– مصطفى قشنني
يقف الإنسان المغربي مذهولاً مبهوتا مشدوها أمام مشهدية فريدة من نوعها: شيوخ زوايا يمتطون اليخوت كقراصنة القرن الحادي والعشرين، يتهادون على موجات البحر الأبيض المتوسط، بينما أتباعهم يتزاحمون بالمناكب على أبواب الزوايا ليقبلوا الأرض التي مشت عليها نعالهم القذرة، أو ليتبركوا بقطرة عرق موبوءة تساقطت من جباههم المدهونة بالزيت والعطر. المشهد في حد ذاته كوميديا سوداء، لكنه ليس عرضاً مسرحياً، بل هو واقع يُعاش كل يوم، يتغذى من تناقضاتنا الجميلة، ومن شهيتنا المفتوحة للانبهار بالزيف المسوق في قوالب دينية تحمل علامات تجارية مسجلة لدى وكالات الأسفار السياحية أكثر منها لدى وزارة الأوقاف.
أليس من العجب أن نرى شيخاً مُبرقعاً بألوان الطيف السبعة، كأنه طاووس هرب من حديقة الحيوانات إلى منبر مسجد الزاوية، يتحدث في أكبر جامعات العالم عن الإسلام الروحاني والتسامح، بينما مستوى تعليمه ضحل لا يتجاوز جدران الكتّاب التي حفظ فيها بضع سور من القرآن وخلط بين الأحاديث النبوية والإسرائيليات؟ لكن المتعة الحقيقية ليست في جهله، بل في دهاء تلك الجامعات الغربية التي تستضيفه، إنهم ليسوا سذجاً أغبياء بسطاء، بل يعرفون تمام المعرفة أن هذا الشيخ الجاهل هو أفضل أداة لتسويق صورة الإسلام المهادن، الإسلام المبتذل الذي لا يخيف أحداً، والذي لا يملك في جعبته إلا بعض الأوراد والأذكار التي تصلح كمسكنات للأعصاب – أعصاب السدج -، لا كفكر ثوري تقدمي يقلق مضاجع الأكاديميات المستغرقة في نومها الأبدي. بينما الفكر التنويري الحداثي الذي يحمل مشعل العقل والاجتهاد، يتم تهميشه وتجريمه أحياناً، لأنه، ببساطة، لا يصلح للإنتاج الإعلامي المربح، ولأنه يطرح أسئلة محرجة عن الدين والدولة والمجتمع، وعن دور الزوايا التي تحولت إلى شركات مساهمة، يُتداول في أسهمها على حسابات النفوذ والجاه ناهيك عن حسابات البنوك والعملة المشفّرة.
لكن ما يحدث داخل الزوايا في حدّ ذاتها يضاهي أي فيلم بوليسي إسباني أو أمريكي عن الصراعات العائلية. ففي نفس الزاوية، نجد رأسين متناحرين، كل واحد منهما يملك جماعة من المريدين الذين يتناقلون الألقاب كبطاقات اللعب، يلعن هذا ذاك، ويعلن ذاك بطلان هذا، وكأن الدين أصبح لعبة شد الحبل، والخاسر فيها يفقد ليس فقط الزاوية، بل أيضاً عقول أتباعه الذين تحولوا إلى جماهير رياضية تشجع فريقها الصوفي وكأنه يلعب في كأس العالم. ناهيك عن الفضائح التي لا تنتهي، فضائح مالية تجعل المحتسبين يقفون عاجزين، لأن المال المقدس الذي يتدفق من جيوب الفقراء والبسطاء يختفي كالدخان في حسابات بنكية مجهولة، وفضائح أخلاقية تجعل القصص الماجنة التي تروى عن بعض المشايخ تفوق خيال من أبدع شخصيات ألف ليلة وليلة، لكنها لا تثير ضجة لأن الجميع، وكأنهم في جلسة تنويم مغناطيسي جماعي، مصممون على ألا يروا ولا يسمعوا ولا ينطقوا بحق، خوفاً من أن يصيبهم “سخط الشيخ وخزيه” أو تنقطع عنهم البركات التي يأملونها على شكل وظائف أو مناصب أو تأمينات للحياة الآخرة كما الحياة الدنيا.
وهنا تبرز المفارقة الأعمق والأكثر إيلاماً: هذه الزوايا، التي من المفترض أن تكون معاقل للعلم والتربية والزهد كما كانت في القرون الماضية، تحولت إلى آلات لصناعة التجهيل والتكليخ والتسطيح والتدويخ، ليس فقط للعامة الذين يبحثون عن ملجأ روحي في زمن مأزوم، بل أيضاً لبعض النخب والأطر الذين يقفون على أبواب المشايخ كالمتسولين، لا يتوسلون خبزاً، بل يتوسلون مفاتيح المناصب العليا، يتقربون إلى الشيخ لأنهم يعرفون أن عنده ما لا تعرفه الوزارات من أسرار توزيع الحظائر والمواقع. يصبح الشيخ هنا وسيطاً يربط بين السماء والبيروقراطية الأرضية، وبين الدعاء ولوائح التعيينات، فتختلط المشيخة بالمافيا والقداسة بالدناسة، والطريقة بالطريقة التي تمارس بها السلطات التزام الصمت المطبق. إنها صفقة رائجة، يدفع فيها المريد جهله وسذاجته، ويدفع فيها النخبوي ضميره، ويحصد فيها الشيخ كل شيء: المال والسلطة والنساء والظهور الإعلامي الذي يجعله نجماً يتصدر الترند كما يتصدر النجم الرياضي أو المغني الشعبي، بفارق أن النجم الرياضي يلعب بالكرة وهذا الشيخ يلعب بأقدار الناس وضمائرهم وعقولهم إن وجدت طبعا.
وكل هذا يحدث تحت أنظار العلماء، الذين تحول معظمهم إلى تماثيل شمعية في قاعات الدرس، يرددون ما قيل قبل ألف وأربعمائة سنة وكأن الزمن تجمد عند لحظة معينة، وتحت أنظار الوزارة التي تحمل على عاتقها الأمن الروحي للمغاربة، والتي يفترض أن تكون الحارس الأمين على صحيح العقيدة والسلوك الصوفي الرشيد. لكننا هنا، في قلب التناقض الذي لا يتحمله إلا المغاربة بعصبيتهم الفطرية: وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، العلامة أحمد التوفيق، الذي يعرفه الجميع بأنه رجل من الزاوية، بل هو مدعوم منها، ولولاها لما وضع قدمه في مقعده الوزاري. ها هو الرجل الذي يحمل ملف الأمن الروحي، وهو في الوقت نفسه نتاج لتلك الروح نفسها، لا بل أحد صناعه وحراسه، يقف عاجزاً أو متواطئاً، لا أدري، أمام مسلسل الفضائح والصراعات والرقص على حبل المشيخة. وزارته التي أصبح أكبر همها، بعد تنظيم الحج والعمرة ومراقبة الأهلّة، هو تحسّس أنفاس الخطباء، ومراقبة خطبة الجمعة كأنها ورقة امتحانية، وإعفاء كل من يحيد عن “المنهج التوفيقي”، نسبة إلى الوزير نفسه، منهج يبدو وكأنه دين جديد مستحدث، أو على الأقل تفسير ضيق للإسلام يلغي كل الاجتهادات التي لا تخدم رؤية الوزارة، أو لا تخدم شيخ الزاوية الذي له أيادٍ بيضاء (أو صفراء) على الوزير.
الكوميديا هنا تبلغ ذروتها عندما نجد أن هذه الوزارة، التي تنشغل بتفاصيل دقيقة لا تكاد تذكر في سياق الأمن الروحي الحقيقي، مثل لون الجلابية أو طول اللحية او شكل الدعاء، تتغاضى تماماً عن تحول الزوايا إلى كيانات موازية للدولة، بل أحياناً إلى دويلات صغيرة لها حدودها العقلية وأمراؤها وضرائبها ومكوسها وخراجها التي تجبى باسم النذور والصدقات. الأمن الروحي الحقيقي ليس في تجفيف منابع الفكر الحر، ولا في إقصاء كل صوت يخالف، بل في حماية الناس من استغلال عواطفهم وتفجير جهلهم، لكن يبدو أن هذه الحماية غير مدرجة في جدول أعمال الوزارة، لأن الجدول مشغول بأمور أخرى، أهمها الحفاظ على التوازن الدقيق بين الزوايا الكبرى، وتوزيع الأدوار بطريقة لا تفسد على أحد متعة ركوب الأمواج، سواء كانت أمواج البحر أو أمواج التلفزيونات أو أمواج الجماهير الغفيرة التي تهتف باسم الشيخ كما تهتف باسم الفريق الوطني حين يسجل هدفاً في الدقائق الأخيرة من المباراة الحاسمة.
في هذا السياق، يصبح السؤال المحرج: هل نحن أمام تصوف جديد، أم أمام انتحار جماعي للوعي الديني في المغرب، تحت وطأة الصراعات على الميراث المشيخي والسر المقدس؟ إن الزوايا التي تأسست في غابر الأزمان لتعلم الناس الزهد في الدنيا والتواضع وحب الآخر، تحولت اليوم إلى متنفس للغرور الأقصى وللتباهي بالبذخ والجاه، وهي تعكس بدورها أزمة مجتمع بأكمله، مجتمع يعيش تناقضاً عجيباً بين حاجته الروحية العميقة وبين ميله للانبهار بالصور البرّاقة والأسماء اللامعة. لقد أصبح المريد لا يسأل عن علم الشيخ ولا عن أخلاقه، بل يسأل عن حجم حضوره الإعلامي، وعن عدد مريديه في البرازيل وأمريكا والموزمبيق، وعن ثمن يخته، لأن هذه هي المؤشرات التي تدل على أن الشيخ ليس ولياً عادياً، بل ولياً عالمياً معترفاً به، كما تعترف الوكالات الدولية بالدول ذات النفوذ الأعظم.
ثمة لحظة تأمل عميقة تتطلبها هذه المهازل: حين نرى مجتمعاً يركض وراء شيخ مبرقع كأنه نبي جديد، بينما يتجاهل علماء حقيقيين، ربما لا يمتلكون حساً إعلامياً ولا يوقعون كتباً في المعارض الدولية، ولا يظهرون إلا في حلقاتهم الدراسية المتواضعة، حينها نكتشف أن الأمّة تعاني من عطالة في التفكير، ومن كسل في التمييز، ومن إدمان على التبعية الروحية، وكأن العقل الجمعي أصبح يتغذى على قصص الكرامات وتفسير الأحلام أكثر من تغذيته على العقل النقدي والمنطق الحر. وهنا يكمن دور الوزارة؟ لا، دور الوزارة يبقى على الحياد، أو بالأحرى على انحياز للرؤية التي تجعلها شريكة في اللعبة، لا حكماً عليها، طالما أن اللعبة تخدم الاستقرار الشكلي، وتصرف الناس عن الأسئلة الكبرى بالفوضى الصغرى حول من هو الشيخ الأقرب إلى الله، ومن يملك البركة الأكثر تركيزاً، ومن يستحق أن يزار في اوقات معينة ومن تقدم له الهبات الرسمية.
صدقوني، نحن أمام مسرحية هزلية سمجة تستحق جائزة الأوسكار في التمثيل، لكنها ليست ممتعة لأننا لسنا جمهوراً في صالة سينما، بل نحن جزء من هذه المسرحية، دُمى تتحرك على إيقاع نعال المشايخ، وأصوات المردة التي تهتف، وشاشات الكاميرات التي تنقل كل شيء إلا الحقيقة. لقد أصبح الإنسان المغربي مشدوهاً حقاً، فهو بين شيخ يمتطي اليخت وشيخ يلف جبينه بعمامة كأنها عمامة سينمائية، وبين وزير هو جزء من اللوحة لا ناقداً لها، وبين جامعات غربية تستثمر في هذا الاستعراض الفهلوي الفلكلوري الديني لتقدمه كبديل عن الإسلام الحقيقي الذي لا يرضي أحداً، بين كل هذا يجد نفسه غارقاً في وحل السؤال: أي دين هذا؟ وأي إسلام؟ وأي مستقبل ينتظر أمة لا تفرق بين النكتة والمعجزة، وبين السخرية والصلاة، وبين شيخ على يخت وشيخ في قبر ينتظر أن يُوقّف له ضريح يتبارك به وحوله الجهلة والزعماء؟
فلنضحك قليلاً إذن، ضحكة مرة، على حالنا وحال مشايخنا وحال وزارتنا التي تحفظ الأمن الروحي بسلاح التوفيقية، ولنبكِ قليلاً، بكاءً داخلياً، على عقل أمة فقدت بوصلتها في بحر من الزوايا التي تحولت، كما تحول كل شيء في هذا الزمن العجيب، إلى سلعة لا تشبع، ومنصة لا تنتهي، وكوميديا لا تضحك، بل تعصر القلب، وتمتص الروح، وتتركنا أمام المرآة نسأل: من نحن في هذا الفيلم؟ الضحك عليه أم معه أم منه؟
يا أمة ضحكت من جهلها الأمم…
ملاحظة لا علاقة لها بما سبق
إلى القرّاء الكرام ممن يطلبون حسابي على فيسبوك: أؤكد لكم أنني لا أملك أي حساب شخصي أو رسمي على وسائل التواصل الاجتماعي نهائياً.ما يُتداول من مقالاتي – سواء عبر هذا المنبر أو عبر منابر وطنية وعربية ودولية شهيرة – وإعادة نشرها من قبل مهتمين ومعجبين ومُقتنعين بها عبر صفحاتهم، إنما هو مبادرات فردية شخصية منهم لإيصال وتعميم الفائدة لأكبر عدد ممكن من القراء والمتتبعين. وأنا ممتن لهم و مُقدر لهم حسن نيتهم، وجميل مقصدهم ونبل مسعاهم .. شكراً لتفهمكم.










رشيد بشيريمنذ 22 ساعة
الله يعطيك الصحه والعافيه ويخليك لينا