- مصطفى قشنني
لنبدأ من النهاية : الإنسان كائن فريد في الوجود، ليس لأنه يبني الحضارات، بل لأنه الوحيد الذي يهدم ما بناه بأيدي لم تجف بعد من لبنات البناء الأولى. تأمل المشهد: مجموعة من الكائنات العاقلة تجلس على كراسي وثيرة في قاعة مؤتمرات مكيفة، بعد أن قضت الأسابيع الماضية في تقطيع أوصال بعضها البعض بأدوات لا تليق إلا بالمسالخ. يداهمهم فجأة إحساس غريب، يشبه حرقة المعدة بعد تناول طعام دسم، يسمونه “الضمير” أو “الملل” أو “ضغوط الرأي العام”. فينهض أكبرهم جرحاً (والجراح هنا مقياس للشرف وليس للألم) ويلقي خطاباً مؤثراً عن “حقن الدماء” و”مصلحة الأجيال القادمة” و”السلام العادل والشامل”. يصفق الجميع، حتى أولئك الذين لا تزال أصابعهم ملطخة بدماء أمس. يوقعون اتفاقية من عشرات الصفحات، كأنهم يوقعون عقد زواج بعد جريمة اغتصاب جماعي. ثم يعودون إلى ديارهم ليخططوا للحرب القادمة، لأن السلام، كما يعلمون جميعاً في قرارة أنفسهم، لا يصلح إلا كفاصل إعلاني بين موسمين من الفتك والهتك.
هذا هو المنطق البشري في أبهى صوره منذ عهد قابيل: منطق يبدأ بالقتل كحل أول، وينتهي بالتفاوض كحل أخير، ويعيد الإعمار كتبرير لكل ما سبق. إنه منطق يجعل من التناقض فضيلة، ومن النفاق مهارة، ومن إعادة إنتاج الأخطاء طقساً مقدساً. تأملوا روعة هذه العقلية: يقتلون الأطفال في المدارس، يهدّون المستشفيات على رؤوس المرضى، يهلكون الحرث والنسل، ثم يجلسون على أنقاض ما فعلوا ليعلنوا أنهم تعلموا الدرس، وأنهم سيعيدون بناء كل شيء على أسُس جديدة. لكن الأسُس الجديدة هي نفس الأسُس القديمة، مضافة إليها طبقة إضافية من النفاق سمكها كسمك الاتفاقيات التي يوقعونها.
العجيب في الأمر أن هذه الآلية لا يعترض عليها أحد، وكأنها مثبتة في صميم الجينوم البشري. الطفل الذي يكسر لعبته ثم يطلب من أمه إصلاحها وهو يبكي بحرقة، هو نموذج مصغر لهذا الكائن العجيب. لكن الفرق أن الطفل يكسر لعبته عن غير قصد أو بدافع الفضول، أما الإنسان الراشد فيكسر مدناً بأكملها بدافع الخطط الخمسية والاستراتيجيات الأمنية والمصالح الوطنية والطائفية والقومية… يكسرها وهو يعلم تمام العلم أنه سيعيد بناءها غداً، وكأن كسر البناء وإعادة بنائه هما النشاط الاقتصادي الوحيد الذي يبقيه مشغولاً عن السؤال الكبير: لماذا نكسر أصلاً؟
دعونا نكون صادقين مع أنفسنا للحظة، فهذه السردية لا يعيها أحد غير أولئك الذين يشعرون بالغثيان وهم يشاهدون المؤتمر الصحفي التالي. السلام الذي ينشده هؤلاء ليس سلاماً حقيقياً،إنه سلام يوقعه القتلة على جثث ضحاياهم، ثم يخرجون ليعلنوا أنهم صنعوا التاريخ. والتاريخ، ذلك الوحش الجائع، يبتلع هذه الوجبة الدموية ويطلب المزيد.
المضحك المبكي، أو الباكي المضحك، حسب المزاج، هو أن عملية إعادة الإعمار نفسها تصبح بؤرة للصراع القادم. يتنافسون على عقود الإسمنت والحديد كما تنافسوا بالأمس على الغاز والنفط. يبنون الجسور لكنهم يضعون تحتها قنابل موقوتة في شكل نصوص قانونية قابلة للتأويل. يشيدون المدارس لكنهم يستوردون المناهج التي تدرّس الكراهية من الخارج. يعيدون تأهيل المدن لكنهم يتركون المناطق الحدودية دون خرائم لأنها “منطقة رمادية” تصلح لمناوشات الغد. وكأن إعادة الإعمار ليست غاية في حد ذاتها، بل هي مجرد مقدمة للفصل التالي من المسرحية.
والأدهى من ذلك، ذلك الاهتمام المفاجئ بالأبرياء بعد أن يتم الافتكاك بهم. يأتي الوقت الذي يصبح فيه ذكر “الضحايا الأبرياء” ضرورة خطابية لا غنى عنها، كالملح في الطعام أو كالدم في خطاب الحرب. يظهر المسؤولون وهم يعقدون حاجبيهم بحزن صناعي، يقرؤون أسماء القتلى بصوت متقطع، يعدون بتحقيق العدالة وتعويض المتضررين. وبعد شهر، يُنسى الجميع، وتُطوى الملفات، وتبدأ حرب جديدة على جبهة مختلفة، بأبرياء جدد وبدماء جديدة. الأبرياء في هذا المنطق ليسوا سوى مادة استهلاكية، يُنتجون بأعداد كبيرة في مصانع الحروب، ثم يُرمون في سلة التاريخ بعد انتهاء صلاحية استخدامهم الإعلامي.
التحليل الفلسفي لهذه الظاهرة لا يحتاج إلى أدوات معقدة. إنه يكشف ببساطة أن الإنسان قد طوّر قدرة مذهلة على الفصل بين ما يفعل وما يقول. يمكنه أن يقتل في الصباح ويتفاوض في المساء، يمكنه أن يدمّر في الشتاء ويعيد البناء في الربيع، يمكنه أن يبكي الأبرياء دمعة حارة ثم يخطط لمقتل المزيد بدم بارد. هذه القدرة على الانفصام ليست مرضاً، بل هي تكيّف تطوري عبقري. لولاها لما استطاع الإنسان أن ينام ليلاً بعد كل ما يرتكب في النهار. إنها آلية دفاع جماعية، صمّمها العقل البشري لحماية نفسه من رؤية صورته الحقيقية في المرآة.
تخيل لو أن كل جندي أو قائد أو سياسي رأى وجهه الحقيقي بعد كل فعل إجرامي، لأصيب الجميع بالشلل التام، ولتوقفت الحضارة عن الدوران. لذلك كان لابد من اختراع “الآخر”، العدو، الشرير، الذي نلقي عليه كل ما لا نريد أن نراه في أنفسنا. نقول: هم من بدأوا، هم من يقتلون الأطفال، هم من يهدمون المستشفيات، ونحن فقط ندافع عن أنفسنا، ونحن فقط نردّ بالمثل، ونحن فقط نضطر لهدم ما نبنيه لأنهم لا يتركون لنا خياراً آخر. وفي هذا التبرير الدائري، يضيع الفرق بين الجلاد والضحية، ويصبح الجميع جلاداً وضحية في آن واحد، ويصبح الكل مذنباً ولا أحد مسؤولاً
الاستهلاك النهائي لهذه الكوميديا التراجيدية هو أن الإنسان أصبح أسيراً لمنطقه الخاص. يبدأ حروباً لا يستطيع إنهاءها، يوقع اتفاقيات لا يستطيع تنفيذها، يعد بسلام لا يريده حقاً. إنه كمدمن يدور في حلقة مفرغة: يشتهي المخدر، يتعاطاه، يشعر بالذنب، يتعهد بالإقلاع، يعود للإدمان. الحروب هي مخدره المفضل، والتفاوض هو مرحلة “إعادة التأهيل” الوهمية، وإعادة الإعمار هي “الجرعة الوقائية” التي تسبق الانتكاسة التالية. وهو في كل مرة يعتقد أن هذه المرة ستكون مختلفة، هذه المرة سينتصر السلام، هذه المرة سيكون للأبرياء صوت. لكن النتيجة واحدة: التاريخ يعيد نفسه، أولاً كمأساة، ثم كمهزلة، ثم كمسلسل تلفزيوني لا ينتهي ولا يجد من يلغيه.
والسؤال الذي يظل معلقاً في الهواء، كرائحة البارود بعد انتهاء المعركة: هل يمكن للإنسان أن يخرج من هذا المنطق البئيس؟
المفكر الفرنسي إدغار موران، صاحب “المنهج” المعقد، يقدم لنا فكرة “العقلانية المفتوحة” التي تعترف بالخطأ وعدم اليقين. لكن أبطالنا يعرفون الخطأ جيداً، ويعرفون عدم اليقين جيداً، لكنهم يستمرون لأن الاستمرار هو برنامجهم الوحيد. لا يمكنهم التوقف، لأن التوقف يعني مواجهة أنفسهم، ومواجهة الجثث، ومواجهة حقيقة أنهم قضوا حياتهم في لعبة لا معنى لها. إنهم كمدمن القمار الذي يعرف أن الكازينو يسرقه، لكنه يواصل الرهان على أمل أنه سيربح الجولة القادمة. والجولة القادمة هي الحرب القادمة، أو التفاوض القادم، أو إعادة الإعمار القادمة. كل شيء “قادم” ولا شيء “هنا”. الإنسان المؤجل، الإنسان المعلق بين جريمة وأخرى، بين تفاوض وآخر، بين بناء وهدم. وهنا يكمن السر الفلسفي الأخير: الإنسان ليس ذلك الكائن الذي يهدم بيته ليشعر أنه بناه فقط، بل هو كائن يرفض أن يسكن في أي بيت لأنه يخاف من أن يصبح البيت قبراً. فيفضل أن يهدمه بنفسه على أن يترك للموت فرصة هدمه. إنه يسبق الموت إلى بيته، يقتل أطفاله قبل أن يقتلهم الزمن، يفاوض على رماد قبل أن يتحول الرماد إلى تراب. هذه ليست كوميديا، هذه تراجيديا من نوع خاص، تراجيديا لا تبكي فيها، بل تضحك، لأن البكاء استسلام، والضحك، كما قال فيلسوف آخر، هو آخر أشكال المقاومة. ونحن، أيها السادة، سنضحك حتى النهاية، أو حتى تبدأ الحرب التالية….








