من الأثر الكولونيالي بتازة .. مسبحها الأولمبي الذي كان ؟..  

admin
2026-01-16T23:52:16+01:00
جهويات
admin16 يناير 2026آخر تحديث : منذ 5 أشهر
من الأثر الكولونيالي بتازة .. مسبحها الأولمبي الذي كان ؟..  
  • عبد السلام انويكًة

مبعث فخر ترابي محلي وصدى معبر الى عهد قريب، وأحد اجمل معالم عمارة المدينة التراثية الحديثة الكولونيالية. ذلك هو مسبح تازة البهي الأولمبي، وقد جمع بين مجد وحضور منذ فترة الحماية حتى نهاية ثمانينات القرن الماضي. ولعل بفضل طبيعة موقعه الغني بمياهه، كان أول أمره ضاية متسعة مصدر مياهها فرشات باطنية بمكان غير بعيد “جنان البردعي”، وهو المكان الذي كانت تنساب منه مجاري ذات أثر شاهد حتى الآن. مع أهمية الإشارة الى أن المكان نفسه بحسب وثيقة تاريخية كان يعرف ب” مْراوَحْ لَجْمَال”، إسم مكان يستشف منه أنه كان ربما محط رحال إبل قوافل تجارية، للاستراحة أو الرعي أو المبيت بمدخل المدينة من جهة الجنوب، وأنه به كان يتم تجميعها بعد افراغ حمولتها وتركها للراحة قبل انطلاقها صوب وجهة اخرى. وهذا المكان الغني بمياهه الباطنية والذي عبارة عن مروج بمياه جارية، هو مصدر المياه التي كان يتزود بها مسبح تازة والتي كانت حرارتها مستقرة في 24 درجة صيفا وشتاء، وعليه فالسباحة فيها خلال فصل الشتاء كأنها سباحة في مياه دافئة. بل من هذا المكان باعتباره امتدادا لمنابع رأس الماء وجواره الجبلي بالمنطقة، كانت ولا تزال تتزود منها عين شهيرة محليا ب”عين النساء” (أنملي). شروط وطبيعة مياه جارية سطحية وباطنية، جعلت مسبح تازة بما كان عليه من خصوصية وبيئة، فضلا عن مشهد مرتفع محيط وغابة مطلة جعلته بروعة منظر.

مسبح تازة الذي باتت معالمه وتراثه في خبر كان، ربما يعود بناؤه لمطلع ثلاثينات القرن الماضي ضمن أول تصميم تهيئة وضعته السلطات الفرنسية للمدينة. في فترة كان فيها المسؤول عن المصالح البلدية بتازة الفرنسي”ألبير موراتي”، ولعله شغل المنصب من سنة 1925 حتى 1935 وكان بأثر وطيب لدى الاهالي، وعليه ربما لا يزال اسمه محفوظا بلوحة رخامية تعود لفترة الحماية، وهي مثبتة في سور أثري بجوار باب “القبور” الشهير. وبقدر ما كان عليه مسبح تازة من خلفية رياضية ترفيهية بالدرجة الأولى لفائدة الأجانب عموما والمعمرين منهم خاصة، بقدر ما كان له من أثر ثقافي كغيره من مرافق مجالات أخرى، على مستوى نشر نمط عيش الأخر الأروبي وقيمه محليا. وعليه، ما حصل من انفتاح تدريجي لهذا الغرض وذاك لدى الاهالي، بما في ذلك رياضة السباحة نهاية الاربعينات وفترة الخمسينات، علما أنه بعد استقلال المغرب تم نقل ادارته للمصالح البلدية بتازة.

ومن جملة ما يطرح في سياق الحديث عن مسبح تازة، مآل الارشيف البلدي من وثائق ذات صلة (تصاميم بناء واسماء مكاتب دراسات ومهندسين)..؟ وأهمية الأرشيف للتعرف على ما كان من انشطة وتظاهرات وأبطال واقصائيات؟. علما أن مسبح تازة شهد بعد الاستقلال خاصة فترة السبعينات بروز وتميز اسماء تازية عدة تألقت في السباحة، من قبيل نبيل التوزاني الذي كان بمشاركات مشرفة في تنافسيات وطنية ودولية. هكذا اذن مسبح تازة الذي بمعايير أولمبية والذي لم يتبق منه الآن سوى المكان، فقد انتهى نبضه وصداه وحتى طبيعة مياهه منذ حوالي الثلاثة عقود، فبعدما كان متنفسا بات خلاء في مظهره بدون روح اللهم اطلال مكان. واقع معلمة رياضية تاريخية وما آلت اليه أمام اعين الجميع يدعو للشفقة لشدة ما طالها من اهمال، وقد فقدت ما فقدت عبر تجارب اصلاح وتهيئات وتعدد رؤى وقراءات وحسابات، جعلت منه مجرد هيكل شاهد لا غير… وشتان بن عظمة مسبح زمن الحماية ومطلع الاستقلال، وبين ما هو عليه من بؤس وخلاء وضياع ولامبالاة ..

وفضلا عن خلفية مسبح تازة الرياضية، كان فضاءً ومدرسةً للتنشئة على القيم البيئية والتنافس الشريف والمبادرة والتشارك والموهبة والتجربة والتحدي في علاقة بالماء والغوص …، وهو ما كان تحت عيون مراقبين مشرفين متتبعين لكل ما كان يجري على امتداد مجاله إن منه الخاص بالكبار أو الآخر الخاص بالمتوسطين ثم الصغار. ومن هؤلاء أسماء عدة لمعلمي السباحة من ابناء تازة والتي تألقت ولمعت منذ ستينات القرن الماضي، من قبيل بن شلال maître-nageur رحمه الله، الذي كان دوما بقميصه وسرواله الرياضي القصير حتى في الاجواء الباردة جدا، دون نسيان ما اسهم به في هذا الاطار أيضا المرحوم “يحيى جفال” وغيره ثلة ممن اثثوا هذا الفضاء ذات يوم. وعن علاقة مسبح تازة هذا بأهالي المدينة العتيقة، نذكر أن اقبال الأسر التازية عليه لم يكن للسباحة فقط، إنما ايضا للترويح عن النفس في اجواء الصيف حيث ارتفاع درجة الحرارة نهارا. وعليه، كانت هذه الأسر تقصده للاستمتاع بطيب ومنظر وظلال اشجاره المترامية فروعها واغصانها على جنبات المياه، فضلا عما كانت توفره مياهه من انتعاش ومتعة. ولعل من وجهات هذه الاسر بالمسبح مقصفه الذي بمساحة وهندسة واثاث وموقع خاص جاذب على يسار بابه الرئيسي، غير بعيد عن سواقي كانت تجري بها مياه قادمة من المسبح، تلك التي كانت تتجدد بشكل طبيعي بفعل تدفق مياه آبار مزودة من الأعماق، والتي كانت تدفع بدورها طبيعيا لخروج مياه اخرى من الجهة الاخرى، وهذا التجدد والخاصية تعد من نقط تميز مسبح تازة ونظافته المتفردة وجودة وعذب مياهه التي كان يضرب بها المثل.

على وقع كل هذه الأجواء الصيفية بحكم بعد المدينة عن البحر وطبيعة مناخها القاري الجبلي الحار خلال هذه الفترة من السنة، كان مسبحها دوما بدينامية واحتفالية واقبال أسري “اسرة بناني واسرة شيبوب واسرة الغيساسي واسرة البوعراقي واسرة بنحمو ..”، وغيرها مما هو غير خاف عمن عاش مجد مسبح المدينة خلال ستينات وسبعينات حتى ثمانينات القرن الماضي. وكان هذا الاقبال أكثر مع نهاية كل اسبوع حيث السبت والأحد، لقضاء بعض الوقت به لِما يوفره من مساحة انتعاش وظلال وهواء. وكانت متعة الأسر تكتمل بما يتوفر من فرجة مفتوحة على مياه منعشة يؤثثها صراخ اطفال وشباب ومشاهد ألعاب وقفز من منصات، والتي تم هدمها مع الأسف من اجل إصلاح اصلاحٍ ولا شيء حصل حتى الآن. واعتقد أنه كان من الأفيد التفكير في بناء مسبح جديد حديث بهندسة اخرى في مكان آخر من المدينة، والابقاء على أثاث ذاكرة ترابية كولونيالية، وتوظيفه واستثماره لأغراض اخرى ترفيهية وسياحية وثقافية وابداعية ومتحفية وتفاعلية ….

بعض فقط من كثير حول مسبح تازة وما طبعه في زمن ذهبي وحفل وترفيه ورياضة وتنشئة وبيئة ونبض حياة وانسانية انسان..، لِما كان يحتضنه إن خلال فترة الحماية أو بعد الاستقلال حتى ثمانينات القرن الماضي، من ثقافة تنافسيات في كرة الماء بين فرق محلية وأخرى زائرة، على وقع مشجعين متفرجين على امتداد حواجز محيطة. وما كان ذات يوم من مسبح أولمبي سارت بذكره الركبان كما يقال، والذي بقدر ما تحول الى شتات دون روح ولا هوية، بقدر ما لا يزال محتفى به في ذاكرة مدينة الى حين ما ينبغي من وعي برمزية تراث.

رئيس مركز ابن بري للدراسات وحماية التراث

 الالمبي2 - رسبريس - Respress
رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.