دعمٌ للجمعيات أم دعمٌ للجيوب.. حين يتحول المال العام إلى ريع خاص؟

admin
مقالات رئيس التحرير
admin18 مايو 2026آخر تحديث : منذ 3 أسابيع
دعمٌ للجمعيات أم دعمٌ للجيوب.. حين يتحول المال العام إلى ريع خاص؟
  • مصطفى قشنني

في أجمل بلد في العالم، لا شيء يثير الشهية مثل كلمة “الدعم”. إنها الكلمة السحرية التي تفتح الأبواب المغلقة، وتُسيل لعاب الطامحين، وتحوّل الجمعيات إلى شركات، والشركات إلى جمعيات، والمنتخبين إلى مقاولي فرص، والمقاولين إلى برلمانيين بالصدفة. الدعم العمومي، الذي يُفترض أن يكون أداة للنهوض بالمجتمع المدني، صار في كثير من الحالات مجرد ريع مقنع، يُوزع كما تُوزع الحلويات في الأعراس، بلا معيار، بلا عدالة، وبلا أثر يُذكر على المواطن الذي يُفترض أن يكون المستفيد الأول.

تقارير المجلس الأعلى للحسابات، الذي لا يملك سوى أن يسجل ويُحذر، كشفت أن الحكومات المتعاقبة لم تقدم يومًا صورة واضحة عن مآل المال العمومي الموجه للجمعيات. المال يُصرف، نعم. لكن إلى أين؟ كيف؟ ولماذا؟ أسئلة لا تجد لها جوابًا إلا في دهاليز العلاقات السياسية، والولاءات الانتخابية، والصفقات الإيديولوجية. الدعم لا يُمنح بناءً على مشاريع واضحة، بل بناءً على “الوجه”، و”الانتماء”، و”القدرة على التطبيل”.

في بلدٍ يُقال فيه إن المجتمع المدني شريك في التنمية، يتحول هذا الشريك إلى مجرد واجهة لتصريف المال العام في جيوب خاصة. الكثيرمن الجمعيات التي يُفترض أن تكون صوت المواطن، صارت صوتًا للمنتخب، أو للوزير، أو حتى لصاحب الشركة التي تُصنع على المقاس. نعم، هناك جمعيات تُخلق في أسبوع، وتُمنح صفة المنفعة العامة في أسبوعين، ثم تحصل على دعم في الشهر الثالث، دون أن يعرف أحد من هم أعضاؤها، أو أين يقع مقرها، أو ما هو نشاطها الحقيقي.

المفارقة أن الحكومة نفسها تعترف بأنها عاجزة عن مراقبة هذا الدعم، وتُرجع ذلك إلى “العدد الكبير للجمعيات”، وكأنها تقول لنا: “نحن نوزع المال، لكن لا نعرف لمن، ولا كيف، ولا لماذا”. إنها كوميديا سوداء، حيث الجهة المانحة لا تملك أدوات المراقبة، والجهة المستفيدة لا تملك مشروعًا واضحًا، والجهة التي يُفترض أن تستفيد فعليًا، أي المواطن، لا يملك حتى الحق في السؤال.

في هذا المشهد العبثي، يصبح الدعم العمومي أداة لتعميق الفوارق، لا لتقليصها. يصبح وسيلة لتربية الأحقاد، لا لبناء الثقة. حين يرى المواطن أن المنتخب الذي صوّت له يملك جمعية تحصل على الملايين، بينما هو لا يجد ثمن الدواء، فإن الثقة تنهار، والمواطنة تتآكل، والشرعية تُفقد. الدعم الذي يُمنح بلا معيار، يُنتج مجتمعًا بلا عدالة، وبلا تكافؤ، وبلا أمل.

لكن العبث لا يتوقف هنا. فهناك من يصنع جمعيات على المقاس، كما تُفصل البدلات الرسمية. جمعية للفلاحة، وأخرى للتنمية البشرية، وثالثة للخرفان، ورابعة للكزوال، وخامسة للثقافة، وسادسة للبيئة، وسابعة للرياضة، وثامنة للرقص الشعبي. كل شيء قابل للدعم، وكل شيء قابل للتحويل إلى مشروع، وكل مشروع قابل للتحويل إلى فاتورة، وكل فاتورة قابلة للتحويل إلى رصيد بنكي.

برلمانيون، منتخبون، رجال الأعمال، وحتى بعض الصحافيين، دخلوا على الخط. صاروا يتقنون لعبة الجمعيات، ويعرفون كيف يُكتب المشروع، وكيف يُصاغ التقرير، وكيف تُلتقط الصور، وكيف يُقنع المسؤول بأن الجمعية “تخدم الوطن”. الوطن؟ لا أحد يخدمه فعليًا، لكن الجميع يستفيد باسمه. إنه الوطن الذي يُستعمل كشعار، لا كقضية.

في هذا السياق، يصبح الدعم العمومي مجرد وسيلة لتدوير المال العام في دائرة مغلقة من العلاقات الزبونية. لا أحد يسأل عن الأثر، ولا أحد يُحاسب على النتائج. المشاريع – إن وُجدت – تُكتب بلغة خشبية، والتقارير تُصاغ بلغة إنشائية، والصور تُلتقط في لحظات توزيع القفة، أو تنظيم ندوة، أو إقامة مهرجان. ثم يُرفع الملف، ويُمنح الدعم، وتُنسى القضية، ويُعاد تدوير اللعبة من جديد.

النواب أنفسهم، في لحظة نادرة من الصدق، اعترفوا بأن الدعم يُوزع وفق اعتبارات غير موضوعية، وأنه يخضع لمنطق الريع، لا لمنطق التنمية. لكن الاعتراف لا يكفي. لأن من يعترف اليوم، قد يكون هو نفسه من استفاد بالأمس، أو سيستفيد غدًا. اللعبة لا تتوقف، لأنها مربحة، وسهلة، ومحمية. لا أحد يُحاسب، لأن لا أحد يملك الجرأة على فتح الملفات، أو كسر التحالفات، أو فضح المستور.

في بلدٍ يُقال فيه إن الشفافية هي أساس الحكامة، يصبح غياب المعطيات الإحصائية عن مصادر الدعم العمومي فضيحة في حد ذاته. المؤسسات العمومية، المقاولات، الجماعات الترابية، كلها تُمنح المال، وتُوزعه، وتُصرفه، دون أن تُقدم تقريرًا واحدًا يُظهر من استفاد، وكيف استفاد، ولماذا استفاد. إنها سياسة “اصرف واصمت”، أو “ادعم واغنم””.

لكن المواطن لا ينسى. المواطن يرى، ويسمع، ويقارن. يرى كيف تُمنح الملايير لجمعيات لا يعرفها أحد، بينما تُغلق دور الشباب، وتُهمل المدارس، وتُنسى المستشفيات. يسمع كيف يُقال له إن الدعم يُمنح للنهوض بالحقوق والحريات، بينما تُقمع الحريات، وتُدهس الحقوق، وتُمنع المبادرات. يقارن بين ما يُقال وما يُفعل، ويكتشف أن كل شيء مجرد مسرحية، يُكتب نصها في مكاتب الوزراء، ويُؤدى دورها في قاعات الفنادق، ويُصفق لها في صفحات الجرائد.

في النهاية، يصبح السؤال الحقيقي: هل نحن أمام دعم للجمعيات، أم أمام دعم للجيوب؟ هل نحن أمام سياسة عمومية، أم أمام شبكة مصالح؟ هل نحن أمام مجتمع مدني، أم أمام مجتمع موازٍ يُدار من خلف الستار؟ وهل يحق لنا أن نغضب، أم أن الغضب نفسه صار يحتاج إلى دعم؟

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.