الزاوية البوتشيشية.. حين يُسوّق التصوف وتُحرق الوصيّة وتترنّح الطريق..؟

admin
2025-08-13T19:29:16+02:00
مقالات رئيس التحرير
admin13 أغسطس 2025آخر تحديث : منذ 10 أشهر
الزاوية البوتشيشية.. حين يُسوّق التصوف وتُحرق الوصيّة وتترنّح الطريق..؟
  • مصطفى قشنني

أخيرا لاح الدخان الابيض من مدخنة الزاوية القادرية البوتشيشية إعلانا عن شيخ جديد بدل الشيخ الذي أوصى له والده المُتوفى مؤخرا،  ونحن نفتح هنا قوسا أن هذه الزاوية تواجه اليوم أزمة بنيوية حادّة تهدد وحدتها الداخلية وسمعتها التاريخية. بحيث لم تعد مجرد زاوية روحية، بل تحوّلت إلى ساحة صراع بين الورثة والطامحين، بين الذكر والتسويق، بين السرّ والسلطة. ما كان يُعتبر عهدًا روحيًا صار يُدار بمنطق التوريث، وما كان يُمنح بالصفاء والذوق صار يُنتزع بالتحالفات والتفاهمات.

أقول:منذ وفاة الشيخ جمال الدين، دخلت الزاوية مرحلة انتقالية مضطربة، حيث برزت الخلافات داخل العائلة، وتضاربت الروايات حول إذن التربية، وتكشّفت هشاشة البنية الروحية أمام تغوّل المصالح الشخصية. منير، نجل الشيخ الراحل، تسلّم المشيخة كما تُسلّم مفاتيح مؤسسة، لا كمن حمل سرّ الطريق، بل كمن ورث مؤسسة قابلة للاستثمار الرمزي والاجتماعي. لم يكن التوريث مفاجئًا، بل كان متوقعًا منذ أن بدأ الشيخ يلمّح إلى خلافة ابنه من قبل وأوصى له بذلك، وكأن التصوف صار يُدار بمنطق الدم، لا بمنطق الذوق.

لكن المفاجأة لم تكن في التوريث ذاته، بل في الطريقة التي تم بها، وفي الرسالة التي كشفت المستور، والتي قيل إنها من شخصية حكومية من مريدي الزاوية، ممن يعرفون خباياها أكثر من الدراويش الذين يكتفون بالذكر  وأكل الكسكس و شرب اللبن دون أن يسألوا عن من يكتب الوصايا. الرسالة، التي لم تكتف بتشخيص الأزمة، بل اقترحت انسحاب منير، وتطهير الطريق وإعادة الزاوية إلى سمتها الطبيعي. لكن هل بقي للزاوية سمت؟ أم أن الطريق بات مفروشًا بالتحزب، والتملق؟.

الزاوية، التي كانت في زمن مضى للذكر، تحوّلت تدريجيًا إلى منصة علاقات عامة، حيث يتزاحم الباحثون عن النفوذ بالمناكب، ويتسابق المتصوفون الجدد على “البركة “، بينما الدراويش الحقيقيون انسحبوا إلى بيوتهم، يمارسون تصوفًا فرديًا، بعيدًا عن صخب الزوايا التي فقدت روحها. لم يعد الذكر هو المحور، بل التوريث، والتحزب، والتفاهمات. الزاوية، التي كانت تُبنى على المحبة، صارت تُدار بمنطق التموقع. منير، الذي قيل إنه استغل طيبوبة والده، لم يكن وحده في هذا، بل هو نتاج منظومة كاملة ترى في الزاوية وسيلة، لا غاية. ترى في التصوف سلّمًا، لا مقامًا.

الرسالة كشفت عن خلافات عميقة داخل عائلة الشيخ الراحل، بين معاذ ومنير، وكأننا أمام دراما عائلية لا تختلف كثيرًا عن صراعات الورثة في المسلسلات. اتهامات متبادلة، وشكوك في النوايا، وتحذيرات من الشقاق، بل حتى تلميحات إلى تدخلات أجنبية، التصوف، الذي كان يومًا طريقًا للفناء في الله، بات اليوم طريقًا للفناء في الذات، في السلطة، في التوريث، في التفاهمات. وما الزاوية إلا مرآة لما آل إليه حال الروح في زمن التفاوض على البركة.

في مشهد رمزي لا يخلو من دلالة، أُحرقت وصية الشيخ جمال الدين، وكأنها وثيقة عار، لا عهد روحي. وتمت إعادة المشعل إلى الشيخ معاذ، في خطوة قيل إنها نتيجة “تفاهمات متقاطعة” بين سدنة الزاوية ومن بيدهم القرار. لم يعد الشيخ يُختار بناءً على صفاء القلب، بل بناءً على صفاء العلاقات مع من يملكون مفاتيح الأمور. الزاوية، التي خفت بريقها منذ وفاة الشيخ حمزة، ثم تلاشى تدريجيًا مع جمال الدين، تبدو اليوم على حافة الانطفاء مع منير أو خلفه معاذ. لكن، كما يقول المثل المغربي: “اللهم اعمش ولا طافي”. فطالما بقيت الزاوية صالحة للاستعمال، سيبقى بعض أصحاب المصالح يتمسحون بجدرانها، بينما الدراويش الحقيقيون يكتفون بالذكر في صمت، بعيدًا عن ضجيج “التمشيخ” و”التحزب الروحي”.

الزاوية، التي كانت يومًا ملاذًا للباحثين عن الصفاء، تحوّلت إلى فضاء مشحون بالتوترات، حيث تُدار الأمور بمنطق التوازنات، لا بمنطق التجليات. لم يعد الشيخ هو من يُربّي، بل من يُسوّق، ومن يُدير، ومن يُفاوض. التصوف، الذي كان يُبنى على الخفاء، صار يُعرض على الشاشات، ويُناقش في المجالس، ؟ وأي طريق هذا الذي بات يُدار بمنطق العلاقات العامة؟

الرسالة، التي حملت تحذيرات واضحة، لم تكن مجرد نص ناصح، بل كانت صرخة من داخل الطريق، من قلب الأزمة. لكنها، ككل الصرخات، قد تُهمّش، وقد تُنسى، وقد تُحرق كما أُحرقت الوصية. لأن من يملك الزاوية اليوم لا يملك فقط إذن التربية، بل يملك أيضًا أدوات التعتيم، وأدوات التبرير، وأدوات الترويج. التصوف، الذي كان يومًا طريقًا للنجاة، صار طريقًا للنجومية، حيث يُقاس الشيخ بعدد المتابعين، لا بعدد السالكين.

الزاوية البوتشيشية، التي كانت يومًا “منارة”، تبدو اليوم كشمعة على وشك الانطفاء. لكن، كما يقول أهل الطريق، “السر لا يموت”، وإن ماتت الزاوية. لأن التصوف الحقيقي لا يُختزل في جدران، ولا في مشيخة، ولا في وصية. التصوف الحقيقي يسكن القلوب، لا المكاتب. يسكن الذكر، لا الوثائق. يسكن الفناء، لا التفاهمات. وما يحدث اليوم في الزاوية البوتشيشية ليس إلا فصلًا من فصول موت الشكل، وبقاء الجوهر في قلوب من لا يزالون يذكرون الله في صمت، بعيدًا عن ضجيج الورثة.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.