- مصطفى قشنني
المغرب ليس مجرد وطن، بل هو قصيدة كتبتها قرون من المجد، بيتًا بيتًا، وسطرًا سطرًا، بمداد من التضحيات والبطولات. هو مملكة لا تُقاس بالمساحة، بل تُقاس بعمق الجذور، وبامتداد الظلال التي أرختها على صفحات التاريخ. اثنا عشر قرنًا من التراكم الحضاري، من التفاعل مع الزمن، من الانتصار على المحن، جعلت من المغرب صخرة لا تنكسر، مهما اشتدت عليها أمواج العابرين والمتربصين.
في كل مرحلة من مراحل التاريخ، كان المغرب يخرج من رحم الأزمة أكثر قوة، أكثر نضجًا، وأكثر إشراقًا. حين اجتاح ما سُمي بالربيع العربي أرض العرب كإعصار لا يعرف الرحمة، كان المغرب كمن يمشي على حبل مشدود فوق هاوية، لكنه لم يسقط. لم يكن ذلك صدفة، بل كان ثمرة وعي جماعي، وحكمة قيادة، وخصوصية مغربية عصية على الاستنساخ. حاولوا أن يزرعوا الفوضى باسم الحرية، أن يزرعوا الانقسام باسم الديمقراطية، أن يزرعوا الشك باسم الإصلاح، لكن المغرب ظل واقفًا، كالنخلة التي لا تنكسر مهما عصفت بها الرياح.
، واليوم، يطل علينا جيل جديد، جيل لا يحمل رايات الأيديولوجيا، ولا يردد شعارات الماضي، بل يخرج كالموج الهادر، يطالب بالكرامة، بالشغل، بإصلاح التعليم، بالعناية بالصحة، بالقضاء على الفساد. مطالب لا يختلف في عدالتها اثنان، ولا يتناطح في مشروعيتها عنزتان، لأنها مطالب الحياة، مطالب الأمل، مطالب المستقبل. هذا الجيل لا يطلب المستحيل، بل يطلب الممكن الذي تأخر، يطلب الإصلاح الذي تعثر، يطلب الإنصات الذي غاب.
إنه جيل يعيش في واقع افتراضي، يتشرب نماذج النجاح من كل بقاع الأرض، يرى شبابًا في دول أخرى يعيشون في راحة وطمأنينة، بينما هو يواجه جدرانًا من اليأس، حواجز من الإحباط، عراقيل من التشاؤم. إنه جيل هش في واقعه، لكنه قوي في أحلامه، جيل يريد أن يطير، لكن جناحيه مثقلان بالانتظار. حين يصطدم هذا الجيل بالجدار، لا يجب أن نلومه على الصراخ، بل يجب أن نسأل أنفسنا: لماذا بنينا الجدار؟ حين يصرخ، لا يجب أن نكمم فمه، بل يجب أن نفتح له الأبواب. لأن كرة الثلج، إن تُركت تتدحرج، ستكبر، وستتحول إلى انهيار لا يمكن كبحه، لا قدر الله.
وقد عبرت الحكومة، على لسان ناطقها، عن استعدادها للحوار، اعترافًا بأن هناك تعثرًا، وإقرارًا بأن الطريق ليس مفروشًا بالورود. وهذا في حد ذاته مؤشر على وجود إرادة، على أن الأبواب لم تُغلق، وأن النوافذ لم تُحكم بالإسمنت. لكن الاحتجاج، مهما كانت شرعيته، لا يجب أن يتحول إلى فوضى، لا يجب أن يُستغل ليصبح مطية للعنف والتخريب، لأن المغرب له أعداؤه، وله خصومه، وله من يتربصون به من وراء البحار، ينتظرون لحظة الانقضاض كذئاب جائعة، لا يجب أن نمنحهم تلك اللحظة على طبق من ذهب.
إن الوطن ليس مجرد تراب، بل هو ذاكرة، وهو حلم، وهو انتماء. والمغاربة، على اختلاف أجيالهم، يحملون في قلوبهم حبًا لهذا الوطن لا يُقاس، لكن الحب وحده لا يكفي، بل يجب أن يُترجم إلى فعل، إلى إصغاء، إلى احتضان. المطلوب اليوم من السلطات، من الفاعلين الحقيقيين، أن ينزلوا من أبراجهم، أن يلامسوا الأرض، أن يسمعوا نبض الشارع، أن يفهموا لغة الشباب، لا أن يكتفوا بالتقارير الجافة، أو بالإحصائيات الباردة.
الشباب المغربي اليوم لا يريد أن يكون رقمًا في معادلة، بل يريد أن يكون فاعلًا، يريد أن يكون شريكًا، يريد أن يكون صانعًا للمستقبل. إنه جيل لا يخاف من الحلم، لكنه يخاف من أن يُحرم من تحقيقه. جيل لا يخاف من التعب، لكنه يخاف من أن يُحرم من ثماره. جيل لا يخاف من المواجهة، لكنه يخاف من أن يُواجه بالجدار.
إن المغرب، بتاريخِه العريق، لا يمكن أن يُهزم من الداخل، إلا إذا تجاهل نبض أبنائه. لا يمكن أن يُكسر، إلا إذا كسر أحلام شبابه. لا يمكن أن يُسقط، إلا إذا سقطت الثقة بينه وبين من يحملون رايته في الغد. لذلك، فإن الإنصات اليوم ليس ترفًا، بل ضرورة. والحوار ليس خيارًا، بل واجب. والإصلاح ليس وعدًا، بل التزام.
فلنكن في مستوى اللحظة، في مستوى التحدي، في مستوى الوطن. لأن المغرب، كما كان دائمًا، لا يُقهر، لا يُكسر، لا يُهزم. فقط يحتاج إلى أن يؤمن بأبنائه، أن يراهم لا كخطر، بل كفرصة. أن يعانقهم لا كخصوم، بل كحلفاء. لأنهم، في النهاية، هم من سيكتبون الفصل القادم من قصة هذا الوطن العريق.
المغرب اليوم ليس في أزمة وجود، بل في لحظة تحول. إما أن يحتضن هذا التحول، ويقوده بحكمة، أو أن يتركه ينفلت من بين يديه. إما أن يرى في الشباب طاقة، أو أن يراهم عبئًا. إما أن يبني معهم الجسر، أو أن يتركهم على الضفة الأخرى، ينتظرون قاربًا لا يأتي.








