- مصطفى قشنني
ثمة لحظة مفصلية في حياة الأمم والشعوب تتعرى فيها الحقائق من دون أن ينزع أحد عنها ثوبها، لا لأن الحقيقة انتصرت، بل لأن المتخاصمين لم يجدوا مندوحة عن نطقها، وهم الذين أخفوها سنين طوالاً، لا خوفًا من بطش قانون أو سلطان، بل حفاظًا على نصيبهم من الكعكة و الغنيمة. وحين يشتد الصراع على الكرسي، وتتّقد نار المنافسة على المقعد، وتتحول كل جلسة حكومية إلى ساحة مبارزة، وكل مؤتمر صحافي إلى منصة تبليغ ضد الخصم، يفقد الصمت وظيفته، ويصبح الكلام سلاحًا يفتك به الشريك شريكه، لا دفاعًا عن المال العام، بل دفاعًا عن موقع في الخريطة الجديدة التي سترسم بعد الصناديق. إن هذا المشهد لا يحتاج إلى أسماء ولا إلى وقائع ولا إلى لوائح اتهام، لأن جوهره أعمق من التفاصيل: إنه قانون اللحظة الانتخابية، حيث يصبح الصمت خيانة، والكلام فضيلة، والاثنان في خدمة غاية واحدة هي المقعد.
نتساءل ببراءة الطفل الذي يرى لأول مرة لعبة الخداع: من أين تأتي هذه الجرأة المتأخرة؟ من أين ينبع هذا الطوفان من التهم المتبادلة، وكيف شرب هؤلاء حليب السباع وبدأوا يتراشقون “ويشيّرون” بهذه الأرقام المليارية الفلكية التي تتناثر في الهواء كأنها أوراق أشجار تذروها نسائم خريفية؟ لقد جلس هؤلاء جميعًا إلى الطاولة نفسها، وتقاسمون الخبز ذاته، واستمعوا إلى التقارير ذاتها، وصادقوا على القرارات ذاتها، ورفعوا الأيدي ذاتها، وباركوا المشاريع ذاتها، ووقفوا دقيقة صمت على الميزانية ذاتها، ثم مرت السنوات، وهم صامتون، لا متهمون ولا متهمون بالصمت، بل شركاء في هندسة الاستنكاف: يعلمون ولا ينطقون، ويرون ولا يحركون ساكنًا، ويشاهدون المال العمومي يتسرب من بين فروج الأصابع، ثم يواصلون الجلسة إلى بند آخر. فالصمت الجماعي على مدى سنوات حكم واحد ليس غباءً ولا غفلة، إنه ترتيب. إنه اتفاق ضمني على ألا يفكك أحد التحالف إلا في اللحظة التي يصبح فيها التفكيك مربحًا انتخابيًا. والساكت عن الجرم شريك فيه بلغة القانون – كما نعلم -، لا شاهد عليه. والذين صمتوا سنوات لا يمكنهم أن يتحولوا بين ليلة وضحاها إلى كهنة الحقيقة، إلا إذا كانت الحقيقة أيضًا محطة انتخابية.
والحقيقة أن كل من صمت أمس هو إما مشارك في الجرم المشهود أو مستفيد من السكوت، والفرق بين الاثنين فرق في الدرجة لا في النوع. وليس أفظع من مشهد تتحول فيه المعرفة بالمليارات إلى رصيد رمي متأخر، فيقذف بها الخصم في وجه خصمه، لا ليطهر المال العام، بل ليزرع في ذهن الناخب أن الشريك السابق هو اللص، وأن الشريك الحالي هو النزيه، في حين أن اليدين معًا ملطختان بالفساد، حيث لم تتورعا عن المصافحة على الأمر ذاته حين كان “سيدي قاسم” والنصيب مضمونين. وهكذا يصبح الفساد مسألة قابلة للتوظيف: يكبُر في وقت ويصغُر في وقت، ويظهر في يوم ويختفي في آخر، لا حسب ما تقتضيه أخلاق المسؤولية، بل حسب ما تقتضيه هندسة المصالح الانتخابية.
هنا يظهر الدرس الأكبر: أن الصراع المحموم على الكرسي لا يفضح المفسدين، بل يفضح بنية الصمت التي حكمت سنوات كاملة. فالمشكلة ليست في أن أحدًا ما نهب، بل في أن الجميع كان يعلم، والجميع كان ساكتًا، والجميع كان حاضرًا في الصورة الرسمية بأيادٍ مرفوعة وابتسامات عريضة. ومن يعترض اليوم على ما صمت عليه أمس، هو شاهد على نفسه قبل أن يكون شاهدًا على غيره. فلا الفساد جاء الآن، ولا الساكتون صاروا صرحاء لسبب أخلاقي، بل لأن الانتخابات أعادت توزيع الأدوار: من كان في موقع المسؤولية أصبح في موقع الاتهام، ومن كان في موقع الشراكة أصبح في موقع البراءة، وكل ذلك في مسرحية واحدة يتبادل فيها الممثلون الأدوار حسب مقتضى الفصل.
إن المليارات المنهوبة التي تتناثر في خطابات هذه الأيام ليست إلا انعكاسًا لضخامة ما كان مخفيًا، ولعمق ما كان مستورًا، ولثقل ما ظل مكنونًا في صدور من اختاروا أن يحفظوه لا أن يبلغوه. وكل رقم يُذكَر اليوم بكثير من الجرأة كان بالأمس معلومًا بكثير من الصمت، فكيف يمكن أن يكون العارف بالجرم بريئًا منه؟ وكيف يمكن أن يكون من عاش داخل الغرفة من خارجها؟ وكيف يمكن أن يكون من وقّع على الرضى شاهدًا ؟ إن الصمت المُطوّل هو أكبر جريمة موازية للفساد نفسه، لأنه يمنحه الوقت ليكبر ويتضخم ويتكرّش ويتحول من خطأ إلى منظومة.
ومع ذلك، لا يهمنا كثيرًا أن نعدّ الاتهامات ولا أن نتباكى على الصراع، بقدر ما يهمنا أن نستخرج من هذه الفوضى دروسًا في التشريح السياسي: أن الفساد لا يظهر إلا حين ينقسم الفاسدون، وأن الحقيقة لا تُقال إلا حين يصبح قولها مربحًا، وأن المحاسبة لا تُطلب إلا حين تكون سلاحًا في معركة لا في مسار. وأن الانتخابات التي يتقاتل فيها الجميع لا تُظهر النوايا الحسنة، بل تُظهر العورات؛ لا تُظهر من يريد خدمة الناس، بل من يريد ضمان المقعد. فالكرسي غاية لا وسيلة، والمليار موضوع نقاش مفتوح لا قضية محسومة، والفساد مشروع يتقاسمه الشركاء، ثم يصبح -حين تدق ساعة الحساب- مسؤولية هذا وحده دون ذاك، وذنب هذا وحده دون الآخر.
إن ما يحدث اليوم ليس صراعًا بين خير وشر، ولا بين نظيف وفاسد، بل صراع بين من يريد أن يستمر في النهب باسم الشرعية الانتخابية، ومن يريد أن يسترد النهب باسم المحاسبة الانتخابية. أما الشعب، فإنه يقف في الصف طويلاً، بين من اتهمه بالأمس ومن يتهمه اليوم، لا فرق بينهما إلا في توقيت الكلام، في حين أن الأموال العمومية التي تشكلت منها هذه الأرقام تمضي إلى غير رجعة، والمشاريع الوهمية تحلّ مكانها مشاريع وهمية أخرى، والأبرياء يسقطون في الفقر و أحلام المدارس والمستشفيات والشغل والعيش الكريم (…) تتهاوى في القيعان السحيقة…
والسؤال الأهم ليس من سرق، بل من صمت. فالجرم الأول ليس في أخذ المال، بل في القدرة على النوم سنوات كاملة فوق مال مسروق دون سؤال. والجرم الثاني هو أن يحوّل الصمت إلى براءة، وأن يصبح الندم المتأخر فضيلة انتخابية. والجرم الثالث هو أن يقف الشعب أمام مشهد كهذا فيُطلب منه أن يختار بين ساكت أمس ومتكلم اليوم، وكأن الاختيار في الحقيقة بين جلاد أمس وجلاد اليوم، أو كما قال المثل الذي يجمع حكمة الأجداد: حين يتخاصم اللصوص يظهر حجم المسروق. والتاريخ لن يسأل من صرخ بصوت مرتفع، بل سيسأل من صمت أطول، لأن الصمت الطويل هو الخزينة التي حفظت الجريمة سنوات، وما كانت الجريمة لتعيش لولا جدران الصمت التي حصنتها.إننا اليوم بحاجة إلى وعي سياسي أعمق: أن الفساد لا يسقط بالاتهام المتأخر، بل يسقط بالمحاسبة المستقلة التي لا تُختزل في المحطات الانتخابية. وأن الصراع على الكراسي ليس بديلاً عن بناء المؤسسات، وأن تراشق المليارات لا يغني عن قضاء يحقق ويرتب الجزاءات ، وأن الشعب الذي يرى كل هذا مطالب بأن يحوّل صمته إلى صوت، وأن يجعل الانتخابات المقبلة ليست مسرحًا لتوزيع التهم، بل لحظة محاسبة حقيقية. فلا قيمة لاتهام أمس، ولا لسكوت اليوم، ولا لندم الغد، ما لم يتحول الجميع إلى موقف واحد: أن الصمت على الفساد جريمة، وأن الشريك في السكوت شريك في الجرم، وأن من صمت سنوات على المليارات لا يحق له أن يبكي عليها اليوم في المهرجانات. هذا هو الدرس الذي يجب أن يبقى في الذاكرة حين تنقضي هذه الحملة، وتضع الحرب على الكراسي أوزارها، ويعود الجميع إلى الجلوس معًا في طاولة واحدة، لا شيء يجمعهم إلا صمت جديد، ينتظرون فيه أن تعود انتخابات أخرى ليقولوا فيه ما صمتوا عنه سنوات، ويصمتوا عمّا سيقولونه بعدها، في حلقة مفرغة من الكلام والصمت، يدفع ثمنها شعب لا ينطق ولا يصمت، لكنه على الأقل يرى. وحده الشعب يرى.








