- مصطفى قشنني
في بداية تسعينيات القرن الماضي، كنا نرددها في الحي الجامعي، بين جدرانٍ باردة وأحلامٍ دافئة، نغنيها كما يتعلم الأطفال الأناشيد: ” ناح النواح والنواحة على بقرة حاحا النطاحة”. لم نكن نعرف من هي حاحا، ولا لماذا تنطح، ولا من سرق لبنها. كنا فقط نغني، لأن الغناء في تلك السنوات كان فعل مقاومةٍ صغيراً، ولأن الشيخ إمام حوّل زنزانته إلى ميكروفون، وحوّل يأسنا إلى كورال. لم أكن أعلم أن الأيام ستعلمنا أن البقرة التي بكينا عليها لم تمت، بل تنكّرت في هيئة أخرى، وجلست على كرسي، وبدأت تحلب بدورها. ثم جاءني حكيمٌ آخر بحكمةٍ ثالثة، فقال: إذا مُنحت منصباً عالياً فأنت كمن مُنح حصاناً للركوب، فلا تركب، بل جرّه وامشِ بموازاته. لأنك إن ركبت ستتلذذ بالركوب، ويعجبك الظهر الوثير، وتنتشي، وحين يُطلب منك النزول ستكشر عن أنيابك. فالأفضل ألا تركب، وإن أرادوا استرجاع الحصان فسلّمه وأنت مطمئن، لأنك لم تمتطِه أصلاً.
وقفتُ أمام الحكمتين أتأملهما، فوجدتهما تتحدثان عن الكائن ذاته بلغتين مختلفتين. الحكيم الأول يتحدث عن الحصان، والشيخ إمام يغني على البقرة. وبين الحصان والبقرة، وبين الركوب والحلب، تتكشّف لنا طبيعة العلاقة بين الإنسان والسلطة. فالحصان، مثل الضّرع، عضو غريب في جسد السلطة: لا ينتج شيئاً من ذاته، بل يحوّل ما يصل إليه من نفوذٍ ووجاهةٍ إلى امتيازاتٍ ومكاسب. ومن يمتطيه لا يبكي حين يُطلب منه العطاء، بل يبكي حين يُطلب منه النزول. والفرق بين من يجرّ ومن يركب هو الفرق بين من يخدم السلطة ومن تخدمه، بين من يمرّ عليها ومن تسكنه، بين من يعرف أنها عارية مؤقتة ومن يظن أنها جلده الذي لا يُنزع.
والحق يُقال أن أكثرنا لا يقاوم لذة الركوب. ظهر الحصان وثير، والمنظر من الأعلى خلّاب، والصوت الذي يصدره الحصان حين يسير يحمل نبرة تشبه الموسيقى. فيبدأ الراكب يصدّق أنه هو من يسير، وينسى أن الحصان هو الذي يحمله. ثم يأتيه الركوب بالانتشاء، والانتشاء بالغرور، والغرور بالعمى، والعمى بالتوهم أن الكرسي جزء من جسده، وأن نزوله عنه كقطع عضوٍ لا كترك مقعد. وحين يُطلب منه النزول، لا ينزل بل يكشّر عن أنيابه، ويصرخ، ويرعد ويزبذ ويتّهم، ويبكي وينوح، ويتحدث عن الغدر والنكران، وكأن من يطلب منه النزول يطلب منه التخلي عن كرامته لا عن منصبه. وهنا يكمن جوهر الحكمة: من لا يركب لا يخاف من النزول، ومن يمشي بموازاة الحصان يحتفظ بقدرته على المشي، على أن يكون إنساناً كاملاً بلا ظهرٍ وثيرٍ ولا صهوةٍ ولا رَسَن.
وتأمل المفارقة: الحصان يُمنح لك لتخدم لا لتُخدَم، لكن القاعدة في بلادنا انقلبت، فصار المنصب تكليفاً في الخطاب وتشريفاً في الممارسة، وصار الكرسي ضرعاً يُحلب لا مسؤولية تُؤدّى. لذلك يصبح الرحيل مأساة، لا لأن خدمة الوطن انتهت، بل لأن الحلب توقف. ومن استقام على المنصب خدمةً يودّعه الناس بالدعاء، ومن استقام عليه غنيمةً يودّعه الناس بالدعاء أيضاً، لكن دعاء الخلاص. والفرق بينهما أن الأول يعطي الحصان لمن بعده ويمشي، والثاني يطالب بالحصان ويصرخ ويبكي حين يُطلب منه أن يتركه. والبكاء ليس عيباً في ذاته، العيب في سببه. من يبكي لأن الحصان ذهب فقد أخطأ في التقدير، ومن يبكي لأن الخدمة لم تكتمل فقد أخطأ في الميزان. أما من يجرّ الحصان ويمشي، فإن الرحيل لا يشعره بخسارة، لأن ما كان يملكه في الحقيقة لم يكن هو الحصان، بل قدرته على المشي بدونه.
وإذا كان الحصان هكذا، فالمواطن هو البقرة الحقيقية في هذه الحكاية كلها. هو من يُحلب بصمت، ويُطلب منه الصبر والتحمل، ويُقال له إن اللبن الذي يُسلب منه سيُستثمر في التنمية والبناء. لكن المواطن، مثل البقرة في الأغنية، يرى اللبن يذهب إلى الخواجات وأولاد الشوم، ثم يُسأل: لماذا وقعت في البير؟ فيجيب كما أجابت البقرة: وقعت من الخوف، والخوف يجي ليه من عدم الشوف. عدم الشوف هو الطامة الكبرى: أن تُحلب دون أن ترى أين يذهب اللبن، وأن تصمت دون أن تعرف لماذا، وأن تنتظر من يعيد العدل فلا يأتي.
والديمقراطية في جوهرها فنّ إدارة الرحيل: أن تستقيل قبل أن تُطالَب بالاستقالة، وأن تنزل عن الحصان قبل أن يُطلب منك النزول، وأن ترحل قبل أن تُدفع إلى الرحيل. وهي في الوقت ذاته نظام الحلب العادل: ضرع مشترك، وحالبون يتناوبون، وقوانين تحدد من يحلب ومتى وكيف. أما ما نعيشه فهو نظام الحلب الوراثي ونظام الركوب الدائم: نفس الحالبين، ونفس الراكبين، ونفس البكاء ونفس النواح حين يُطلب منهم الرحيل. وفي هذا النظام تصبح السياسة فنّ الاحتفاظ بالضرع والصهوة معاً، والبرلمان مسرحاً للتراشق حول من يستحق الحلب والركوب أكثر، والانتخابات طقساً لإعادة إنتاج نفس الحالبين والراكبين بأسماء جديدة .
وما يزيد المشهد كشفاً أن التراشق بين الغرماء السياسيين كثيراً ما يبلغ القذف والتجريح والتشهير، وكلٌّ يترصد هفوة الآخر ويحاججه بالتفاهات، مع أن الجميع سواء في عشق الكرسي وصعوبة مغادرته، وسواء في انتشاء الركوب والاستمتاع بالضرع. قليل من يزهدون في المناصب، لأن المسؤولية عندنا تتيح امتيازات جمّة: من يبجّلك بمعالي الوزير والنائب المحترم، والسيارات الفخمة، والسائقون، والحاشية، والوضع الاعتباري داخل المجتمع. وكل هذه الامتيازات تُحلب من ضرع واحد وتُركب من حصان واحد، وكل من يجلس عليهما يخشى لحظة الجفاف ولحظة النزول. ومن هنا نفهم لماذا لا يستقيل أحد إلا إذا فُرضت عليه الاستقالة من فوق، ولماذا يُصرّ المطرود على تسمية الطرد تعييناً في مهمة أخرى. فإذا رأيت مسؤولاً يرعد ويزبد في نهاية عهدته، فالتمس له العذر، فهو لا يدافع عن رأي ولا عن إنجاز، بل عن ضرعٍ على وشك أن يجفّ وحصانٍ على وشك أن يُسحب.
وفي آخر المشهد يبقى المواطن واقفاً خارج هذه المآتم، يراقب العيون الرطبة والخطب المتعبة والحكايات المتكررة عن الغدر، ويسمع النواح فيتذكر الأغنية القديمة: “ناح النواح والنواحة على بقرة حاحا النطاحة، والبقرة حلوب تحلب قنطار، لكن مسلوب من أهل الدار”. لكنه يدرك أن البقرة تغيّرت، وأن النواح تغيّر، وأن البكاء تغيّر. البقرة القديمة كانت تُحلب بصمت، والبقرة الجديدة تحلب ثم تبكي حين يُطلب منها النهوض. وحين يرحل الراكب، لا يبقى منه إلا ما فعل، لا ما ركب. ومن فهم هذا منذ البداية لم يحتاج إلى مأتم حين يرحل، ولم يكشّر عن أنيابه حين يُطلب منه النزول، ولم يعدّ قائمة الإنجازات دفاعاً عن صهوةٍ لم تكن يوماً ملكه. فالكرسي لا يحب أحداً، والحصان لا يعرف صاحبه، والضرع لا يحمل اسم حالبه. ومن عاش يظن أن السياسة بدأت به، فلا غرابة أن يكتشف في نهايتها أن لديه أسباباً أخرى كثيرة للبكاء والنواح، وأن الحكيم كان محقاً حين قال: سلّم الحصان وامشِ، وستجد أن المشي على قدميك أهون من البكاء على ظهرٍ لم يكن لك…
ملاحظةٌ لا علاقة لها بما سبق
ثمة محاكمات لا تُطالِب بحقٍّ فحسب، بل تُذكِّرنا أن الكلمة في هذا البلد لا تزال تُقدَّم إلى القضاء كما يُقدَّم المتهم إلى قفصه، لا فرق بين من حمل قلماً ومن حمل سكيناً. وما أعرفه أنني مارستُ مهنتي، وأن الصحافة ليست جريمة يُحاكم عليها صاحبها، بل وظيفة يُسأل عنها إن أخطأت، ويُدافَع عنها إن أصابت. لكن منطق الأشياء في زمن الالتباس صار يخلط بين المهمة والمسؤولية، وبين النقد والإساءة، وبين نقل الواقع وصناعته. وما كتبته عن مدينة وجدة لم يكن اتهاماً ولا قذفاً ولا تشهيراً، بل كان عيناً مفتوحة على واقع يتحرك فيه الجميع ويعرف تفاصيله القاصي والداني.
جلسة ثالثة اليوم الخميس، وملفٌّ يتأرجح بين الإجراءات ، ومحامون في إضراب، وقضاء يُدير ملفاً تابعته وتتابعه آلاف العيون من داخل المغرب وخارجه. وكل هذا الضجيج حول مقال لم يتجاوز حدود المهنة، ليؤكد أننا أمام قضية رأي لا قضية قانون، وأن الرسالة المراد تمريرها ليست براءة هذا الطرف أو إدانة ذاك، بل ترويع الأقلام قبل ترويع أصحابها. لكن الأقلام التي تُرعب اليوم تُصبح غداً ذاكرة، والذاكرة لا تُحاكم، ولا تُسجَن، ولا تُصادَر.
إلى كل من ساندني، من قريب أو من بعيد، من داخل الوطن أو من خارجه، أقول إن هذا الدعم ليس ترفاً عاطفياً بل شهادة على أن الكلمة حين تصدُق تجد من يحملها معك. وأن المحاكمة وإن طالت فستبقى جلسة عابرة في مسار مهنة لا تستحق أن تُحاكم، بل أن تُسمَع. وأنني، مهما كان الحكم، سأبقى أكتب، لا لأنني بلا خطأ، بل لأنني بلا خوف.







