- رسبريس
كان الإحسان فيما مضى أشبه بعملية جراحية دقيقة تُجرى بصمت، اليد اليسرى لا تعلم ما تنفقه اليمنى، كان كمن يدفع صدقته في جيب الفقير خفية ثم يعدو هارباً كأنه لص، لا يريد من الناس جزاءً ولا شكوراً ولا حتى “لايك” على فيسبوك. كان بين العبد وخالقه، لا رياء فيه ولا مداراة ولا كاميرات تصور لحظة التبرع من زاوية درامية مؤثرة. كان أبيض ناصعاً كالفطرة.
أما اليوم فقد ابتلينا بموجة عاتية من “نيو محسنين”، سلالة جديدة من البشر لا تضع يدها في جيبها إلا إذا كانت اليد الأخرى تمسك بهاتف لتصوير المشهد. إنهم لا يتصدقون بل “يستثمرون” في الإحسان، يتقربون به إلى السلطة لا إلى الله، يدفعون بيمينهم ليأخذون بشمالهم أضعافاً مضاعفة. يدفعون الفُتات ليجنوا المليارات تحت الطاولة. يدخلون من باب الصدقة ليخرجوا من باب الصفقات العمومية وهم يحملون رخصاً استثنائية ومشاريع معبدة بالسرعة القصوى دون عراقيل. إنها هندسة عكسية بامتياز: تصدق تنعم.. بل تصدق لتنعم بأكثر مما تصدقت به “الصدقة بعشر أمثالها من الرخص والصفقات، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون؟.
ثم ابتلينا أيضاً بمرضى النفوس الذين لا ينظرون إلى مدينة تنزف فقراً وبطالة وهشاشة وهجرة جماعية نحو الشمال والغرب، فلا يرون فيها إلا فرصة للحديث عن “المشاريع الإحسانية” وكأن المدينة تحتاج إلى مبادرات “المنهشين العقاريين” و “ما فيا المال المشبوه” لتتنفس، لا إلى مشاريع استراتيجية كبرى تخلق فرص عمل حقيقية. يمولون روضة أطفال هنا أو بئر ماء هناك ثم يملؤون الدنيا زعيقا وصخبا وضجيجاً وإعلانات، يتصورون أنهم عمود التنمية الفقري، متناسين أن المدينة التي صارت مضرب المثل في التهميش تحتاج إلى رؤية، لا إلى صدقة، تحتاج إلى كرامة، لا إلى فتات موسمي يوزع في المناسبات.
أين المشاريع الكبرى؟ أين الرؤية التي تنتشل الناس من البطالة قبل أن تنتشلهم من الجوع؟ إن الفقير لا يريد أن يبقى فقيراً يتلقى الصدقات حتى آخر العمر، بل يريد عملاً يعيش به كريماً. لكن مشكلة “نيو محسنين” أنهم لا يريدون للفقير أن يستغني عن صدقتهم، وإلا كيف سيبررون مشاريعهم الإحسانية أمام السلطة؟ كيف سيحصلون على صفقات من تحت الطاولة إذا أصبح الناس يعملون وينتجون وتنهض المدينة بمشاريعها الاستراتيجية لا بصدقاتهم؟ هم يريدون الفقر مستمراً، متجدداً، حتى يبقى دورهم في “إنقاذه” مستمراً أيضا ولله في خلقه شؤونً؟؟..








