- مصطفى قشنني
في مغربٍ يرفع راية فلسطين ويقصّ أجنحة من يتلو دعاءً صادقًا، يختلط التصفيق للتضامن مع الصمت الإجباري المعلّب. في قلب هذه المفارقة، يُعفى رئيس المجلس العلمي المحلي لفجيج من منصبه لأنه كتب لا لأنه جنى، لأنه تضامن لا لأنه حرّض. كأن الكتابة أضحت جريمةً عظمى، والتعاطف صار انقلابًا دعويًا يعاقب عليه القانون الدعوي غير المكتوب.
وزارة الأوقاف، بدلاً من أن تكون ذراعًا للضمير والحق، باتت أداةً لضبط نغمة الخطاب. أصبحت تُشرف على إعداد خُطب الجمعة وكأنها تُراجع بيانًا صحافيًا يُفترض أن يُرضي الجميع ولا يُزعج أحدًا. أما الدعاء “مخّ العبادة”، ذلك الركن العاطفي في نفوس الخطباء، فقد أُفرغ من معناه، وصار يخضع لرقابة لغوية وسياسية وتخطيطٍ استراتيجي على مستوى المفردة المسكوكة المنحوتة. “اللهم اهزم الصهاينة ويتم أولادهم” لم تعد جملةً مألوفة، بل قضية تُحال إلى قسم “الأدعية الحساسة والمحرّمة”.
في هذا الزمن، يتقلّب التناقض المغربي بين دعمٍ ملكي وشعبي حاشد للقضية، وبين كبتٍ رسمي لمنابرٍ يُفترض أن تشارك ذلك الموقف بحرّية. الدولة تُرسل المساعدات ، وتُثمّن بيت مال القدس بدعم استراتيجي سخي، ثم تسمح لوزارة أن تعاقب عالِمًا أبدى رأيًا متسقًا مع نبض الشعب، لكنه غير متسق مع نغمة “الهدوء الخطابي” التي يفرضها الوزير التوفيق.
إنها سردية مدروسة جيدًا: دعمٌ خارجي مزخرف، وصمتٌ داخلي محسوب. كأن المؤسسة الدينية تُدار وفق معايير تسويقية، لا روحية. العالِم الذي يتفاعل يتحوّل إلى خطر دعوي، والخطيب الذي يبكي غزة يُصنّف بأنه “خارج السياق”. هل بات حب فلسطين يحتاج إلى ترخيص؟ وهل الدعاء صار منشورًا يجب مراجعته قبل بثّه على المنبر؟.
أعتقد والله أعلم ، أن الوزير التوفيق لا يريد علماء، بل مذيعين. لا يرغب في منابر، بل منصات نطق آمنة. يريد عالِمًا يقرأ النص ويراجع مفرداته، ويسأل قبل كل جمعة: “هل يجوز لي ذكر غزة اليوم؟ أم أنّها غابت عن جدول الخطاب؟”. يريد خطيبًا يشبه جهازًا صوتيًا، يُشغّل ويُطفأ، دون أن يفكر، دون أن يشعر، دون أن يختار. ومن لم يلتزم بهذه القواعد، فمصيره الإعفاء، والمحو من سيرة العلماء الرسميين.
لكن التاريخ لا يُصفّق للصامتين. إنه يكتب عن من وقف، من تمسك بالحق، من صدح بالصدق في وجه السكون. العلماء الذين نعرفهم هم الذين تحدّوا اشكال القمع والكبت، نطقوا بما لم يُعجب الحاكم و الوزير، ولم يُجبنوا في مواجهة الجور. هل صار الخوف فضيلة؟ وهل الاستكانة هي الفتوى الجديدة؟
أما المسجد، فقد تحوّل إلى منشأة دعائية. مكانٌ تُذاع فيه خطبٌ مصمّمة، لا تُقال فيه كلماتٌ خارجة عن النص. الدعاء أصبح مجرّد تحية لغوية، كأنّ الخطيب ينشد السلام بين سطورٍ مغسولة من أي غضب. هُزمت غزة في الخطبة، وتُركت خلف النص، وكأنها لم تكن، فقط لتظل الوزارة آمنة من “إحراجات دعائية”.
هذه ليست رقابة، بل خنقٌ للروح. ليست سياسة، بل اجتثاثٌ للوجدان. ليست دعوةٌ وسطية، بل صناعةٌ مخبرية لنمط العالِم الجديد: خبير صمت، محترف حياد، مدرّب على تجاهل الجراح.
لكن، العالم الذي يقول الحق، ثم يُعفى، يظل أكبر من قرار الإقالة. لأنه لم يطلب إذناً ليتضامن، ولم ينتظر موافقة ليبكي، ولم يخضع لرقابة كي يدعو. الإعفاء، في هذه الحالة، ليس نفيًا، بل توثيقٌ لمرحلة تُعري الوجه الحقيقي لمن يُريد أن يتحكّم حتى في صياغة الحزن.
أيها السادة يا من بيدهم الأمن الروحي للمغاربة،افتحوا أبواب المنابر للصدق، لا للتكرار. دعوا الخطباء يدعون، لا يُسجنوا في نصٍ لا يُعبّر عن المأساة. أعيدوا للمساجد وظيفتها: أن تكون منبرًا للوجدان، لا صفحةً في نشرة حكومية.
وأخيرًا… أقول لرئيس المجلس العلمي المحلي لفجيج أن تُعفى لأنك تضامنت مع غزة، فتلك ليست عقوبة، بل وسامٌ من فئة “النطق في زمن الصمت”. أما الصامتون خوفًا، فالتاريخ لا يكتب أسماءهم إلا على هامش الخزي و الخيبة والعار.








عزوز ميلاديمنذ 7 أشهر
الله يعطيك الصحة السي مصطفى . بارك الله فيك و في امثالك .