأننا قلنا للعالم: نحن لا نعرف المستحيل، نحن نعرف كيف نصنع من الخيال واقعاً. ولكن، بينما كانت الأقدام تلامس النجوم، كانت عقولنا و أجسادنا في بلدنا ترزح تحت أوزان أثقل من أي دفاع، وتواجه هجوماً أشد ضراوة من أي مهاجم، إنها معركتنا اليومية في قطاع الصحة الذي يئن، والتعليم الذي يتردى، والتشغيل الذي يتبخر، والتنمية التي نطارد سرابها. وكأننا، بعد أن ركلنا الكرة في مرمى المستحيل، نسينا أننا نلعب في مرمى واقعنا بكرة مثقوبة.

إنها لمفارقة موجعة، أن نرى شباباً صنعوا المعجزات بأحذيتهم الرياضية، بينما يفتقد عشرات الآلاف من المغاربة لأبسط مقومات العيش الكريم، وأن نرى تلك الروح الجماعية التي هزمت أعتى الفرق، تتلاشى أمام لوبيات قوية و مصالح ضيقة. في الصحة، نتحدث عن مجهودات، ولكننا نعيش كارثة يومية. الأمر لا يتعلق بنقص في الأدوية أو سرير هنا أو هناك؛ إنها أزمة وجود، أزمة في الرؤيا. فالمستشفيات العمومية، تلك القلاع التي يفترض أن تكون حصوناً للحياة، تحولت في كثير من الأحيان إلى متاهات من اليأس، حيث يتنافس المرضى على نظرة من طبيب مرهق، أو جرعة من أكسجين تنقصها الكثافة. إن هيمنة لوبيات الأدوية ليست مجرد فساد إداري؛ إنها فلسفة قائمة على جعل الصحة سلعة، لا حقاً إنسانياً. هذه اللوبيات، التي ترقص على أنغام المليارات، تجعل الدواء عصياً على الفقير، وكأنها تقول له: “مرضك هو مصدر رزقنا، فلا تتعجل الشفاء.” أما المصحات الخاصة، فترتفع كجزر منعزلة من الرفاهية وسط محيط من العوز، تقدم خدماتها لمن يقدر، وتؤكد أن الصحة الجيدة حكر على فئة لا تعرف معنى الانتظار في الطوابير. ووسط هذا كله، يقف الممرض والطبيب العام، جندياً مجهولاً في حرب لا يملك سلاحاً، يواجه تدفقاً بشرياً هائلاً بموارد هزيلة، ويرى كرامته تنزف مع كل ساعات العمل الإضافي غير المدفوع، بينما يتقاضى زميله في القطاع الخاص أضعافاً مضاعفة مقابل ابتسامة. إن النقص الحاد في الموارد البشرية بعشرات الآلاف ليس مجرد رقم؛ إنه موت بطيء لآلاف الأرواح التي كانت يمكن إنقاذها، وطرد للكفاءات إلى المهجر، حيث يجد الطب المغربي فرصته الذهبية في أوروبا والخليج، بينما يبحث المغربي عن طبيبه في بلده كما يبحث عن الضالة.

ثم نتجه إلى التعليم، تلك السفينة التي تغرق ببطء، حاملة معها مستقبل أجيال. التعليم في المغرب يعيش انفصاماً شخصياً حاداً، بين إرادات مصلحية تعلن الإصلاحات كل موسم، وبين واقع تتداعى فيه أسوار المدرسة العمومية. لم يعد الأستاذ مربياً أو معلماً، بل أصبح حارساً لبوابة معبد يتهدم، يحاول أن ينقل شيئاً من المعرفة وسط فوضى المناهج المتضاربة، وغياب الوسائل، وتضخم الأقسام، وانهيار مكانة المعلم نفسه في المجتمع. إننا نصر على تدريس تاريخ وعلوم لا علاقة لها بواقع أطفالنا، وكأننا نعدهم لعالم افتراضي، بينما يتفوق علينا العالم في كل شيء. النتيجة؟ جيل يتخرج يحمل شهادات تافهة القيمة في سوق عمل لا يرحم،  جيل يبحث عن وظيفة بلا أفق، فينضم إلى جيش العاطلين، أو يهاجر، أو يغرق في بحر الهشاشة واليأس. والتشغيل؟ إنه انعكاس طبيعي لهذا الفشل المزدوج، فهو أزمة هيكلية، لا دورية. ليس هناك ربط بين مخرجات التعليم وحاجيات السوق، ولا بين طموحات الشباب وإمكانيات الدولة، فنجد أنفسنا أمام فقاعة من البطالة المقنعة، وشباب متعلم يعمل في مهن لا تليق بمستواه، أو ينتظر فرصة من “الواسطة” التي أصبحت عموداً فقرياً للاقتصاد الموازي. إن التنمية البشرية، في هذا السياق، ليست مجرد شعار يرفع في المؤتمرات، بل هي حلم يتلاشى تحت وطأة هذا التراكم من الإخفاقات. فكيف نبني إنساناً متكاملاً، وجسده مريض، وعقله مشوه، وروحه محطمة، وعمله سراب، ومستقبله مجهول؟

أليس من السخرية أن نرى الخريطة الذهنية للتنمية في المغرب تشبه ملعب كرة قدم، حيث تستثمر المليارات في تصدير المواهب الرياضية، بينما نهدر المليارات في استيراد الأدوية والكوادر الطبية والعلمية؟ وأليس من التناقض الصارخ أن نُطلق مشاريع لإنجاز مشروع ضخم ككأس العالم، بينما تظل الكثير من المدارس والمستشفيات العمومية تنتظر صيانة منذ عقود؟ دعونا نكن صادقين، القضية ليست قضية أموال فقط، بل هي قضية أولويات ومرجعيات أخلاقية وسياسية. نحن نحتاج إلى نفس الروح التي قادت المنتخب الوطني: روح المجموعة، والتضحية، والانضباط، والثقة بالنفس، والإيمان بأن المستحيل مجرد كلمة. تلك الروح التي حولت اللاعبين إلى أساطير، لو تم استحضارها في إدارة الشأن الصحي والتعليمي، لكان بإمكاننا أن نقلب الطاولة على لوبيات الفساد، وأن نعيد الاعتبار للقطاع العام، وأن نجعل المدرسة والمستشفى في خدمة المواطن، لا في خدمة مصالح ضيقة وصفقات فيها نظر.

نحن بحاجة إلى ثورة في العقيدة، أن نؤمن بأن الصحة ليست سلعة، والعلم ليس امتيازاً، والعمل ليس نعمة، بل هي حقوق أساسية تكفل كرامة الإنسان. نحتاج إلى أن نمد جسوراً بين الكفاءات المغربية في الخارج والوطن، بدل أن نبني لهم جسوراً للهجرة. نحتاج إلى إعادة هيكلة المنظومة التعليمية لتتواكب مع العصر، وتعتمد على التفكير النقدي والابتكار، بدل التلقين والحفظ. نحتاج إلى محاربة البيروقراطية والفساد الذي يستنزف مقدرات الدولة، ونجعل من الشفافية والمساءلة أسلوب حياة. وإذا كنا قد نجحنا في تشكيل فريق كرة قدم يتحدى العالم بإمكانيات متواضعة، فلماذا لا ننجح في تشكيل فريق وطني موسع من الأطباء والأساتذة والمهندسين والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، لمواجهة التحديات الحقيقية التي تهدد مستقبلنا؟ إن المجازفة التي قادتنا إلى ربع نهائي كأس العالم، هي نفس المجازفة التي نحتاجها لتغيير واقعنا، أن نركل الكرة بقوة في مرمى الجمود واليأس، ونحن نعلم أنها قد ترتد إلينا، ولكننا سنظل نحاول. نحتاج إلى رجال ونساء يتحلون بشجاعة حكيم زياش، وذكاء سفيان أمرابط، وإخلاص ياسين بونو، في مواقع القرار والتخطيط والتنفيذ.

إن نجاح المنتخب كان درة في تاج وطن يبحث عن أمجاد، ولكن السؤال المحرج الذي يطرح نفسه بقوة: ماذا بعد الفرحة؟ هل سنظل نعيش على فتات الانتصارات الرياضية، بينما تتحطم حياتنا اليومية على صخور الفشل الممنهج؟ هل سيكون مجدنا الوحيد في الملاعب، ونحن نتراجع في كل المؤشرات الدولية للتنمية والصحة والتعليم؟ إنني أرى في هذه الركلة الشهيرة في مرمى المستحيل، ليست مجرد لحظة رياضية، بل هي استعارة عظيمة لحالة أمة. الأمة التي تستطيع هزيمة هولاندا  وسكوتلاندا وكندا… هذه الأمة قادرة بلا شك على هزيمة لوبيات الأدوية، واحتكار المصحات، وتخبط المدرسة العمومية، وجمود سوق الشغل، وسراب التنمية… لكن الأمر يحتاج إلى إرادة سياسية لا تتزعزع، وإلى وعي مجتمعي يتجاوز لحظات الانتصار المؤقتة، وإلى إصلاح جذري يعيد تعريف الدولة الاجتماعية ويضع المواطن في قلب كل سياسة وكل ميزانية.

فلتكن هذه الركلة درساً لنا: المستحيل ليس في قدراتنا، بل في تخاذلنا. المستحيل ليس في إمكانياتنا، بل في إرادتنا. المستحيل هو أن نرضى بهذا الواقع. فكما صنعنا المعجزة في الملعب، لنصنعها في المستشفى، وفي المدرسة، وفي المصنع، وفي الحقل. وكما هتف العالم بإعجاب لمغرب الكرة، ليهتف لمغرب المعرفة والإبداع والعدالة الاجتماعية. لقد حان وقت المباراة الحقيقية، مباراة بناء الإنسان وكرامة الإنسان أولا، ثم ننتقل بعد ذلك إلى مباراة لا نتلقى فيها الأهداف، بل نسجلها في مرمى التخلف والظلم والجهل. فلنرفع شعاراً جديداً: لا للمستحيل في الصحة، ولا للمستحيل في التعليم، ولا للمستحيل في العمل، ولا للمستحيل في الكرامة… فلنركل الكرة بقوة، ليس في مرمى الخصم، بل في مرمى كل العوائق التي تحول بيننا وبين مستقبل مشرق. فلنكن منتخباً وطنياً متكاملاً، لا يكتفي بهزيمة الخصوم في الملاعب، بل يهزم الفقر والمرض والجهل والتخلف في ربوع الوطن. فلنحوّل طاقة الفرح الجماعي إلى طاقة بناء وإصلاح، ولنجعل من نبوءة النجاح الكروي، نبوءة نجاح شامل يليق بمغرب الأمل والتحدي الذي يريده جلالة الملك.

فالآن، وبعد أن أثبتنا أننا قادرون على هزيمة العالم في لعبة الكرة، حان الوقت لإثبات أننا قادرون على هزيمة الفقر والمرض والجهل في لعبة الحياة. أليست الحياة هي المباراة الحقيقية التي لا تقبل التعادل؟.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.