في وجدة، المدينة التي لطالما تغنّى بها التاريخ والحدود، تغيب اليوم الكرامة الحضَرية وسط مشاهد تُشبه أفلام البؤس والحرمان.
فوسائل النقل الحضري لم تعد تُسمّى كذلك… بل تحوّلت إلى هياكل صدئة ومُتهالكة ، بالكاد تسير، بالكاد تتنفّس، بالكاد تُقِلّ من بداخلها. بعض الحافلات لم تعد سوى *حديدٌ يائسٌ يمشي على أربع عجلات* ، تُطلق صريرًا كلما تحرّكت، كأنها تستغيث بأن يُنهيها أحد. المقاعد ممزقة، النوافذ بلا زجاج، المحركات تئنّ أكثر مما تعمل… بينما يُنقل المواطنون كما تُنقل البضائع: بلا سؤالٍ ولا احترام.
التريبورتور والهوندا باتا “الحل البديل”، أو بالأحرى البديل القسري ، الذي يُكدّس فيه المواطنون كما تُكدّس الخرفان في يوم سوقٍ شعبي. وجوهٌ متعبة، أجسادٌ مُزاحمة، وطرقاتٌ لا ترحم، في مشهدٍ يُلخّص كيف تُهان الحاجة حين يغيب الضمير.
لكن المدهش، والمحبط أكثر، هو الغياب المريع للمحاسبة السياسية. فالمسؤولون المحليون لا يتحرّكون، لا يُصرّحون، لا يُخطّطون. كل ما يهمهم أن ينجح “مهرجان الراي” التافه -رغم فشله- ، أن تُضيء الخشبات وتُصفّق الجماهير، حتى لو كانت تلك الجماهير لا تجد مقعدًا آمنًا في حافلة، أو ظلًا إنسانيًا في وسيلة نقل تُعاملهم كحِملٍ زائد.
وجدة اليوم ليست بحاجة إلى مهرجانات، بل إلى إعادة تعريف علاقتها بمواطنيها. لا توجد مدينة في العالم تُقاس بعدد الفنانين الذين زاروا مسارحها، بل تُقاس بما توفّره لسكانها من كرامةٍ يومية في أبسط تفاصيل العيش… ومن بينها وسيلة تنقل.
وما يحدث اليوم ليس فقط إهمالًا، بل هو نوعٌ من “الاحتقار المؤسساتي الصامت”. كأنّ من بيدهم القرار لا يرون، أو لا يريدون أن يروا. هل عميت البصيرة إلى درجة القبول بمشهد “الهوندات المُكتظة” كبديل للحافلة؟ هل صارت الكراسي الرسمية أكثر راحةً من كراسي النقل العام؟
هذا الواقع يُطالب بما هو أكثر من الإصلاح… يطالب بالضمير. بالحضور السياسي الصادق، بخطةٍ تُعيد للناس شعورهم بأنهم بشر… قبل كل شيء.








