- مصطفى قشنني
منذ أن اكتشف العالم رفاهية “التنديد”، لم يعد بحاجة إلى فعل أي شيء آخر. يكفي أن تُصدر وزارة خارجية هنا بيانًا “يعرب عن قلقه”، وأن يغرّد مسؤول هناك “بأسف عميق”، حتى يُعتبر أن الإنسانية قد أدّت واجبها الأخلاقي. أما الضحايا؟ فليتدبّروا أمرهم في المقابر، أو في طوابير الخبز، أو تحت الأنقاض.
غزة، تلك البقعة التي لا تكفّ عن تقديم الموت طازجًا، تُشاهد العالم وهو يتألم من أجلها… نظريًا. خمسة صحافيين يُقتلون في قصف على مستشفى، فيُصاب الضمير العالمي بنوبة بكاء قصيرة، ثم يعود إلى برامجه المعتادة: مؤتمرات السلام، وندوات “التوازن الإعلامي”، ومقالات الرأي التي تتساءل إن كانت “الردود الإسرائيلية مفرطة في القوة”.
حتى الرئيس الأميركي “الحنون” دونالد ترامب، الذي لم يُعرف عنه رهافة الشعور، عبّر عن “أسفه” لما حدث. أسفٌ نبيل، بلا شك، لكنه لا يُعيد الصحافيين إلى الحياة، ولا يُوقف القصف، ولا يُغيّر شيئًا في المعادلة التي تقول: من يملك الطائرات، يملك الرواية ومن يُقدّم الصواريخ النفاثة يملك سلطة إيقاف الحرب .
الغرب يندد. هذه جملة تصلح لأن تكون عنوانًا لفيلم وثائقي ساخر، أو ربما لعرض مسرحي عبثي. فالتنديد بات طقسًا دبلوماسيًا، يُمارس كما تُمارس التحية الرسمية أو تقطيع الشريط الأحمر في افتتاحات المشاريع. لا أحد يتوقع منه نتيجة، ولا أحد يُحاسب على غيابه. إنه مجرد أداء صوتي، يُقال بصوت رخيم، ثم يُنسى.
لكن السؤال الذي لا يُطرح غالبًا هو: ماذا بعد التنديد؟ أين الحلول؟ أين الضغط السياسي؟ أين العقوبات؟ أين وقف الدعم العسكري؟ أين أي شيء يتجاوز الحنجرة؟
الجواب بسيط: لا شيء. لأن التنديد، في عرف القوى الكبرى، هو أقصى ما يمكن تقديمه دون أن يُكلّفهم خسارة حقيقية. أما الدم الفلسطيني، فهو أرخص من أن يُحدث أزمة دبلوماسية، وأثقل من أن يُحمل على ضميرٍ دوليٍّ هشّ.
الصحافيون الذين قُتلوا كانوا يعملون في وكالات أنباء عالمية، بعضها كان حتى وقت قريب يُغطّي الأحداث من منظورٍ منحاز، يساوي بين القاتل والضحية، ويُطالب بـ”الحياد المهني” حين يكون القصف من جهة واحدة فقط. لكن موتهم فجأةً جعلهم “شهداء الحقيقة”، وأعاد تعريف المأساة بلغةٍ أكثر إنسانية. مؤقتًا، طبعًا.
وفي هذا السياق، لا بدّ من الإشارة إلى أن التنديد لا يُوجَّه فقط إلى القصف، بل إلى “الاجرام الفلسطيني” أيضًا، كما ورد في بعض التصريحات الشاذة المناصرة للإجرام الصهيوني . وكأن الفلسطينيين، وهم تحت الحصار والقصف والتجويع، يملكون رفاهية ارتكاب الجرائم. وكأن الدفاع عن النفس، أو الصراخ من تحت الركام، يُعدّ تهديدًا للأمن الدولي.
العالم يندد، نعم. لكنه يندد بالجميع، كي لا يُتّهم بالانحياز. يندد بالمعتدي والمعتدى عليه، بالضحية والجلاد، بالمحاصر والمحاصِر. إنها مساواة أخلاقية مريحة، تُعفي الجميع من اتخاذ موقف حقيقي.
وفي خضمّ هذا التنديد الجماعي، يُواصل الفلسطينيون حياتهم: يدفنون موتاهم، يرمّمون بيوتهم، يعلّمون أطفالهم كيف يختبئون من الطائرات، ويكتبون على الجدران شعارات لا تُقرأ في المؤتمرات الدولية.
وفي الختام، لا بدّ من شكر العالم على مشاعره. على تغريداته، وبياناته، ومؤتمراته الصحافية. على دموعه الرقمية، وأسفه المتلفز، وقلقه الذي لا ينام. فكلّ ذلك، رغم هشاشته، يُثبت أن “الضمير العالمي” ما زال حيًّا وحرّا..
فإلى أي مدى يجب أن يُستنزف الضمير العالمي قبل أن يتحرّك؟
كم يكفي من الجثث، من الصحافيين، من الأطفال، من المستشفيات، من الدموع التي لا تجد من يمسحها، كي يتوقف هذا العبث؟ كم يلزم من رائحة الموت، كي يُدرك العالم أن التنديد لا يُنقذ، وأن الصمت ليس حيادًا، بل مشاركة في الجريمة؟






