رصاص الذاكرة: كيف تحوّلت وادي الحيمر من مسابك إلى مزبلة التاريخ..

admin
2025-09-13T00:56:58+02:00
متابعات
admin13 سبتمبر 2025آخر تحديث : منذ 6 أشهر
رصاص الذاكرة: كيف تحوّلت وادي الحيمر من مسابك إلى مزبلة التاريخ..
  • رسبريس

وادي الحيمر، تلك القرية التي كانت يومًا ما ترفل في وهج الصناعة وتتنفس من رئة الرصاص، تحولت اليوم إلى شبح يتجول في ذاكرة من تبقى فيها. كانت المسابك، مسابك زليجة للرصاص، هي القلب النابض، المصنع الذي لا ينام، حيث كان العمال يأتون من كل صوب، حتى من أوروبا، ليصهروا المعدن ويصنعوا الحياة. كانت القرية تضج بالحركة، بالضجيج الجميل، بالروائح المعدنية التي كانت تعني شيئًا آنذاك: لقمة عيش، كرامة، مستقبل. أما اليوم، فكل ما تبقى هو الصمت، صمت كثيف كأن الزمن نفسه قرر أن ينسحب من المكان.

منذ 1945، بدأت الحكاية. حكاية قرية صنعت نفسها من رحم الصناعة، لا من رحم الطبيعة. لم تكن وادي الحيمر قرية زراعية ولا سياحية، بل كانت قرية عمالية مثل جرادة المدينة الفحمية، قرية لها علاقة حميمة مع الرصاص، مع النار، مع العرق. شركة SFPZ كانت أكثر من مجرد معمل، كانت مؤسسة اجتماعية، كانت الدولة المصغرة التي تنظّم الحياة وتمنحها معنى. لكن كما يقولون، دوام الحال من المحال، والمحال هنا لم يكن مجرد تدهور اقتصادي، بل انهيار أخلاقي في تدبير ما تبقى من ذاكرة.

بدأ التسريح، ثم التهميش، ثم النسيان. العمال غادروا، المهندسون اختفوا، الأطر الإدارية تبخرت، وبقيت الأسر تتنفس الفقر وتقتات على الذكرى. في زمن تُرفع فيه شعارات التنمية البشرية والعدالة الاجتماعية، تعيش وادي الحيمر أقصى درجات الإقصاء، كأنها خارج الخريطة، خارج الزمن، خارج الاهتمام. الجماعة الترابية التي أُلحقت بها، تيولي، لم تكن سوى قيد إداري جديد، قيد يربط الفقر بالمذقع، ويمنح التهميش صفة رسمية.

كان من الممكن أن تُحفظ المسابك كمعلمة، كذاكرة، كأثر يدل على أن الإنسان مرّ من هنا، عمل هنا، عاش هنا. لكن من يدبّر أمر هذه القرية التاريخية يبدو أنه لا يرى في الذاكرة سوى خردة قابلة للبيع. فتم الهدم، وتم البيع، وتمت المجزرة. لا أحد يعرف من قرر، ولا أحد سأل من وافق، فقط اختفى كل شيء، وتحولت المعلمة الصناعية إلى قاع صفصاف، لا عوج فيه ولا أمتى، كما لو أن المكان لم يكن يومًا حيًا.

الصور التي توثق ما قبل وما بعد لا تحتاج إلى تعليق. هي شهادة بصرية على ما يمكن أن يفعله الإهمال حين يتحالف مع العبث. من كان يظن أن قرية كانت تضج بالحياة ستتحول إلى نقطة رمادية على هامش الخرائط؟ من كان يعتقد أن مصنعًا كان يحتضن المئات سيُختزل إلى حفنة من المتلاشيات؟ من كان يتخيل أن من صنعوا الرصاص سيُصهرون هم أنفسهم في بوتقة النسيان؟

إنه العبث، العبث في أقسى تجلياته. عبث لا يضحك، بل يوجع. عبث لا يُروى، بل يُلعن. وادي الحيمر ليست مجرد قرية، إنها قصة عن كيف يُمكن أن تُمحى الذاكرة الجماعية بقرار إداري، عن كيف يُمكن أن يُباع التاريخ بالكيلو، عن كيف يُمكن أن يتحول الإنسان إلى هامش لأن من يدير شأنه لا يرى فيه سوى رقم زائد. انتهى الكلام، لكن الوجع لم ينتهِ. والرصاص، الذي كان يومًا رمزًا للحياة، صار الآن مجرد صدأ على أطلال منسية.

 الحيمر2 - رسبريس - Respress
واد الحيمر بعد الهدم والتخريب الذي مس الذاكرة

للموضوع بقية ..

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.