- مصطفى قشنني
بعد مرور ما يقارب الخمسة عقود من الزمن المغربي ،ما زلت أذكر تلك الورشة المتواضعة في زاوية من زوايا قيسارية الإسكافيين في قلب مدينة وجدة التي تحوّلت اليوم إلى ساحة باب سيدي عبد الوهاب ، حيث كان الإسكافي العجوز يجلس على كرسيه الخشبي المتهالك، وأنا طفل صغير لا يتجاوز عمري العشرة سنوات، أتردد عليه بين الفينة والأخرى لإصلاح أحذيتي ونعالي التي كانت تنخرها شوارع المدينة الترابية. كانت الورشة تفوح برائحة الجلد والدباغة والكدح اليومي الذي لا ينتهي، لكن ما كان يلفت نظري حقاً، وما كان يعلق في ذاكرتي الطفولية بعنف، تلك الصورة المعلقة على الجدار، صورة لرجل قوي، نظرته ثاقبة حادّة وفراسته قوية كما بدا لي من خلال تلك الصورة وأنا في ذلك العمر الصغير. كانت الصورة جنباً إلى جنب مع صورتي الملكين الراحلين بطل التحريرمحمد الخامس و نجله باني المغرب الحديث الحسن الثاني، ذلك الثلاثي المهيب الذي كان يحرس الورشة كما تحرس التماثيل مداخل المعابد المصرية القديمة، وكأنهم كانوا يعرفون، هؤلاء العمالقة في إطاراتهم الخشبية، أن مستقبل هذا الطفل الصغير الذي يحدق بهم سيكون مرهوناً بكيفية تفسيره لهذه الصور الثلاث معاً
سألت الإسكافي بخجل طفولي: من هذا الرجل؟ فنظر إليَّ بنظرة تجمع بين الوقار والحنين، وقال بصوته الأجش الذي يخنقه دخان السجائر الرخيصة (طابا نوار): هذا رجل عظيم يا بني. لم أفهم حينها معنى العظمة، لأن العظمة في قاموس طفولتي كانت تقاس بحجم اللعبة، أو بطول القامة، أو باتساع الابتسامة، لكن الرجل في الصورة لم يكن ضخماً ولا مبتسماً، كان صارماً كالعدالة ، حازماً كحافة السكين، تحفر عيناه في روحك قبل أن تنظر إلى حذائك الممزق. مرت السنوات، وكبرت، وتعلمت القراءة، وبدأت أفهم من هو ذلك الرجل الذي كان الإسكافي العجوز يعلق صورته على جدار ورشته المتواضعة. عرفت أنه جمال عبد الناصر، ذلك المصري الذي هزّ عروش الملوك، وأشعل ثورات الشعوب، وانتصب في وجه الإمبرياطوريات، لكنني أيضاً عرفت أنه الرجل الذي ملأ السجون بالمعارضين، وأخمد الحريات باسم الثورة، وقاد أمته إلى نكسة 1967 التي ما زلنا نعيش تداعياتها حتى اليوم. وهكذا بدأت رحلتي الطويلة مع هذا الوجه الصارم، رحلة بين التناقضات، بين ما رأيته طفلاً في عيني الإسكافي وما قرأته لاحقاً في كتب التاريخ ومذكرات السياسيين.
في الحقيقة، كنت أعود بتلك الصورة في مخيلتي مراراً وتكراراً، أتأملها كما يتأمل المؤمن أيقونة قديس في كنيسة مظلمة، وأتساءل: ماذا كان يرى الإسكافي في عبد الناصر حين علقه على حائطه بين وارثي العرش المغربي؟ هل كان يرى في ذلك المصري ذي اللهجة الصعيدية بطل التحرير الذي أيقظ في الفقير المغربي كرامة كان يظن أنها ماتت مع أجداده؟ أم كان يرى رجلاً يشبهه في صراعه اليومي ضد قسوة الحياة، رجلاً عرف كيف ينهض من تحت الأنقاض ويقول للعالم: ها أنا ذا، ولن تعودوا ترونني راكعاً؟ لقد كانت صورة عبد الناصر في تلك الورشة الصغيرة أكبر دليل على أن الأسطورة لا تُصنع في القصور ولا في البروتوكولات الرسمية، بل تصنع في القلوب التي تعرف معنى الجوع، في العيون التي رأت أطفالها يموتون بأمراض يمكن علاجها، في الأرواح التي تعبت من الانتظار. الإسكافي كان يرى في عبد الناصر ما لم ترَه النخب المثقفة، كان يرى انعكاساً لكرامته المهدورة، كان يعلق صورته لأنه كان يشعر بأن هذا الرجل يتحدث باسمه، باسم كل فقير عربي تعب من الانتظار .
ومع أني كبرت وعرفت تفاصيل حكم عبد الناصر، ومع أني قرأت عن تناقضاته وعن الجانب المظلم من سلطته، إلا أن صورة الإسكافي تلك ظلت عالقة في ذهني، صورة الرجل البسيط الذي كان يرى في عبد الناصر بطلاً قوميا دون أن يعرف شيئاً عن سياساته الاقتصادية أو عن علاقاته مع الاتحاد السوفيتي أو دول عدم الإنحياز أو عن مخططات الوحدة الفاشلة. كان الإسكافي يعرف بالفطرة ما لم تعرفه الكتب، كان يعرف أن العظمة ليست في أن تكون مثالياً، بل في أن تكون حاضراً في لحظة تحتاج فيها الأمة إلى حضورك، في أن تمنح الفقراء شعوراً بأنهم ليسوا وحدهم في معركتهم ضد الجوع والذل، في أن تجعلهم يحلمون بمستقبل مختلف حتى لو لم يأتِ ذلك المستقبل. ولهذا، حين أتأمل اليوم صور عبد الناصر في الكتب وفي الأفلام الوثائقية، أراها مختلفة تماماً عن تلك الصورة التي كانت معلقة في ورشة الإسكافي، لأن صورة الإسكافي كانت تحمل في طياتها شيئاً لا يمكن لأي مؤرخ أن يكتب عنه، أو يرصده،شيئاً اسمه الأمل الذي يمنحه الفقير لنفسه عبر تعليق صورة رجل ثائر على جدار ورشته.
لكنني اليوم، بعد كل هذه السنين من التأمل والقراءة والمعايشة، أجد نفسي في حيرة أكبر مما كنت عليه وأنا طفل. كيف يمكن لرجل أن يكون في آن واحد بطل الفقراء وقاهر الأغنياء، وصانع الكرامة وباني السجون، ومهندس النهضة ومؤجل الأحلام؟ هذه الثنائية في شخصية عبد الناصر هي التي تجعل صورته في ورشة الإسكافي أكثر إثارة للتأمل من أي كتاب تاريخي، لأنها صورة حية للتناقض الإنساني، صورة تذكرني بأن البطل في الأساطير اليونانية كان نصف إله ونصف إنسان، يعيش صراعاً أبدياً بين نوره الأعلى وظله الأسفل. في ورشة الإسكافي، كان عبد الناصر نبيا للفقراء، لكنه في الأرشيفات السرية وفي زنزانات الاعتقال كان شيطاناً للمعارضين، وهذا الجدل لا يزعج الإسكافي لأنه يعرف أن الأبطال الحقيقيين لا يُقاسون بملائمتهم بل بفعلهم في العالم، بمدى تغييرهم لميزان القوى، بمدى جعلهم الفقير يشعر بأنه ليس وحيداً في معركته ضد صروف الزمان ونكبات الدهر.
أتذكر الآن، وأنا أكتب هذه السطور، كيف كانت عينا عبد الناصر في تلك الصورة تتبعاني أينما ذهبت في الورشة، كأنه كان يقول لي: أنت أيضاً ستكبر وستعرف أن الحياة ليست إصلاح أحذية فقط، بل هي إصلاح وعي، إصلاح تاريخ، إصلاح ما أفسده الزمن والتبعية. كان الرجل في الصورة يبدو وكأنه يعرفني، وكأنه يخبرني بأن العظمة ليست في القوة العسكرية أو الثراء أو النسب، بل في أن يظل وجهك ثابتاً حين تهتز الدنيا من حولك، في أن تكون للفقراء مثلما كان هذا الإسكافي الفقير يعلق صورتك على حائطه لأنه وجد فيك ما يمنحه الأمل. وهنا تبرز المفارقة الكبرى التي أدركتها مع الزمن: أن أكثر الناس فقراً هم الأكثر قدرة على قراءة العظمة، لأنهم لا يبحثون عن الخطابات المعسولة ولا عن البرامج السياسية المزخرفة، بل يبحثون عن روح تشبه روحهم، عن كبرياء يشعرون بأنه انعكاس لكبريائهم المهدور، عن حلم يمنحهم القدرة على النهوض كل صباح من فوق فراشهم المهترئ.
ومع أنني أدرك اليوم، بكل وعيي النقدي، أن عبد الناصر كان رجلاً متناقضاً، كان بطلاً في عيون الفقراء وطاغية في عيون المعارضين، كان صانع نهضة في مجال التصنيع والتنمية ومفلساً في مجال الحرية والديمقراطية، إلا أنني لا أستطيع أن أنكر تلك اللحظة السحرية التي عشتها في ورشة الإسكافي، تلك اللحظة التي رأيت فيها عظمة في عينين تنظران إليَّ من فوق إطار خشبي متواضع. لقد علمني الإسكافي، دون أن يدري، أن التاريخ لا يُكتب فقط في القصور والبرلمانات، بل يُكتب أيضاً في الورشات الصغيرة وفي البيوت الفقيرة وفي قلوب البسطاء الذين يبحثون عن أمل يعلقونه على جدرانهم. علمني أن العظمة ليست صفة ذاتية في الشخص، بل هي علاقة بين الشخص والجمهور، بين ما يقدمه وما يحتاجه الآخرون، بين الحلم والواقع. كان عبد الناصر عظيماً في عين الإسكافي لأن الإسكافي احتاج إلى أن يكون عظيماً، لأن الأمة العربية في ذلك الزمن كانت تحتاج إلى أسطورة تمنحها الأمل، حتى لو كانت هذه الأسطورة تحمل في طياتها بذور فشلها المستقبلي.
في ذكرى وفاته، حين أنظر إلى صورته اليوم، أراها وقد بهتت مع الزمن، كما بهتت أحلامنا جميعاً، لكنها لا تزال هناك في الورشات الصغيرة وفي البيوت الفقيرة وفي قلوب الذين عرفوا معنى الانتظار. عبد الناصر ليس مجرد رئيس مصري رحل منذ عقود، هو حالة وجدانية عربية، هو ذلك الأب الروحي الذي غادر مبكراً تاركاً أبناءه يتخبطون في متاهات لم يكن قد رسم لها خريطة، هو ذلك الحلم الجميل الذي بدأ كقصيدة فانتهى كمأساة، هو ذلك السؤال الذي ما زلت أبحث عن إجابة له: هل يمكن للأمة أن تنهض على أكتاف رجل واحد، أم أن النهضة تحتاج إلى أمة كاملة من الرجال الأحرار؟ الإسكافي الذي علق صورته لم يكن يعرف أن يجيب، لكنه كان يعرف أن الصورة تمنحه القوة، وهذا ربما هو كل ما يحتاجه الفقير لمواصلة الحياة، بصيص من الأمل في عين رجل مات لكنه لا يزال حياً في قلوب من لا يملكون سوى الذاكرة لتدفئتهم في ليالي الشتاء الباردة . والآن، وقد كبرت وأصبحت أعرف معنى العظمة حق المعرفة، أتساءل في أعماقي: هل كان الإسكافي على حق حين وصف عبد الناصر بالعظيم؟ أم أن العظمة التي كان يراها هي مجرد انعكاس لحاجته النفسية إلى بطل ينتشله من واقعه المرير؟ في التحليل الأخير، أعتقد أن العظمة ليست سمة ذاتية في الشخص بل هي علاقة جدلية بين الذات والموضوع، بين الحالم والمحلوم به، بين من يبحث عن نجدة ومن يمنحها، حتى لو كانت تلك النجدة مؤقتة أو ناقصة أو محفوفة بالتناقضات. لقد كان عبد الناصر عظيماً لأن الإسكافي رأى فيه العظمة، لأن الملايين رأته كذلك، ليس لأنه كان مثالياً أو معصوماً، بل لأنه جاء في زمن كانت فيه الحاجة إلى البطولة تصل إلى ذروتها، وجاء بخطاب يجيب عن أسئلة كانت تبحث عن إجابات، حتى لو كانت الإجابات خادعة أو مؤجلة. رحم الله جمال عبد الناصر، ذلك الرجل الذي اجتهد فأصاب وأخطأ، الذي ترك بصمة لا تمحى على جبين تاريخنا، الذي علمني أن الثورات تولد كالأطفال ثم تكبر وتنضج أو تموت، وأن الأسئلة التي طرحها ما زالت تنتظر إجابات جديدة من أجيال لم تعرفه لكنها تعيش في عالم صنع جزءاً منه، عالم يحمل بصمته في كل زاوية من زوايا الواقع العربي المعاصر. وفي النهاية، حين أعود بذاكرتي إلى ورشة الإسكافي ، إلى تلك الصورة المعلقة على الجدار، إلى تلك العينين الثاقبتين اللتين حفرتا في وجداني الطفولي سؤالاً ما زلت أحاول الإجابة عنه، أجد أن العظمة الحقيقية ليست في أن تكون بطلاً أو طاغية، بل في أن تظل سؤالاً مفتوحاً في وجدان الأمة، سؤالاً يذكّرها بأن النهضة رحلة لا تنتهي، وأن كل إجابة تطرح أسئلة جديدة، وأن التاريخ في النهاية ليس سوى حوار طويل بين الأحياء والأموات، بين أحلامنا وأوهامنا، بين ما نعلقه على الجدران وما نحمله في القلوب.









