في شاطئ رأس الماء بإقليم الناظور، حيث الشمس تسطع على الرمال الذهبية وتغمر البحر بأحلام المصطافين، قررت الجهات المعنية أن تضيف لمسة “حضارية” على المشهد: مراحيض عمومية.
فرح الزوار، هلّل الأطفال، تنفّس الآباء الصعداء، أخيرًا… لن نضطر إلى البحث عن خلاء خلف الصخور أو استعارة مرحاض مقهى مقابل قهوة لا تُشرب.
لكن الفرحة لم تكتمل.
المراحيض، تلك البنايات الصغيرة التي وُلدت لتخدم، قررت أن تعيش حياة النخبة: لا تُفتح إلا في المناسبات، ولا تُعطّر إلا حين يزور المنطقة مسؤولٌ ما، غالبًا بربطة عنق ونظرة استعلاء.
تُفتح الأبواب، تُلمّع الأرضيات، تُرشّ العطور، وتُغلق بعد دقائق… وكأنها كانت حلمًا جماعيًا، لا حقًا عامًا.
أحد المصطافين قال ساخرًا: “هذه مراحيض VIP، لا تُستخدم إلا من طرف الكاميرات.”
آخر أضاف: “ربما تحتاج إلى تصريح إداري لقضاء حاجتك، أو أن تكون من علية القوم.”
في ظل هذا العبث، يُجبر الزوار على التنقل بين المقاهي، أو التسلل إلى الطبيعة كأنهم يرتكبون جريمة.
الكرامة تُعلّق على باب المرحاض المغلق، والخدمة العمومية تُختزل في صورة تُنشر على صفحة جماعة محلية، مرفقة بعبارة: “تم تجهيز المرافق.”
لكن الحقيقة؟
المرافق مجهّزة للعرض، لا للاستخدام.
للتصوير، لا للتنظيف.
لإرضاء المسؤول، لا المواطن.
في بلدٍ يُقال إنه يسعى للسياحة المستدامة، يبدو أن الاستدامة الوحيدة هي في الاستهتار.
والمراحيض؟
مجرد نصبٍ تذكاري للوعود الفارغة، والكرامة المؤجلة.








