المقامةُ الإنتخابية…

admin
2026-09-18T13:17:00+02:00
مقالات رئيس التحرير
admin18 سبتمبر 2026آخر تحديث : منذ 12 ساعة
المقامةُ الإنتخابية…
  • مصطفى قشنني

حدّثَنا عيسى بنُ هشامٍ قال: كنتُ في مدينةٍ لا يُذكرُ اسمُها إلا همسًا، ولا يُرفعُ فيها صوتٌ إلا بالدعاءِ للحاكم الهمام، أمشي في سوقٍ يُشبهُ الخِرَب، وأتأمّلُ وجوهًا تُشبهُ الحَجَر، إذ سمعتُ مُناديًا يُنادي بصوتٍ كالرَّعْد: “يا أهلَ البلد، غدًا يومُ الانتخاب، فمَن أرادَ أن يُصلحَ الحالَ فليأتِ بالبطاقةِ والشَّهادةِ والهَوية، ومَن تخلّفَ عن الإدلاءِ بصوتِه فليَنتظرْ ما يَحلُّ به من بَلاء.” فقلتُ في نفسي: يا عيسى، هذه فرصتُك لترى بعينَيك ما يفعلهُ الناسُ حين يُقالُ لهم إنّهم أحرار.

فلمّا كان الغدُ، مضيتُ إلى المدرسةِ الابتدائيةِ التي حوّلوها إلى مركزِ اقتراعٍ كأنّهم حوّلوا الحقلَ إلى مسرح. رأيتُ طوابيرَ كطوابيرِ الرغيف، وأقدامًا حافيةً تَطأُ الأرضَ وطأَ المستسلمِ، وشيوخًا يُسندونَ ظهورَهم إلى الحيطان، وشبابًا يتحامسونَ على مكانٍ في الصفِّ كأنّهم يتحامسونَ على مقعدٍ في جنّة. فدنوتُ من شيخٍ منهم وسألتُه: “يا عمّ، لِمَن ستُعطي صوتَك؟” فأجابَني والشيبُ يَلمعُ على وجنتِه: “أُعطيهِ لابنِ العمّ، فقد وعدَني أن يُعبّدَ الطريقَ أمامَ بيتي.” فقلتُ: “وهل تعرفُه؟” قال: “لا أعرفُه، لكنّي أعرفُ أباه.” فقلتُ في سرّي: يا للعجب! يُصوّتُ الناسُ لمن لا يعرفونَ لأنّهم يعرفونَ من أنجبَهم، كأنّ الكرامةَ تُورَثُ كما تُورَثُ الأرضُ والدوابّ.

ثمّ دخلتُ القاعةَ فرأيتُ الصندوقَ جالسًا على طاولةٍ مكسورةٍ كأنّه تابوتٌ في انتظارِ جثمان. وُضِعَ عليه شعارٌ مكتوبٌ بخطٍّ رديءٍ: “صوتُك أمانة.” فقلتُ: يا لله! الأمانةُ في بلادِنا كلمةٌ تُكتبُ على الصناديقِ وتُنسى في الخزائن. تُوضعُ في القُبّعات، وتُصلَّى في الخُطَب، ثمّ تُرمى في الحُفرِ كما تُرمى القمامةُ في المزابل. وأمّا من يحملُها حقًّا، فيُقالُ عنه إنّه “خائنٌ للوطن”، لأنّ الوطنَ في هذا الزمانِ يُشبهُ العروسَ التي يُريدُ كلُّ خاطبٍ أن يُقبّلها، فإذا رفضَت، قيلَ إنّها مُتَعجرفة ومتنطّعة.

ثمّ تلفّتُّ فرأيتُ المترشّحينَ واقفينَ في الزاوية، كأنّهم تجّارُ مواشٍ في سوقِ الماشية. هذا يُصفّقُ للداخلين، وذاك يُوزّعُ القُبّعات، وثالثٌ يُصافحُ الأطفالَ كأنّهم ناخبونَ مُسجّلون. فأقبلَ علَيَّ أحدُهم وقال: “يا سيّدي، هل صوّتَ لنا؟” فقلتُ: “وما عندك؟” قال: “عندي ماضٍ مشرق، وحاضرٌ ناصع، ومستقبلٌ واعد.” فقلتُ: “وأمّا طعامُ الغد، فمن أين يأتي؟” فسكتَ سكتةً طويلةً، ثمّ قال: “لا تُشتّتِ الموضوعَ يا شيخ.” فعلمتُ أنّ السياسةَ في بلادِنا كالشِّعرِ الجاهليّ: يهتمُّ بالصورةِ ويُهملُ المعنى، ويُبكي القارئَ ولا يُشبعُ الجائع.

ثمّ تقدّمَ إليّ مُرشّحٌ آخرُ فسألني: “ألا تعرفُ من أنا؟” فقلتُ: “لا.” فانتفخَ كالديكِ وقال: “أنا ابنُ فلان، وابنُ ابنِ فلان، ومن سلالةِ المقاومين الذين أخرجوا المستعمرَ من البلد.” فقلتُ: “وما فعلتَ أنتَ؟” قال: “أنا وارثُ المجد والسؤدد.” فقلتُ في نفسي: يا سبحانَ الله! يُصبحُ المجدُ ميراثًا كما تُصبحُ الدكّانةُ ميراثًا، ويُورَثُ الشرفُ كما تُورَثُ الأحذية، ثمّ يجلسُ الوارثُ على الكرسيِّ ولا يعرفُ كيف يُديرُ حتى دكّانةَ أبيه.

ثمّ رأيتُ منظرًا عجبًا: رجلٌ يُدخلُ يدَه في الصندوقِ فيُخرجُها فارغةً، فسألتُه: “ماذا فعلتَ؟” قال: “أدليتُ بصوتي.” فقلتُ: “وأين هو؟” قال: “ذهبَ إلى التاريخ.” فقلتُ: “وهل يعودُ التاريخُ بشيء؟” قال: “لا، لكنّه يشهدُ أنّي كنتُ هنا.” فقلتُ: يا لله! في بلادِنا يُصوّتُ الناسُ لكي يشهدَ التاريخُ أنّهم كانوا موجودين، لا لكي يُغيّروا شيئًا. كأنّ الحياةَ شريطُ فيديو يُصوَّرُ لتُشاهدَه الأجيالُ القادمة، ثمّ تموتُ الأجيالُ ولا أحدَ يشاهد، ويبقى الشريطُ في أرشيفٍ مُغبرٍ، ويُكتبُ عليه: “انتخاباتُ سنةِ كذا، وفازَ فيها من كانَ يفوزُ دائمًا.”

فلمّا انتهى التصويت، جاءَ من يُنادي: “أُغلِقَ الصندوق، ولْيَبتعدِ الجميع.” فخرجَ الناسُ كأنّهم خرجوا من حفلةِ عرسٍ انتهت بلا عروس. ثمّ جلسَ الناسُ ينتظرونَ النتائجَ كما ينتظرُ المرضى تقريرَ الطبيب: يعرفونَ أنّهم سيموتون، لكنّهم يريدونَ أن يعرفوا بأيّ مرضٍ سيموتون. ثمّ بُثّتِ النتائجُ على الشاشة، فلم يتغيّر شيءٌ سوى الحروف، وبقيَ المعنى كما كان. وخرجَ الفائزُ يُلوّحُ لجمهورِه كأنّه انتصرَ في معركةٍ لم يَخُضْها، وقال: “الشعبُ اختارني.” فقلتُ في سرّي: يا للعجب! من يختارُك يُقالُ عنهُ إنّه اختارَ، ومن لم يخترْك يُقالُ عنهُ إنّه لم يُشارك، ومن اعترضَ يُقالُ عنهُ إنّه يخون. هكذا تُصنعُ الديمقراطيةُ في بلادِنا: تُصنعُ في كواليس، وتُعلَّبُ في إعلانات، وتُوزَّعُ في الملاعب، ثمّ تُدفنُ في المقابر بلا جنازة.

ثمّ تفرّقَ الناسُ إلى بيوتِهم، كلٌّ يحملُ همّه كما يحملُ الحمارُ ثقلَه. وسمعتُ شيخًا يقولُ لجارِه: “يا أبا فلان، لقد صوّتُ لمن وعدَني بمنصب.” فقالَ جارُه: “وأنا صوّتُ لمن وعدَني بمال.” فقالَ الشيخ: “وما جاءَ شيء.” فقال الجارُ: “ولا يُتوقَّعُ أن يأتي، لكنّنا نُصدّقُ كلَّ مرةٍ كأنّنا في المرّةِ الأولى.” فقلتُ في نفسي: صدقَ من قال إنّ في بلادِنا صنفًا من البشرِ يُسمّى “المواطنَ المؤمنَ بالوهم”، يؤمنُ بالوعدِ كما يؤمنُ الناسُ بالمعاد، ويُصدّقُ الخطابَ كما يُصدّقُ المُحدّثُ الرُّؤى، ثمّ يستيقظُ من حلمِه فيجدُ نفسَه في مكانِه: نفسُ الجوع، ونفسُ الذلّ، ونفسُ الهوان، ونفس الأملِ الكاذبِ الذي يُولَدُ كلَّ خمسِ سنواتٍ ثمّ يموتُ في اليومِ التالي للانتخابات.

ثمّ انصرفتُ وأنا أقول: واعجبًا من بلادٍ تُقيمُ للحرّيةِ مَوسمًا، ثمّ تُعيدُها إلى قفصِها بعدَ أن تُصوّرَها مع المواطنينَ على الجدار. تُعلّقُ الصورَ وتقول: “هذه ديمقراطيتنا”، ثمّ تُزيلُ الصورَ وتقول: “انتهى الموسم، عودوا إلى إلى ما كنتم عليه من قبلُ.” فمن ذا الذي يُقنعُني أنّ ما رأيتُه كان انتخابًا، لا مسرحيةً أُعيدَ تمثيلُها على مسرحٍ واحد، بممثّلينَ يتغيّرونَ في الأسماءِ ويَتشابهونَ في الأداء، وبجمهورٍ يدفعُ الثمنَ ويُصفّقُ في النهايةِ لأنّه لا يملكُ شجاعةَ الاعتراض، ولا وقتَ الاحتجاج، ولا قوّةَ التغيير؟

هكذا تكلّمَ عيسى بنُ هشامٍ ، ثمّ سكت، وقال: “وللحكايةِ بقيّة، لكنّي أخشى إن قلتُها أن تُصبحَ بقيّتي في الحكاية.” فسألتُه: “وما الحكاية؟” قال: “الانتخاباتُ القادمةُ ستُشبهُ هذه، وسيُصدّقُها الناسُ كأنّهم لم يعيشوا الأولى، وسيُصفّقُ مَن صفّقَ أمس، وسيصمتُ من صمتَ أمس، وسيبقى الصندوقُ الزجاجي في مكانِه ينتظرُ يدًا تُدخلُ فيه وهمًا جديدًا، ويُخرجُ منهُ صمتٌ قديم. ويا ليتَ شعري! من ذا الذي يُخبرُني: هل نحنُ ننتخبُ من يحكمنا، أم ننتخبُ عذابَنا؟ وهل الصناديقُ التي نُدخلُ فيها أصواتَنا ليست إلا قبورًا صغيرةً نُشيِّعُ فيها كرامتَنا كلَّ بضعِ سنوات، ثمّ نعودُ إلى بيوتِنا نُعزّي أنفسَنا ونقول: عظّمَ اللهُ أجرَنا في ما ابتلانا به من ديمقراطيةٍ لا تشبهُ إلا اسمَها، ولا تُشبهُ أهلَها، ولا يُرجى من ورائِها إلا أن نُصبحَ كما كنّا: صامتين، راضين، نُصفّقُ لمن يُهينُنا، ونشكرُ من يسلبُنا، ونُسمّي ذلك: “اختيارًا حرًّا.”

ألا بئس به من اختيار وبئس بها من حرية..

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.