ما الفائدة من الإسم إذا كان “صحيحا” والوطن نفسه معتلا؟ إلى المدافعين عن اللغة العربية بمناسبة عيدها العالمي..

admin
2025-12-16T22:12:42+01:00
مقالات رئيس التحرير
admin16 ديسمبر 2025آخر تحديث : منذ 3 أشهر
ما الفائدة من الإسم إذا كان “صحيحا” والوطن نفسه معتلا؟ إلى المدافعين عن اللغة العربية بمناسبة عيدها العالمي..

مصطفى قشنني

في العالم العربي، لا تُمارس السلطة فقط عبر القوانين والدساتير، بل تُمارس أيضاً عبر الجمل. اللغة ليست مجرّد وسيلة للتفاهم، بل هي بنية فوقية تُعيد إنتاج الواقع، وتُعيد ترتيب العلاقات، وتُعيد تشكيل الوعي. إنها ليست أداة محايدة، بل ساحة صراع، تُستخدم فيها الكلمات كقنابل صوتية، تُطلقها السلطة لتخدير العقول، لا لإيقاظها. حين يُصبح الوطن معتلًّا، لا يعود المرض في الجسد السياسي فقط، بل في اللغة التي تصفه، في المفردات التي تُستخدم لتبريره، في الخطابات التي تُعيد إنتاجه كقدر لا فكاك منه.

فماذا يفعل حرف الجر المسكين أمام حاملة طائرات؟ ماذا تفعل الفتحة والضمة والكسرة حين تُصوّب نحوها فوهة مدفعٍ مرتدّ يتّسع لمجمع لغوي بأكمله ما الفائدة من الاسم إذا كان “صحيحا” والوطن نفسه معتلا؟  كما عبّر عن ذلك الشاعر الثائر محمد الماغوط؟ كيف تقاوم اللغة حين تُحاصرها البنادق، وتُخنق في دهاليز المخابرات، وتُجلد في الساحات العامّة؟

 في العالم العربي، – في خضم إحتفال اللغة العربية بيومها العالمي – لم تعد هذه اللغة وسيلةً للتعبير، بل صارت تهمة جاهزة، صار النحو جريمة،الفتحة تُتّهم بالتحريض، الضمة تُصنّف كرمزٍ للتمرد، الكسرة تُدان لأنها تُخفي لغما تحتها ، وصار الشعر خيانة. كل حرفٍ يُكتب يُراقب، كل جملةٍ تُنطق تُحاكم، كل نصٍ يُنشر يُحاصر، كلّ مقالة تُطوّق، اللغة لم تعد أداةً للخلق، بل صارت ضحيةً تُساق إلى المقصلة، تُعلّق على أعمدة الكهرباء، تُشنق في الساحات، وتُدفن في مقابر جماعية لا يُكتب عليها شيء..

في هذا الخضم، لم تعد المعاجم تُفتح للبحث، بل للتحقيق. لم تعد القواميس تُستخدم للفهم، بل للتجريم. كل كلمة تُحمل على محمل الشك، كل استعارة تُفسّر كتهديد، كل مجاز يُقرأ كخيانة. الكاتب يُعامل كمتّهم، الشاعر يُصنّف كخطر على الأمن العام، المفكر يُراقب كما يُراقب المجرم. اللغة تُحاصر من كل الجهات، تُقصف من الجو، تُخنق في البحر، تُجلد في البر. لم تعد اللغة تُستخدم للحوار، بل للتبرير، للتخدير، للتضليل. صارت أداةً في يد السلطة، تُعيد إنتاج الرواية الرسمية، تُعيد تشكيل الوعي، تُعيد هندسة الخوف.

الخطاب الرسمي في العالم العربي لم يعد يُنتج فقط سردية السلطة، بل يُنتج قاموسها. يُعيد تعريف المفاهيم، يُفرغها من محتواها، يُعيد تعبئتها وشحنها بما يخدم استمراريته. “الحرية” تُصبح مرادفاً للانضباط، و”الكرامة” تُختزل في الولاء، و”العدالة” تُقاس بمدى الانسجام مع الخط العام. هذا الخطاب لا يُقنع، بل يُكرّر، لا يُجادل، بل يُلقّن، لا يُخاطب العقل، بل يُخاطب الغرائز. إنه خطاب لا يُريد أن يُفهم، بل يُريد أن يُطاع. كل كلمة فيه محروسة، كل جملة مصفّاة، كل معنى مراقب.

لكن الأخطر من الخطاب الرسمي هو الخطاب اليومي، الخطاب الذي يتداوله ، الناس العاديين – السوقة بتعبير ابن رشد -، دون أن ينتبهوا إلى أنه مُصاغ مسبقاً. حين يقولون “ما لنا وللسياسة”، حين يصفون المعارض بأنه “مشاغب وخارج عن القانون”، حين يطلقون على الجلاد لقب “الضحية”، فإنهم لا يستخدمون اللغة، بل يُستَخدمون بها. لقد نجحت السلطة في زرع قاموسها في ألسنتهم، في جعلهم يُعيدون إنتاج خطابها دون أن يشعروا. وهنا تكمن عبقرية القمع: أنه لا يُمارس بالقوة فقط، بل بالاقتناع، لا يُفرض من الخارج فقط، بل يُزرع في الداخل.

إنها معادلة خطيرة، تُجرّ فيها الشعوب كما تُجرّ الجثث، تُساق كما تُساق القوافل في زمن النكبة، تُدفع كما يُدفع القطيع نحو المسلخ. تُجرّ من المدارس إلى السجون، من المستشفيات إلى المقابر، من الميادين إلى المنافي. تُجرّ في نشرات الأخبار، في المناهج الدراسية، في خطب الجمعة، في بيانات الشجب. تُجرّ في اللغة، في الصورة، في الصوت. تُجرّ لأنها تُفكّر، تُجرّ لأنها تُسأل، تُجرّ لأنها تُحب، تُجرّ لأنها تحلم.

اللغة، في هذا المشهد، ليست بريئة. إنها شريكة، إنها ضحيّة، إنها مقاومة. تُستخدم لتبرير القتل، لتجميل القمع، لتزيين الاستبداد. تُستخدم لتخدير العقول، لتزييف الوعي، لتبرير الصمت. لكنها أيضًا تُستخدم للمقاومة، للفضح، للصرخة. اللغة هي الميدان الأخير، هي الجبهة التي لا تُقصف، هي السلاح الذي لا يُصادر. حين تُصاغ القصيدة، تُولد الثورة، حين تُكتب الرواية، يُعاد تشكيل الوعي، حين يُنطق المجاز، يُفضح القهر.

واللغة، حين تُجلد، تُصبح أكثر وضوحًا. حين تُخنق، تُصبح أكثر صراخًا. حين تُحاصر، تُصبح أكثر اتساعًا. لأنها لا تُقاس بالحروف، بل بالوجع. لا تُقاس بالقواعد، بل بالصرخة. لا تُقاس بالنحو، بل بالمعنى. وحرف الجر، ذلك الكائن الهش، حين يُحاصر، يُصبح رمزًا. يُصبح شاهدًا. يُصبح مقاومًا. لأنه يربط، لأنه يُشير، لأنه يُنقل. لأنه لا يملك سلاحًا، لكنه يملك المعنى. والمعنى، في زمن القهر، هو السلاح الأخير.

اللغة لا تُحرّر نفسها، بل تحتاج إلى من يُحرّرها. تحتاج إلى كتّاب لا يخافون من الكلمات، إلى شعراء لا يهابون المعاني، إلى مفكرين لا يُساوَمون على المفردات. تحتاج إلى إعلام لا يُعيد إجترار الخطاب الرسمي، بل يُفكّكه. إلى تعليم لا يُلقّن، بل يُحرّض. إلى ثقافة لا تُطبّع، بل تُطبع في الذاكرة. إلى مجتمع لا يستهلك اللغة، بل يُنتجها، يُعيد خلقها، يُعيد لها دورها كأداة للوعي، لا كأداة للطمس والخنوع والهيمنة. ولا يمكن للوطن أن يُشفى من علله إذا بقيت لغته معتلّة. لا يمكن للعدالة أن تتحقّق إذا بقيت الكلمة نفسها مشبوهة. لا يمكن للحرية أن تُمارس إذا بقيت مفرداتها محظورة. لا يمكن للكرامة أن تُصان إذا بقيت تُستخدم لتبرير الإذلال. اللغة ليست زينة، بل هي البنية التحتية للكرامة. من يُحرّر لغته، يُحرّر وطنه. ومن يُحرّر وطنه، يُعيد للغة معناها وتوهّجها. إنها معركة لا تُخاض بالسلاح، بل بالكلمة. لا تُخاض في الشوارع فقط، بل في الصفوف، في الكتب، في الأغاني، في الحوارات اليومية. إنها معركة على المعنى، على التسميّة، على الحق في الكلام. ومن ينتصر في هذه المعركة، ينتصر في كل المعارك الأخرى. لأن من يملك لغته، يملك وعيه، ومن يملك وعيه، لا يُهزم أبدا.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.