وجدة تغرق في عشر دقائق.. سردية تُكتب بالحفر وتُقرأ بالسيول..

admin
2025-09-09T20:10:45+02:00
مقالات رئيس التحرير
admin9 سبتمبر 2025آخر تحديث : منذ 9 أشهر
وجدة تغرق في عشر دقائق.. سردية تُكتب بالحفر وتُقرأ بالسيول..

مصطفى قشنني

عشر دقائق فقط. لا أكثر. عشر دقائق من المطر كانت كافية لتحويل مدينة وجدة إلى مشهد سريالي من أفلام الكوارث، حيث الطرقات تتلوى كأمعاء مدينة تحتضر، والسيارات تسبح في بركٍ لا تعرف لها قرارا، والمارة يتنقلون ككائنات خرافية بين جزر الماء والوحل، يبحثون عن اليابسة كما يبحث الغريق عن أنفاسه الأخيرة. عشر دقائق فقط، وكأن نيزكًا اخترق الغلاف الجوي وسقط على المدينة، لا ليحرقها، بل ليغسل عنها كل أقنعة الزيف، ويكشف هشاشتها، عريها، وسوء تدبيرها المزمن.

وجدة، المدينة التي كانت يومًا ما بوابة الشرق، تحولت إلى بوابة للعبث. مدينة لا تملك من البنية التحتية سوى الاسم، ومن الإنارة سوى أعمدة مائلة كأطياف موتى، ومن الصرف الصحي سوى مجاري تتقيأ الماء بدل أن تبتلعه. مدينة تعيش إفلاسًا لا ماليًا فقط، بل أخلاقيًا، إداريًا، وجماليًا. مدينة لا تملك حتى القدرة على التظاهر بأنها بخير.

في وجدة، لا شيء يعمل كما يجب. الحافلات لا تأتي، والطرقات لا تصمد، والإنارة لا تضيء، والماء لا يُصرف، والمسؤول لا يُحاسب. المسؤول هناك، لكنه ليس هنا. هو في قصره، في فيلته، في سيارته الفارهة التي تعبر المستنقعات دون أن تبتل، يرى كل شيء ولا يرى شيئًا. يرى البطالة تتكاثر كالفطر في الأرصفة، ويرى الطوابير تنتظر حافلة لن تأتي، ويرى السرقات تُرتكب في وضح النهار، ويرى الماء يغرق المدينة، لكنه لا يرى نفسه مسؤولًا. هو مسؤول غير مسؤول، كائن إداري بلا روح، بلا ضمير، بلا خجل.

المسؤول في وجدة لا يُسائل نفسه، لأنه لا يرى في المدينة سوى محطة عبور، منصب مؤقت، كرسي قابل للتدوير. هو لا يعيش في وجدة، بل يسكنها كما يسكن الغريب فندقًا رخيصًا، ينتظر موعد المغادرة. هو لا يسمع شكاوى المواطنين، بل يعتبرها ضجيجًا غير ضروري. لا يرى الفوضى، بل يراها مشهدًا طبيعيًا في فيلم طويل من اللامبالاة. لا يرى الغرق، بل يراه مطرًا موسميًا، لا يستحق أكثر من منشور على صفحة رسمية.

في وجدة، المسؤول لا يخرج من سيارته إلا لالتقاط صورة، لا ينزل إلى الشارع إلا في مواسم الانتخابات، لا يتحدث إلا بلغة الخشب، ولا يعد إلا بما لا يُنفذ. هو المسؤول الذي يرى المدينة تغرق في عشر دقائق، لكنه يكتب تقريرًا يقول إن الأمور تحت السيطرة “وكلّ شيء بخير”. هو المسؤول الذي يرى المطار يتحول إلى بحيرة، لكنه يصرّ على أن البنية التحتية “قيد التحديث”. هو المسؤول الذي يرى الحفر تبتلع السيارات، لكنه يبتسم أمام الكاميرا ويقول: “نحن نعمل جاهدين”.

لكن من يعمل فعلًا؟ من يخرج بحذائه الطويل ليغوص في الوحل؟ من يفتح بالوعة بيديه؟ من يعتذر للناس؟ من يجرؤ على قول الحقيقة؟ لا أحد. لأن الحقيقة في وجدة تُعتبر خيانة، والاعتراف بالخلل يُعد ضعفًا، والاقتراب من المواطن يُعد تهديدًا للمسافة الآمنة التي يحبها المسؤولون.

وجدة لا تحتاج إلى مطر لتغرق. هي غارقة أصلًا، في الإهمال، في الفوضى، في سوء التدبير، في غياب الرؤية، في موت الضمير. المطر مجرد مرآة، مجرد لحظة صدق، مجرد كشف لما هو قائم أصلًا. عشر دقائق فقط كانت كافية لفضح كل شيء: الطرقات، المجاري، الأحياء، وحتى الوجوه التي تدّعي المسؤولية.

في مدينة مثل وجدة، لا يمكن الحديث عن التنمية، بل عن النجاة. لا يمكن الحديث عن المشاريع، بل عن الترقيع. لا يمكن الحديث عن المستقبل، بل عن محاولة البقاء. المواطن هنا لا يطلب الكثير، فقط حافلة تأتي، طريق لا ينهار، إنارة لا تنطفئ، مسؤول لا يختبئ. لكن حتى هذه المطالب البسيطة تُعتبر رفاهية في مدينة تُدار بمنطق “دعه يغرق”.

وجدة، المدينة التي تهمس بالماء، تصرخ بالوحل، وتكتب بالحبر الأسود على جدرانها: “نحن هنا، لكن لا أحد يسمع”. مدينة لا تحتاج إلى نيازك لتنهار، بل إلى عشر دقائق من المطر، وإلى مسؤول واحد فقط، مسؤول يرى، يسمع، ويتحرك. مسؤول لا يختبئ خلف مظلته المخملية، بل يخرج إلى الشارع، يواجه، يُصلح، ويعتذر.

لكن حتى ذلك، يبدو أنه حلم بعيد. لأن في وجدة، المسؤول غير مسؤول، والمدينة تغرق، والماء يكتب الحقيقة بدلًا عنهم.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.