- رسبريس
في الوقت الذي يُفترض فيه أن تكون الصحة العامة أولوية قصوى، تكشف دراسة علمية حديثة عن كارثة بيئية وصحية تهدد مدينة وجدة وساكنتها، دون أن تُحرّك المؤسسات المعنية ساكنًا. الدراسة، التي أنجزها فريق بحث من جامعة محمد الأول بشراكة مع خبراء دوليين، كشفت عن مستويات مقلقة من التلوث الكيميائي والبكتيري في المياه الجوفية بسهل أنجاد، المورد المائي الأساسي للمدينة، والذي يُفترض أن يكون شريان الحياة، لا ناقلًا للموت.
النتائج صادمة: نسب مرتفعة من الأملاح والنترات، وتلوث بكتيري مهول بمؤشرات تلوث برازي، تجعل جزءًا كبيرًا من هذه المياه غير صالح للشرب، وفقًا لمعايير منظمة الصحة العالمية. الأخطر من ذلك، أن هذه المؤشرات تُشكّل تهديدًا حقيقيًا بانتشار أمراض خطيرة مثل الكوليرا والتيفوئيد، التي لا تحتاج سوى شرارة واحدة لتتحوّل إلى وباءٍ يضرب المدينة من داخلها.
لكن السؤال الذي يُطرح بإلحاح: أين المؤسسات المعنية؟ أين الشركة الجهوية المتعددة الخدمات بجهة الشرق؟ أين وزارة الصحة؟ أين وزارة التجهيز والماء؟ أين الجماعة الترابية وعلى رأسها الوالي؟ أين الجهات التي تُفترض أن تكون حارسةً على سلامة المواطنين؟ لماذا هذا الصمت المريب؟ لماذا يُترك المواطن ليشرب من ماءٍ ملوّث، دون تحذير، دون خطة، دون بديل؟
الصمت هنا ليس مجرد تقصير، بل تواطؤ. لأنّ السكوت عن خطرٍ بهذا الحجم، بعد صدور دراسة علمية موثّقة، يُعدّ جريمةً في حقّ الصحة العامة. فالماء ليس رفاهية، بل حقٌّ أساسي، وحين يتحوّل إلى ناقلٍ للأمراض، فإنّ الدولة تكون قد تخلّت عن أبسط وظائفها: حماية الحياة.
الخطير أيضًا أن هذا التلوث لا يأتي من فراغ، بل هو نتيجة تراكمات طويلة من سوء التدبير، وغياب المراقبة، وتلويث مستمر للمائدة المائية بسبب الأنشطة الفلاحية غير المضبوطة، والتصريف العشوائي للمياه العادمة، وغياب محطات معالجة فعّالة. ومع ذلك، لا نرى أي إعلان رسمي، لا نرى أي حالة طوارئ، لا نرى أي تعبئة، كأنّ الأمر لا يعني أحدًا.
هل تنتظر الجهات المعنية أن يُصاب المواطنون بالكوليرا فعلًا؟ هل تنتظر أن تُعلن المستشفيات حالة استنفار؟ هل تنتظر أن تُصبح وجدة عنوانًا لوباءٍ جديد؟ أم أنّها تكتفي بتقاريرٍ تُدفن في الأدراج، وتوصياتٍ تُنسى في الرفوف؟
المواطن الوجدي لا يطلب معجزات، بل فقط أن يُحترم حقّه في ماءٍ نقي، أن يُحذّر حين يكون الخطر قائمًا، أن تُوضع خطة استعجالية، أن يُحاسب من أهمل، أن تُفعّل الرقابة، أن تُعلن الحقيقة. لأنّ التستر على التلوث لا يُنقذ أحدًا، بل يُفاقم الكارثة.
وإذا كانت الجامعة قد قامت بدورها العلمي، فإنّ الكرة الآن في ملعب المؤسسات التنفيذية. فهل تتحرّك الشركة الجهوية المتعددة الخدمات؟ هل تُعلن عن نتائج تحاليلها؟ هل تُراجع مصادر التزويد؟ هل تُطلق حملات توعية؟ هل تُوفّر بدائل؟ أم أنّها ستواصل الصمت، حتى يُصبح الماء في وجدة مرادفًا للمرض؟









وجديمنذ 7 أشهر
الماء ملوث والفواتير مرتفعة ولا حسيب ولا رقيب حسبنا الله ونعم الوكيل