- مصطفى قشنني
في دهاليز الذاكرة العربية الإسلامية، حيث تختلط الأساطير بالحقائق وتتشابك النصوص مع التأويلات، نجد أنفسنا أمام مشهدية تاريخية مُكررة، كأن الزمن قد توقف عند ذات النقطة التي انطلق منها الجدل العقيم. اليوم، ونحن نتصارع حول أمية الرسول أو عدمها، وكأن في ذلك خلاصاً للأمة أو نجاة من مآزقها الوجودية، نعيد إنتاج ذات السجال الذي هز كيان الأمة قبل اثني عشر قرناً حول ما إذا كان القرآن مخلوقاً أم قديماً. يا للهول! إننا نغوص في تفاهاتنا وكأنها قضايا مصيرية، بينما تنهار الدول وتتآكل الهوية وتتفتت الأوطان.
ما أشد التشابه بين الأمس واليوم! فكما خاض الأسلاف معاركهم الكلامية تحت راية “القول بخلق القرآن” أو “قدمه”، وكما زج بالمخالفين في السجون وعذبوا ونُكّل بهم، ها نحن اليوم نصنع ذات المسرحية بأبطال جدد لكن بنص قديم مُمل. السلفيون المعاصرون يلهثون وراء مسألة “أمية النبي محمد (ص)” وكأنهم اكتشفوا بوصلة الخلاص الضائعة، متناسين أن أسلافهم من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم من العشرات من الفرق الإسلامية قد سبقوهم في هذا الجنون الفكري المقدس.
إنه لمن المضحك المبكي أن نرى أمة بأكملها تنشغل بتحديد ما إذا كان النبي يقرأ ويكتب أم لا، بينما يتسع الفقر ويزداد الجهل ويتفاقم التخلف. كأن في معرفة كون الرسول أمياً أو غير أمي خلاصا و حلاً لأزماتنا الاقتصادية أو مخرجاً لمأزقنا السياسي أو الاجتماعي! إنها عبقرية التحايل على الحقيقة، فنحن نهرب من قسوة الواقع بقفزات خيالية إلى الماضي البعيد، نبحث فيه عن مبررات لفشل الحاضر.
وهنا تكمن المفارقة الأعظم: أولئك الذين يصرون على أمية النبي يفعلون ذلك ليؤكدوا على إعجاز القرآن، وكأن الإعجاز يحتاج إلى أمية نبي ليظهر. بل الأكثر طرافة أنهم في دفاعهم عن هذه الأمية يمارسون أرقى فنون الكتابة والجدل والتحليل النصي، متناسين أنهم بهذا ينقضون ما يزعمون. إنه لأمر يدعو إلى الشفقة أن ترى رجلاً يستخدم كل أدوات الحضارة الكتابية ليثبت أن نبيه كان أمياً، وكأن الإعجاز لا يمكن أن يكون في رجل مثقف يقرأ ويكتب.
أما قضية خلق القرآن – التي يمكن هي الأخرى وضعها في ميزان مسألة أمية الرسول – فكانت نموذجاً باذخاً في التلاعب بالعقول تحت عباءة اللاهوت. كيف يمكن لفكرة تجريدية أن تقلب موازين السلطة وتحدد مصائر الناس؟ كان السؤال: أهو كلام الله قديم أم محدث مخلوق؟ ويبدو أن الجواب لم يكن مهماً بقدر ما كانت الهوية السياسية للمجيب هي الأساس. فقد تحول النقاش اللاهوتي إلى أداة لتصفية الخصوم والمناوئين وتعزيز الهيمنة و النفوذ، فالمعتزلة الذين تبنوا القول بالخلق كانوا في الغالب معارضين سياسيين للسلطة، بينما تمسك أحمد بن حنبل وأتباعه بالقدم كرمز للمقاومة (مقاومة سلطة الخليفة)، لكن الجميع كانوا أسرى لعبة سلطوية أكبر منهم ولا علاقة لها بالدين أو الشريعة إلا علاقة البرّ والاحسان.
ويأتي اليوم السلفيون ليجددوا ذات السجالات، وكأنهم يخرجون من قمقم التاريخ ذاته. يسألون: أكان النبي أمياً أم لا؟ وكأن القدرة على القراءة والكتابة تنتقص من نبوته أو تزيد فيها. يا للعجب! إنهم يمارسون ذات الأسلوب الجدلي الذي كان سائداً أيام المحنة، نفس المنهجية في تحويل المسائل الفكرية إلى اختبارات ولاء، ونفس الرغبة في تصنيف الناس إلى صفوف متخاصمة أو بمعنى أصح إلى فُصطاطي إيمان وكفر .
ولعل أطرف ما في الأمر أن كلا الفريقين المتحاربين اليوم حول أمية النبي، يستخدمون النصوص ذاتها ويقرأونها بمنظار أيديولوجياتهم المسبقة. يتجاهلون أن النص القرآني نفسه لا يقدم إجابة قاطعة على هذا السؤال، وأن المسألة برمتها من صنع العقول البشرية التي تعشق الاختلاف والخصام. ففي حين نجد آيات تذكر “النبي الأمي”، نجد أخرى تشير إلى كتابته وقراءته، وكأن الله تعالى في حكمته ترك هذه النافذة مُشرعة على مصراعيها لتكون مجالاً لإنفتاح العقول لا لانغلاقها.
وهنا نصل إلى جوهر المأساة: إن تحويل المسائل الفقهية والعقدية إلى معارك وجودية هو آفة الأمة العربية الإسلامية. فبدلاً من أن تكون هذه المسائل محفزات للفكر ودعوات للتأمل، تحولت إلى ساحات قتال تلتهم فيها الهويات وتذبل فيها العقول. ومن يستمع إلى نقاشاتهم اليوم حول أمية النبي أو قدم القرآن أو حداثته، أو مسألة الجبر والاختيار أو مرتكب الكبيرة…لا يجد فرقاً بينهم وبين من كانوا يتحاورون في سجون بغداد القديمة عن الخلق والتكوين.
يا للهول من أمة تتحول قضاياها الكبرى إلى خلافات لفظية، وعندما يتحول النقاش الديني إلى لعبة سياسية، فالمستفيد الأكبر هم الخصوم الذين يستخدمون الدين لتبرير “تهافته” وشرعنة “شيطنته”، والمغفلون هم الجماهير التي تظن أن خلاصها في الانحياز لرأي على حساب آخر. إن من يدقق في تاريخ محنة خلق القرآن – على سبيل المثال لا الحصر – يجد أن الخليفة المأمون لم يكن مهتماً بالمسألة العقدية بالمطلق – ( ومن أراد أن يعرف هذه الشخصية فما عليه سوى أن يقرأ تاريخ القرطبي وابن كثير وابن خلدون والمقريزي والمسعودي …) – بقدر اهتمامه (الخليفة المأمون) بتأكيد سلطته على العلماء، وها هم اليوم يمارسون ذات اللعبة بأسماء مختلفة.
وإن عجباً حقاً أن نجد أنفسنا بعد كل هذه القرون نعيد إنتاج وتدوير ذات الأسئلة وكأننا لم نتعلم شيئاً من التاريخ. إن أمة تتجاهل قضاياها المصيرية من فقر وتخلف وجهل وتبعية وتفرقة وتشرذم، وتنشغل بمسائل أمية النبي أو قدم القرآن، هي أمة تبحث عن مخدر فكري لتنسى به جراحها. إنها أشبه بمن يشتكي من ألم في رأسه فيذهب ليفحص أصابع قدميه .
لعله آن الأوان لنفك هذا الارتباط المرضي بالماضي، لا لننساه، بل لنفهمه فهماً جديداً. آن الأوان لنتجاوز الجدل العقيم أو ما كانت تسميه الفلسفة الإغريقية بالسفسطة ونتجه نحو قضايا حقيقية و مصيرية تهم حياة الناس الراهنة وما ينفع معاشهم. إن كانت أمية النبي أو كتابته، وإن كان القرآن مخلوقاً أو قديماً، فما الذي سيغير ذلك في واقعنا المعيش و في لحظتنا الحضارية ؟ هل سيملأ هذا بطون الجياع أو يعالج مرضانا أو يوحد صفوفنا ضد المتربصين؟ كلا بالطبع.
تبقى السخرية الأكبر أننا، بينما نتناقش في هذه القضايا، ننسى أن الإسلام نفسه جاء ليدفع الناس نحو التفكر في خلق السماوات والأرض، لا للانشغال بوصف السمات الشخصية لنبيهم أو بتفاصيل لا تقدم ولا تؤخر في صلب الرسالة. إن المسلمين اليوم يحتاجون إلى نبيهم قدوة في السلام والمحبة و الصبر والحكمة وحسن الخلق، أكثر من حاجتهم لمعرفة ما إذا كان يقرأ ويكتب .
وفي خضم هذه المهازل الفكرية، تضيع الأمة وتتفرق وتتمزّق، وتتوارى القضايا المصيرية خلف ستار من الجدل العقيم. وكأن التاريخ يعيد نفسه، وكأننا نعيش في دائرة مغلقة من الأسئلة التي لا تؤدي إلى أجوبة، بل إلى أسئلة أكثر تفاهة. إن أمة تتقاتل على تفاهات وصغائر، وتتناسى همومها الكبرى، هي أمة تائهة في متاهات الماضي، لا تبصر طريقاً للمستقبل .
إن المأساة الحقيقية ليست في كون النبي أمياً أو غير أمي، بل المأساة في أننا نصرّ على البقاء في دائرة هذه الأسئلة المغلقة، نعيد إنتاجها واجترارها جيلاً بعد جيل، وكأننا مدعوون إلى أبدية الجدل لتبقى العقول مشغولة والقضايا الكبرى معطلة. ربما لو أننا استطعنا أن نرى في هذه القضايا مجرد انعكاسات لصراعاتنا السياسية وليست حقائق دينية مطلقة، لتحررنا من عبودية التفاهة واتجهنا نحو بناء حاضر يليق بأمة كانت يوماً حاملة لواء الحضارة صدق فيها قول المتنبي ياأمة ضحكت من جهلها الأمم .. وليس من أميتها طبعا…؟ و للحديث بقية…








موجودمنذ ساعة واحدة
ليست المأساة في أن نسأل: أكان النبي ﷺ أميًّا أم
غير أمي؟ وإنما في أن نظل أسرى لأسئلة الماضي،
نستنزف فيها عقولنا، بينما تتوارى خلفها قضايا
الحاضر وتتعطّل آفاق المستقبل. فليست العبرة بأميةٍ
تُقرأ في الكتب، وإنما بجهلٍ يجعل أمةً كانت يومًا
منارةً للحضارة، موضعَ سخرية الأمم.
تحياتي للانامل الذهبية و حفظها الله تعالى.