فضيحة أحزاب مغربية تقف ضد مصلحة الشعب..

admin
2026-06-22T02:57:40+02:00
مقالات رئيس التحرير
adminمنذ دقيقتينآخر تحديث : منذ ثانيتين
فضيحة أحزاب مغربية تقف ضد مصلحة الشعب..
  • مصطفى قشنني

في رحاب المؤسسة التشريعية التي يُفترض أنها معقل السيادة الشعبية ومرآة إرادة الأمة، وتحت قبة مجلس المستشارين التي طالما اعتبرناها حامية لمصالح المواطنين ودرعاً لقدرتهم الشرائية، جرت وقائع لا يمكن وصفها إلا بأنها مسرحية سياسية هزلية تكاد تكون من روائع الكوميديا السوداء التي لا تجعلك تضحك بقدر ما تدفعك إلى البكاء المر، ففي مشهد سياسي مغربي بئيس يعيد تعريف مفهوم الفضائح بكل تجلياتها، وفي جلسة برلمانية كانت كفيلة بأن تكون مادة دسمة لأفلام ساخرة تخلد تناقضات النخبة، جرى ما لا يمكن وصفه سوى بأنه خيانة سياسية بكل المقاييس، حيث انبرى ممثلونا الذين انتخبناهم بأصواتنا وبدموع آمالنا ليكونوا حراس مصالحنا، ليطلقوا الرصاص على أقدام من أوصلهم إلى كراسي النفوذ، مصوتين بصوت واحد ضد مقترحي قانون كانا كفيلين بأن يخففا ولو جزءاً يسيراً من معاناة ملايين المغاربة الذين يئنون تحت وطأة غلاء المحروقات الذي لا يرحم، وبأن يعيدوا للأمة سيادتها الطاقية عبر تأميم مصفاة “سامير” التي ظلت عاطلة عن الإنتاج منذ سنوات، وكأن هؤلاء السادة يمارسون رياضة القفز على الجراح الوطنية بمهارة أولئك الذين أتقنوا فن التلاعب بمشاعر الشعوب.

لكن المفارقة الأكثر إيلاماً، والأكثر جنوناً، والأكثر تعقيداً ، ليست في رفض المقترحات فحسب، بل في هوية الرافضين لها، وفي التبريرات التي تسوقها أحزاب كانت وما تزال تتغنى بالدفاع عن الطبقات الشعبية والفقيرة، وكأنها تقدم لنا دروساً في “التناقض السياسي” الذي يمكن أن يدرس في كبرى الجامعات كنموذج للازدواجية الفكرية والأخلاقية. إنها مفارقة سياسية صارخة تجعل المرء يتساءل في دهشة فيلسوف حائر أمام غموض السلوك البشري: هل نحن في مغرب آخر؟ هل هؤلاء هم نفس الأحزاب التي تتباهى في خطاباتها ومنابرها بالدفاع عن الفقراء والمهمشين والمسحوقين، وتتخذ من شعارات العدالة الاجتماعية غطاءً لتجميل صورتها؟ أم أن الأمر مجرد مسرحية هزلية يتقن هؤلاء السادة أدوارهم فيها بإتقان يحسدون عليه، وكأنهم ممثلون في مسرح العبث الذي يجسد عبثية السياسة واستهتار النخبة بمصير الشعوب؟

فلنبدأ بحزب الاستقلال، هذا الحزب العريق الذي يحمل في جعبته تاريخاً نضالياً طويلاً، ويرتبط في الذاكرة الجمعية للمغاربة بملاحم الكفاح ضد الاستعمار واسترجاع السيادة الوطنية، والذي لم يفتأ أمينه العام، نزار بركة، يردد في كل مناسبة وفي كل تجمع حزبي شعارات رنانة عن “تسقيف الأسعار لحماية القدرة الشرائية للمواطنين”، وعن “محاربة الفراقشية والوسطاء” الذين يستنزفون جيوب المغاربة. لكن حين جاء وقت الفعل، وحين وُضعت الأوراق على الطاولة، وحين طُلب منه التحول من خطاب إلى ممارسة، ومن شعارات إلى أفعال، ومن نظرية إلى تطبيق، ماذا كان موقفه؟ لقد صوّت حزبه، وبكل برود أعصاب يستحق عليها جائزة في ضبط النفس، ضد قانون كان سيجعل من تلك الشعارات حقيقة واقعة، وكأنه يقدم لنا درساً بليغاً في أن الفجوة بين الخطاب والممارسة هي المسافة الأكثر اتساعاً في الكون السياسي! إنها اللحظة التي ينكشف فيها زيف الخطاب السياسي، وتتلاشى فيها كل المسميات البراقة، ليظهر الحزب على حقيقته التي لا تختلف كثيراً عن باقي أحزاب النخبة التي تلاعب الشعب بوعود لا تنوي الوفاء بها، وتستعمل القضايا الوطنية الكبرى كمنصات للصعود السياسي ثم تتخلى عنها عند أول اختبار حقيقي.

أما حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ذاك الحزب الذي ظل لعقود يتباهى بأنه “قلب اليسار المغربي النابض” وحصن الدفاع عن الطبقات الشعبية والفئات الهشة، ومنارة النضال من أجل العدالة الاجتماعية، فقد أضاف إلى المسرحية فصلاً جديداً من العجب والغرابة والعبث ، حين فضّل الامتناع عن التصويت، متخذاً موقفاً أشبه بالمشاهد الذي يصر على الجلوس على الحياد في معركة بين الظلم والعدل، وكأن القضية لا تعنيه، وكأن تأميم المصفاة وتسقيف الأسعار ليس لهما أي علاقة بالطبقات التي يدّعي الدفاع عنها وبالمبادئ التي تأسس عليها. لكن الأكثر صدمة، والأكثر فضائحية، والأكثر تناقضاً من منظور التحليل السياسي، هو البلاغ الصحافي الذي صدر عن الحزب لاحقاً، مدافعاً عن موقفه الرافض لخيار التأمين، ومبرراً ذلك بأن “هذا التوجه لا يمكن أن يحظى بدعم أي شخص يضع مصلحة البلاد واقتصادها في المقام الأول”. يا للهول! إنهم يجرؤون على القول إن تأمين ثروة وطنية وسيادة طاقية هو ضد مصلحة البلاد! إنهم يجرؤون على التحدث باسم الاقتصاد الوطني وكأنهم هم وحدهم من يملكون الحقيقة المطلقة، وكأن كل من يختلف معهم هو عدو للوطن ومتآمر على مصلحته. أليس هذا هو نفس الحزب الذي كان قبل سنوات يهتف في مهرجاناته بضرورة استرجاع ثروات المغرب المنهوبة من المستعمرين الجدد، ويطالب بتأميم قطاعات حيوية كانت في قبضة الأجانب؟ أليس هذا هو نفس الحزب الذي كان يندد باحتكار الشركات الأجنبية لقطاع المحروقات، ويعد الناخبين بتحرير القدرة الشرائية وضمان الاستقلال الاقتصادي؟ ماذا حدث يا ترى؟ هل تغير الحزب أم تغيرت المصالح، أم أن الحقيقة التي ظلت خافية طوال هذه السنوات قد انكشفت فجأة في هذا التصويت المخزي؟

إن الحقيقة التي انكشفت الآن، وبشكل قاس وواضح، هي أن اللوبيات الحقيقية، اللوبيات التي تقف وراء استمرار ارتفاع الأسعار وتتحكم في شرايين الاقتصاد الوطني، هي نفسها اللوبيات التي صوتت ضد تسقيف المحروقات وتأميم “سامير”. إنها اللوبيات التي كانت تقف، وما زالت تقف، في وجه كل محاولة لإصلاح هذا القطاع الحيوي منذ حكومة العثماني وحتى اليوم، وكأنها تحرس مصالحها الشخصية بحراسة أشد شراسة ونذالة ..

فمن هم هؤلاء الذين صوتوا ضد مصلحة الشعب، أولئك الذين فضحوا أنفسهم أمام الرأي العام وأرهقوا أنفسهم في تبريرات لا تقنع حتى طفلاً صغيراً؟ إنهم فرق كل من أحزاب التحالف الحكومي، وفي مقدمتها حزب التجمع الوطني للأحرار الذي يقوده رئيس الحكومة “مول البومبا”، وحزب الأصالة والمعاصرة، وحزب الاستقلال الذي خذل شعبه ومناضليه وتنكر لتاريخه ومبادئه. ولم تقف الأمور عند الأحزاب وحدها، بل انضمّ  إليهم ممثلي نقابة الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، والاتحاد العام لمقاولات المغرب التي تمثل الباطرونا وأصحاب رؤوس الأموال والمستفيدين من استمرار الوضع القائم. لقد اجتمعوا كلهم، وكأنهم على قلب رجل واحد، وكأنهم يعزفون سيمفونية واحدة من التناقض والعبث، ليصوتوا ضد مقترح قانون يقضي بتفويت أصول شركة “سامير” لحساب الدولة المغربية، وضد مقترح قانون ثان يرمي إلى تقنين وتسقيف أسعار المحروقات. والنتيجة كانت ساحقة وقاسية: 29 صوتاً ضد، مقابل 10 أصوات مؤيدة، وامتناع واحد عن التصويت. إنها هزيمة نكراء لكل من يحلم بمغرب أكثر عدلاً واستقلالية، وانتصار مدوٍ  للوبيات والجماعات الضاغطة التي لا تهمها إلا مصالحها الشخصية الضيقة، حتى لو كان الثمن هو استمرار معاناة الشعب وتآكل قدرته الشرائية وتدهور وضعه المعيشي.

والآن، وهنا يأتي السؤال الوجودي الذي يلح على كل مواطن مغربي شريف، على كل من يرى في السياسة وسيلة لتحقيق الخير العام وليس غطاءً للمصالح الخاصة: كيف لنا أن نقبل بأن نمول بأموالنا، عبر الضرائب التي ندفعها عن طيب خاطر أو عن كره، مجلساً يخدم أطرافاً تضرنا وتؤذينا، وتصوت ضد قوانين كانت ستخفف عنا وطأة الغلاء وتوفر لنا حداً أدنى من الأمن الطاقي والكرامة الإنسانية؟ كيف لنا أن ندفع رواتب برلمانيين يصوتون ضد مصلحتنا، وكأنهم يعملون لدى جهات خارجية لا تربطها بالوطن أي صلة، أو لدى جماعات ضغط لا تعرف للوطنية طريقاً؟ كيف لنا أن نقبل بهذا الاستهتار الممنهج بإرادة الشعب وتطلعاته، وهذا التمادي في التلاعب بمصير الأمة، وكأننا مجرد قطع شطرنج في لعبة سياسية لا نعرف قواعدها؟ إن الأمر أشبه بأن تساهم في تمويل سلاح يوجه نحو صدرك، أو أن تدفع أجراً لمن يصفعك على وجهك. إنها سفالة ديمقراطية لا مثيل لها، كما قال الدكتور يحي اليحياوي، وهي تذكرنا بتلك المقولة الشعبية البليغة: “الأكل مع الذئب والبكاء مع السارح”. إن هؤلاء السادة البرلمانيين يحاولون إرضاء الجميع، التوفيق بين التناقضات، والوقوف على الحياد بين الحق والباطل، لكنهم في النهاية يخسرون الجميع، ويخسرون معهم كل ما تبقى من مصداقية لهذه المؤسسة التي أصبحت مجرد نادي للنخبة يتنافسون فيه على المغانم والمناصب، ويتصارعون على حصص الريع، متجاهلين أن دورهم الأساسي هو خدمة الشعب لا خدمة أنفسهم.

إن المقترحين اللذين تم إقبارهما لم يكونا مجرد مقترحات عابرة، ولا مجرد قوانين شكلية يمكن تمريرها أو إسقاطها حسب المزاج السياسي العام، بل كانا يمثلان رؤية استراتيجية لمستقبل المغرب الاقتصادي والطاقي، وكانا يشكلان اختباراً حقيقياً لمدى صدق الأحزاب في دفاعها عن مصالح الشعب وقدرتها على اتخاذ قرارات جريئة تتجاوز المصالح الضيقة. فالمقترح الأول كان يهدف إلى إعادة تشغيل مصفاة “سامير” واستئناف نشاط التكرير، بدل الاستمرار في استيراد المشتقات النفطية من الخارج بأسعار باهظة تثقل كاهل الميزان التجاري وتزيد من عجز الميزانية. إنه كان مشروعاً لضمان حد أدنى من الاستقلالية الطاقية لبلادنا، ولإنقاذ أصول مادية وبشرية كانت على وشك الضياع والاندثار، ولخلق آلاف مناصب الشغل التي يئس شبابنا من الحصول عليها في ظل أزمة بطالة متفاقمة، ولإعادة الأمل إلى منطقة بأكملها عانت من تبعات توقف هذه المصفاة الحيوية. أما المقترح الثاني فكان يرمي إلى وضع آليات للحد من تقلبات أسعار المحروقات، وضبطها في حدود معقولة، حتى لا تبقى رهينة لأهواء المضاربين في الأسواق العالمية، ولجشع الوسطاء والمحتكرين في السوق المحلية، الذين يرفعون الأسعار في أوقات الأزمات الدولية ولا يخفضونها في أوقات الانفراج، وكأنهم يطبقون مقولة “لنا ما لكم وعليكم ما علينا” بأبشع صورها. إنها أهداف نبيلة ومشروعة، كان من المفترض أن تحظى بدعم كل من يضع مصلحة الوطن فوق أي اعتبار آخر، وتتجاوز الانتماءات الحزبية الضيقة إلى آفاق الوطنية الواسعة.

لكن يبدو أن “مصلحة الوطن” في قاموس هؤلاء السادة تعني شيئاً آخر تماماً، شيئاً لا يتسق مع أي منطق أو عقلانية. إنها تعني الحفاظ على الوضع القائم، على نظام الفساد والمحسوبية والريع الذي يغذي لوبيات النفط والوسطاء والمستفيدين من استمرار التبعية للخارج، على حساب معاناة الشعب وتآكل قدرته الشرائية وتدهور ظروفه المعيشية. إنهم يفضلون استمرار تدفق الأموال إلى جيوبهم وجيوب شركائهم في الخارج، بدلاً من أن تظل في خزينة الدولة وتستفيد منها الأجيال القادمة، ويفضلون أن يبقى المغرب رهينة لتقلبات الأسواق العالمية، وأن تبقى قراراته السيادية مرهونة بموافقة الشركات الأجنبية والمستثمرين الكبار، بدلاً من أن يستعيد قراره الوطني في قطاع حيوي مثل قطاع الطاقة، الذي يشكل العمود الفقري لكل الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية. إنهم يمارسون نوعاً من الاستعمار الذاتي، حيث يختارون طواعية أن تبقى ثروات بلادهم وأمنها الطاقي في قبضة الآخرين، وكأنهم وكلاء لهؤلاء الآخرين داخل المؤسسات الوطنية، يتلقون أوامرهم وينفذونها بكل دقة وإخلاص.

وإذا كان هذا هو حال الأحزاب التي تتغنى بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية، والتي تتباهى بانتمائها للقومية المغربية وتاريخها النضالي، فما بالكم بغيرها من الأطراف التي لا تخفي ولاءها لأصحاب المصالح والجماعات الضاغطة؟ لقد أصبحنا نعيش في زمن أصبح فيه البرلمان مجرد آلة للمصادقة على قرارات الحكومة، ولخدمة أجندات النخبة، ولتكريس هيمنة رأس المال على حساب حقوق الإنسان والكرامة الوطنية، حيث الكثير من النواب مجرد دمى تتحرك بخيوط غير مرئية، لا صوت لهم ولا قرار، إلا ما يمليه عليهم رؤساؤهم وممولوهم، وكأنهم فقدوا كل إرادة مستقلة أو ضمير حي. إنها مأساة حقيقية لبلد يطمح إلى أن يكون نموذجاً للديمقراطية في المنطقة، لكنه يجد نفسه عالقاً في مستنقع من الفساد السياسي والنخبوي الذي يستنزف طاقاته ويبدد مستقبله، ويحول المؤسسات الوطنية إلى مجرد أدوات لخدمة مصالح النخبة على حساب الشعب.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.