- رسبريس
في الآونة الأخيرة، أثار فيديو لسيدة تدّعي تعرض والدها لظلم مقاول وأحكام قضائية، موجة من الجدل، ليس فقط بسبب محتواه (الفيديو)، بل لما حمله من اتهامات خطيرة تمسّ سلطة القضاء وهيبته. السيدة، التي ظهرت بنبرة جريئة، لم توضح طبيعة الظلم الذي تدّعيه، بل اكتفت بإطلاق اتهامات عامة دون تقديم أدلة ملموسة، متجاهلة أن والدها كان محل متابعات قضائية متعددة، وأن الأحكام الصادرة بحقه مرت عبر مراحل دقيقة من التحقيق والتقاضي، شملت الشرطة القضائية والقضاء ابتدائيا واستئنافيا.
ما يثير القلق في هذا النوع من الخطاب ليس فقط غياب الحجة، بل طريقة الترويج التي تُحوّل المنصات الرقمية إلى ساحات محاكمة شعبية، حيث تُطلق الأحكام دون ضوابط، وتُشهر الاتهامات بلا سند قانوني. هذا السلوك، إن تُرك دون مساءلة، يهدد استقرار المؤسسات ويقوّض ثقة المواطنين في العدالة، ويُشرعن الفوضى بدل احترام المساطر القانونية.
القضاء، وإن لم يكن معصومًا، يظل مؤسسة قائمة على التدرج والمراجعة، ويمنح لكل متقاضٍ حق الطعن والاستئناف والنقض. ومن يرى نفسه مظلومًا هناك مؤسسات الوسيط والمجلس الوطني لحقوق الإنسان ووو، فله أن يسلك المسار القانوني والتظلمي، لا أن يلجأ إلى الكاميرا والمنصات الاجتماعية لترويج روايته. فالتعبير عن الرأي لا يعني المساس بالمؤسسات، والاحتجاج لا يبرر التشهير، خاصة حين يتعلق الأمر بجهاز حساس كالقضاء.
ردود الفعل على الفيديو كانت متباينة، بين من طالب بفتح تحقيق من طرف السيد الوكيل العام لذى استئنافية وجدة في ادعاءات السيدة، وهو مطلب مشروع إن كان الهدف منه التحقق من الوقائع، وبين من عبّر عن قلقه من خطورة هذا المسّ العلني بالقضاء، ومن تداعياته على صورة العدالة في أعين المواطنين. فالقضاء ليس فقط سلطة للفصل في النزاعات، بل هو ركيزة للثقة، وعمود من أعمدة الدولة الحديثة.
إن المطلوب اليوم ليس إسكات الأصوات، بل تنظيمها، وليس قمع التعبير، بل تأطيره ضمن حدود القانون. فاحترام القضاء لا يعني السكوت عن الخطأ، لكنه يقتضي التمييز بين النقد المسؤول والاتهام المجاني. وإذا أردنا أن نحمي مؤسساتنا من العبث، فعلينا أن نضع حدًا لهذا النوع من الخطاب الانفعالي، وأن نعيد الاعتبار للعدالة، لا أن نُحاكمها في مقاطع مصورة لا تملك من الحقيقة سوى الصوت المرتفع.








