- عبد السلام انويكًة
ما تراكم من استكشاف وحفريات وتقارير تهم المغرب الأثري منذ أواخر القرن التاسع عشر، يظهر منه أنه بقدر أهميته وقيمته العلمية ومساحة تنويره وكذا مرجعيته وفائدته لدى باحثين مهتمين لمزيد من سؤال وعمق واضافة، بقدر ما يتبين من حيث نوع رصيده أن المجال لا زال بجدل فهم مقيد بتأويلات تخص هذا وذاك من موقع أثري ومعلومة ونتائج، فضلا عن استعداد ثقافي ونفسي لدى باحثين للقول بأشياء عن محصل وكأنها أمر لا يرقى اليه الشك وأنه بلغ مداه ومنتهاه. ومن ثمة ما يتبين حول كون عمل التنقيب بات ليس بحثا عن حقيقة وبلوغ ما ينبغي من تدقيق، بل سير لا غير على درب نتائج سابقين من باحثين أجانب وما ورد في تقاريرهم. ومن هنا ما يطرح حول ما يطبع عمل البحث الأثري في مغرب زمن الحماية، من خلاف يخص مفاهيم وتحقيب وتوطين .. عن العصر القديم، من قبيل ما ورد حول الحضارة الابيروموريسية؟ وما هناك من تسرع كتابة حولها وقول بها، تلك التي نظر اليها على أنها ذات أصول ابيرية في تجاهل لِما هو محلي ثقافي، في وقت يرى آخرون عن الشأن أنها الحضارة المويلحية؟ نسبة لموقعها الأصل واد مويلح بالجزائر.
وبما أن الاستعمار ومنه الفرنسي/ الاسباني الذي شمل المغرب خلال القرن الماضي، هو بمثابة ورش عسكري واقتصادي تم اعتماد واستثمار كل شيء لإنجاحه بما في ذاك الماضي والتاريخ، عبر عدد من العلوم منها الأركيولوجيا التي لم تكن بمعزل عما هو اديولوجي استراتيجي للاحتلال. علما أن مما تقوم عليه الاركيولوجيا هناك الأثر الميداني، فضلا عن عنصر رواية وما تسمح به من تفسير حول المواقع. وبالتالي السؤال حول كيف فسر الأركيولوجيون الاستعماريون الفرنسيون ما تناولوه من مواقع هنا وهناك بالمغرب، وكيف ساهم تحليلهم في نقل مجال دراساتهم من مستوى حضاري لآخر (من العربي الإسلامي الى اللاتيني المسيحي ..)، لدرجة جعل اللاتينية هي الأصل والماضي مع تقديمها كتعريف لأمكنة عدة، ومن هنا ما لوحظ من قبل باحثين مهتمين حول كون الاركيولوجيا الكولونيالية، ليست فقط حقلا علميا يروم معرفة الماضي عبر مواقع أثرية وأدوات، انما أيضا حقلا هاما لخلق ما سمي ب”افريقيا اللاتينية”. ولهذا ما هناك من اعمال بحثية أثرية فرنسية توجهت بعنايتها للمغرب، فراكمت ما راكمت حول الماضي الروماني بالمنطقة، من معلومة غير خاف ما طبعها من بعد استعماري استهدف النظر ِما وقع (الاستعمار) كأنه أمر طبيعي.
يذكر بعد هذا وذاك من اشارة حول الاركيولوجيا في مشروع فرنسا الاستعماري، أن أول ما أقدمت عليه الاقامة العامة (ليوطي) إحداث مصلحة للفنون والآثار، أنيطت بها مهمة تنقيب وبحث اركيولوجي هنا وهناك من البلاد، وقد ظهر جليا ما سوقته عبر تقاريرها من إحياء لأمجاد الرومان بها في علاقة مكشوفة بما هو استعماري. ولعل من الاشارات ذات الطبيعة الأثرية التي وردت حول تازة، ما جاء به مستكشفون منذ القرن التاسع عشر من قبيل “شارل دوفوكو”، علما أن التنقيبات بها لم تظهر الا بعد فرض الحماية واحتلال المدينة 1914، وقد حضي أثر مغرب ما قبل التاريخ بها باهتمام خاص عبر أعمال الملازم عن مصلحة الشؤون الأهلية الفرنسية بالمغرب “جوزيف كومباردو”. وهنا السؤال حول أساس وسر توجه هذا الأخير لزمن المدينة القديم، وإي إلمام ومعرفة له بعلم الاركيولوجيا فضلا عن نهج علمي، وماذا عن دقة ما انفتح عليه من حفريات أثرية، نشر نتائجها ب”مجلة الجغرافيا والاركيولوجيا لوهران” (الجزائر) وفي أيضا “لجنة الدراسات البربرية” بالرباط. خاصة ما جاء به من معطيات حول “كيفان بلغماري” وعظام وحيش متنوع عثر عليها بنفس الموقع. ويسجل أنه بقدر ما كان بسبق ونتائج اثرية عن زمن تازة القديم وهو ما يحسب له، بقدر ما يطرح حول ما هو علمي ونهج شاف بعد أزيد من مائة سنة عن تقارير دراسته، فضلا عن سؤال رأي الأركيولوجين المغاربة بعيون بحثية تكوينية مؤسساتية، خاصة فيما يتعلق بما جاء من حديث له عن الحضارة الابيروموريسية في ارتباط بموقع “كيفان بلغماري؟، وبمدافن بشرية بتازة ورد أنها تعود لفترة ما قبل التاريخ، دون نسيان أن ما جاء عن”كومباردو” من معطيات انبنت وتأسست وتفرعت عنها اعمال اركيولوجية فرنسية عدة لاحقة زمن الحماية ؟
يبقى مما يشغل بال مهتمين بتاريخ وتراث تازة من السؤال، اين المدينة من انتاج البحث الأثري في مغرب ما بعد الاستقلال؟، واية حقيقة وقيمة علمية وتقييم وتقويم لِما حصل من تنقيب وتقرير اركيولوجي عنها زمن الحماية؟، وماذا عن هوية وجديد المحلي من حفريات بلغة وطن؟ واية نتائج بحث اركيولوجي كان بما كان من توجيه وتهافت نشر؟، تلك الذي لا تزال مصدر ما يتم تدويره بين باحثين وقراء حتى الآن ؟، ولِما لا لقاءً وندوة يتناظر فيها اركيولوجيون مغاربة بما يفيد حول رصيد دراسات ونتائج عن زمن حماية وفترة استقلال من باب مراجعة ما كتب عن هذا وذاك من موقع، علما أن البحث العلمي وتقدمه رهين بتراكم جهود ونصوص، انما ايضا بما ينبغي من تأمل وسؤال عن منجز تثمينا وتنبيها من اجل أفق أكثر تبصرا ونهجا. وكان عبد الله العروي قد لفت ذات يوم، الى أن من كتب تاريخ المغرب هواة دون تأهيل وعسكريون تظاهروا بثقافة وجغرافيين بأفكار براقة ومؤرخين بلا تكوين لغوي ثم أركيولوجيين دون تأهيل تاريخي. مشيرا الى أن من هؤلاء من كان يحيل على ذاك، ومن ثمة حبك خيوط دون موضوعية فيما عملوا على فرضه رغم أنه مجرد فرضيات. ثم ختاما بمختصر مفيد من اجل ما ينبغي من نقاش، أين اهل الاختصاص عن “المعهد الوطني لعلوم الآثار” الذي رأى النور قبل أزيد من أربعة عقود من الزمن، المؤسسة التي تازة بحاجة لإلتفات بحثي مجهري منها تدقيقا لِما جاء عن الكولونيالي، وانفتاحا منها واغناء وابرازا لِما تزخر به المدينة وجوارها من مواقع بحاجة لجدل أثري علمي وطني.








