- مصطفى قشنني
ها هُوَ الزَّمَنُ، ذاكَ الحَاكِي الأَعْوَجُ، يَمُطُّ شَفَتَيْهِ عَلَى مَقْدِرَةِ القُرُونِ، فَيُطْلِقُ ضَحْكَةً جَوفاءَ تَتَدَحْرَجُ فِي مَمَرَّاتِ الأَيّامِ: “أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ أَنَّ الْمَسْرَحَ وَاحِدٌ، وَأَنَّ الأَقْنِعَةَ وَحْدَها هِيَ الَّتِي تَبْلَى؟”
انْظُرُوا وَتَأَمَّلُوا: صُورَتانِ بَيْنَهُما أَحْقابٌ مِنَ الدُّجَى، تَتَشَابَكُ كَأَصَابِعِ ظِلٍّ مُعَتَّقٍ. هُنَاكَ، عِنْدَ مُنْعَطَفِ الآجَالِ، تتَدَلَّى سِلْسِلَةٌ مِنْ حديد وَحَنَقٍ، تُكَبِّلُ قَدَمَيْ أَمِيرِ الشِّعْرِ وَالأَنْدَلُسِ، “المُعْتَمِدِ”، وَزَوْجَتِهِ “اعْتِمَادَ”، بَيْنَمَا يَنْهَلُ الْحِذَاءُ الْمَغْرِبِيُّ الْخَشِنُ عَلَى جَبِينِ الْمُلْكِ الْمُتَسَاقِطِ. المَشْهَدُ يَسْحَبُ ذَيْلَ الذُّلِّ إِلَى سِجْنِ “أَغْمَات”، حَيْثُ يَتَرَاقَصُ الْوَهَجُ الأَخِيرُ لِحُلْمِ الْفَرْدَوْسِ الْمَغْرُوبِ عَلَى جُدُرَانِ الْقَبْرِ الْمَبْنِيِّ مِنْ مِلْحٍ وَصَمْت.
وَهُنَا، فِي فَلَكِ الْقَرْنِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ، تَهْبِطُ مِنْ صُدُورِ السَّمَاءِ الْحَدِيدِيَّةِ طَائِرَاتٌ تَحْمِلُ اسْمَ “الْحُرِّيَّةِ” وَتَبُثُّ سَمَّ “الْوَلاءِ”. فَيَنْزِلُ فِيْلَقٌ مِنْ صَنَائِعِ الْقُوَّةِ الْعُظْمَى، لِيَضَعَ حَلْقَةً أُخْرَى مِنْ سِلْسِلَةِ الْقَدَرِ الْمَصْنُوعَةِ بِبَرَاغِيَ الْوِلايَةِ الْعَالَمِيَّةِ، عَلَى قَدَمَيْ “نِيكُولاس مَادُورُو” وَ”سِيلْيَا فَلُورِيس”والوجهة معتقل بروكلين بنيويورك. تَتَشَابَهُ الإِيمَاءَاتُ: الْيَدُ الْمُكَبَّلَةُ، الظَّهْرُ الْمُنْحَنِي، نَظْرَةُ الْعَجَبِ الَّتِي تَسْأَلُ: “أَهَذَا ثَمَنُ الْكُرسِيِّ؟ أَمْ ثَمَنُ التَّمَرُّدِ عَلَى سِيدِ الْأَكْرِيسِ؟”
تَرَاهُمَا يَتَطَابَقَانِ، – رغم فارق إحدى عشر قرنا -صُورَتَيْ الْوَقْتِ، كَأَنَّمَا نَحْوَ مِرْآةٍ مُعَتَّقَةٍ تَصْفَعُهَا الْأَضْوَاءُ الْحَدِيثَةُ. الْجَلَّادُونَ يَتَبَدَّلُونَ رِدَاءَهُم: فَمَرَّةً عَبَاءَةُ “أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ” وَتَكْبِيرَاتُ الْفَتْحِ، وَمَرَّةً بَدَلَةُ “الرَّئِيسِ الْمَسِيحِيِّ” وَشِعَارَاتُ الْحُرِّيَّةِ. أَمَّا السَّوْطُ فَهُوَ السَّوْطُ، يُصَفِّرُ بِاللَّهْجَةِ الْعَامِّيَّةِ لِلْقُدْرَةِ، الَّتِي لا تَعْرِفُ سِوَى لُغَةِ الْحَدِيدِ وَالنَّار.
وَتَظَلُّ الْغَابَةُ الأَزَلِيَّةُ تَتَنَفَّسُ تَحْتَ رخَامِ الْقُصُورِ وَزُجَاجِ الْنَّاطِحَاتِ. هِيَ نَفْسُهَا: غَابَةُ الأَنيَابِ وَالأَظَافِرِ، حَيْثُ يَسُودُ الْقَانُونُ الأَعْضَلُ. إِنَّمَا اخْتَلَفَتْ زِينَةُ الْوُحُوشِ. فَالذِّئْبُ الْقَدِيمُ كَانَ يَعْوِي بِاسْمِ الدِّينِ وَالشَّرَفِ، وَالذِّئْبُ الْجَدِيدُ يَعْوِي بِاسْمِ الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ وَالْحُقُوقِ. وَالْفَرِيقَانِ يَشْتَرِكَانَ فِي عَظْمَةِ الذَّاتِ وَسُخْرِيَّةِ المَصِير.
فَالْحَضَارَةُ، لَيْسَتْ سِوَى غِطَاءٍ رَفِيعٍ مِنَ التُّوتِ، نُلْفِقُهُ عَلَى جَسَدِ الْوَحْشِ الْكَامِنِ فِينَا، لِنَخْدَعَ أَنْفُسَنَا أَنَّا تَجَاوَزْنَا زَمَنَ الْكَهْفِ. نَصْنَعُ الصَّوَارِيخَ وَنُحَلِّقُ إِلَى الْكَوَاكِبِ، وَنَبْقَى نَحْتَفِلُ بِطَقُوسِ الإِذْلاَلِ الْقَدِيمَةِ: رَمْيُ الْمَلِكِ السَّابِقِ فِي زِنْزَانَةِ النِّسْيَانِ، رَبْطُ يَدَيْ الْخَصْمِ بِسِلْكِ الإهَانَةِ، وَرَسْمُ سَطْرِ النِّهَايَةِ عَلَى جَبِينِ الْمَنْهُزِمِ بِحِبْرِ الْوَقاحَةِ.
لِكُلِّ جَلَّادٍ فِقْهٌ جَدِيدٌ يُبَرِّرُ بِهِ فِعْلَتَهُ. كُلٌّ يَحْمِلُ مِصْبَاحَهُ الْعَقْلانِيَّ لِيُنِيرَ لَهُ دَرْبَ الْغَزْوِ. وَلَكِنَّ الظِّلاَلَ الَّتِي تَرْتَعِشُ عَلَى الْحَائِطِ هِيَ نَفْسُهَا: ظِلُّ الْقَيْدِ، ظِلُّ الْجَلَّادِ الْوَاقِفِ بِصُورَةٍ وَثَّابَةٍ كَالْعُقَابِ، وَظِلُّ الضَّحِيَّةِ الْمُتَحَوِّلِ بِبُطْءٍ إِلَى رَمْزٍ لِعِبْرَةِ الْآخَرِينَ.
فَالتَّارِيخُ لا يَعِيدُ نَفْسَهُ. بَلْ هُوَ وَاقِفٌ فِي مَكَانِهِ، كَسَلْسِلَةِ جِبَالٍ صَمَّاءَ، نَحْنُ مَنْ يَدُورُ حَوْلَهُ بِمَرْكَباتِنَا السَّرِيعَةِ، نَظُنُّ أَنَّنَا نَقْطَعُ أَمْيَالاً، وَنَحْنُ نَعُودُ إِلَى النُّقْطَةِ نَفْسِهَا: نُقْطَةُ الْغَلَبَةِ وَالْمَهَانَةِ، الْفَخْرِ وَالسُّقُوطِ.
وَهَا نَحْنُ نُشَاهِدُ الْمَلْحَمَةَ تَتَكَرَّرُ بِدِيكُورٍ مُعَاصِرٍ: بَدَلَ زِفَّةِ الأَسَى الأَنْدَلُسِيَّةِ، خُطْبَةٌ إِعْلامِيَّةٌ عَنْ “تَحْرِيرِ الشُّعُوبِ”. وَبَدَلَ سجَنِ أَغْمَاتَ التَّقْلِيدِيِّ، سِجْنٌ إِعْصَارِيٌّ مِنَ الْعُزْلَةِ وَالْعُقُوبَاتِ. وَتَنْتَهِي الحَلْقَةُ كَمَا ابْتَدَأتْ: بِصَمْتِ الأَقْوَاسِ الْعَالِيَةِ، وَبِصَرْخَةِ الْمَظْلُومِ الْخَافِتَةِ الَّتِي تَذُوبُ فِي ضَجِيجِ الْعَالَمِ الْكَبير.
فَإِذَا كَانَ لِلْمَصِيرِ هَذَا الإِخْرَاجُ الْمُتَكَرِّرُ، فَمَتَى نَسْتَيْقِظُ مِنْ هَذِهِ اللَّعْبَةِ الأَبَدِيَّة؟ مَتَى نُغَيِّرُ النَّصَّ، لا الأَقْنِعَةَ فَقَطْ؟ لَعَلَّ الْجَوَابَ يَحْتَجِزُهُ الْغَدُ الْبَعِيدُ، بَعِيداً عَنْ أَصْوَاتِ السَّلاسِلِ الَّتِي مَا انْفَكَّتْ تُرَنُّ فِي مَسَامِعِ الزَّمَنِ، تَرْنِيمَةَ الْوَحْشِيَّةِ الإِنْسَانِيَّةِ الأَبَدِيَّة.






