- رسبريس
يا لها من لوحة سريالية، مرسومة بألوان النفاق ومطلية بطبقات كثيفة من “الإحسان الاستعراضي”! في هذه المدينة، لا يُقاس الخير بما يُنجز، بل بما يُعرض. لا يُقاس الإحسان بمدى نفعه، بل بمدى لمعانه في عدسات الكاميرات. كلما تنفس مسؤول جديد هواء المدينة، هرول إليه “أشباه المحسنين” كما لو كانوا في سباق ماراثوني نحو التقاط صورة تذكارية مع “المنقذ المنتظر”، قبل أن يجلس حتى على كرسيه، وكأنهم يهمسون له: “نحن هنا، لا تنسَ جميلنا حين تبدأ في توزيع الغنائم”.
السيناريو محفوظ، لا يتغير إلا في أسماء الأبطال. أولًا، زيارة إلى دار العجزة، أو دار الطالبة أو توزيع قفف “الخير” على الفقراء الذين يُستدعون كما يُستدعى الكومبارس في مسرحية رديئة. ثم تأتي لحظة التكريم، حيث تُمنح الأوسمة والدرع التذكارية للمسؤول الجديد، الذي لم يوقّع بعد على أول وثيقة، لكنه نال نصيبه من التصفيق والتبجيل، وكأن الإنجاز قد تحقق لمجرد أنه “قبل الدور في التمثيلية الرديئة”. وبعدها، تُفتح الموائد، وتُمد الزرود، وتُشعل الشموع، لا احتفاءً بالوطن أو المواطن، بل احتفاءً ببدء موسم “التمخميخ” العظيم.
التمخميخ، لمن لا يعرف، هو فن راقٍ في هذه المدينة. هو القدرة على تحويل كل مناسبة إلى فرصة، وكل لقاء إلى صفقة، وكل مسؤول إلى صرّاف آلي للرخص “الصعبة المنال”، والإعفاءات الضريبية، و”الامتيازات” التي لا تُمنح إلا لمن أتقن فن التزلف. إنه موسم الحصاد، حيث تُجنى ثمار “الإحسان المسرحي”، وتُقطف رخص التعمير الكبرى من فوق القانون ( انتظروا ملفا حارقا لاحقا)، وتُمنح الامتيازات كما تُوزع الحلوى في الحفلات و الأعراس.
أما من يتجرأ على السؤال، أو يرفع حاجب الاستغراب، فمصيره التهميش، وربما التخوين. لأن في هذه المدينة، من لا يصفق، يُعتبر عدوًا للتنمية. ومن لا يحضر الولائم، يُتهم بعدم الوطنية. ومن لا يشارك في حفلات التملق، يُدرج في قائمة “غير المرغوب فيهم”. إنها مدينة لا تحتمل الصدق، ولا تستسيغ النقد، ولا تطيق من يرفض أن يكون جزءًا من الكومبارس.
والمثير للسخرية أن كل هذا يتم باسم “الخير”، وبشعارات من قبيل “خدمة الوطن”، و”دعم التنمية”، و”تشجيع الاستثمار”. لكن الحقيقة أن ما يُخدم هنا ليس الوطن، بل الجيوب. وما يُنمّى ليس الاقتصاد، بل أرصدة البنوك الخاصة. وما يُشجّع ليس الاستثمار، بل التسلط والزبونية. إنها مسرحية عبثية فجّة، أبطالها يتقنون فنون التمثيل، لكنهم يفتقرون إلى نص جيد، أو حتى إلى نية صادقة.
في هذه المدينة، لا أحد يسأل: من أين لك هذا؟ بل السؤال الأهم هو: مع من التقطت آخر صورة؟ لا أحد يهتم بالكفاءة، بل بالقدرة على الحضور في المناسبات، وعلى قول “نعم سيدي” بنبرة فيها من الحماس ما يكفي لإقناع أي مسؤول بأنه محاط بأفضل الناس. وهكذا، تستمر الحلقة المفرغة: مسؤول جديد، تكريم، زرود، رخص، ثم انتظار المسؤول القادم وهكذا دواليك.
وما يزيد الطين بلة أن هذا العبث يُمارس تحت أنظار الجميع، بلا خجل، بلا حياء، بلا أدنى محاولة للإخفاء. بل إن بعضهم يتفاخر به، ينشر صوره على مواقع التواصل، يكتب عبارات من قبيل “تشرفنا باستقبال السيد المسؤول”، وكأنهم استقبلوا محرر. أما المواطن، فله أن يصفق من بعيد، أو أن يكتفي بالمشاهدة، أو أن يلعن حظه التعس لأنه لا يملك بطاقة “محسن معتمد”.
إنها مدينة لا تُدار بالقوانين، بل بالعلاقات. لا تُحكم بالمؤسسات، بل بالمجاملات. لا تُبنى بالمشاريع، بل بالولائم. وكلما ارتفعت أصوات العقلاء، جاء الرد جاهزًا: “أنتم تحسدوننا”، أو “أنتم ضد التنمية”، أو “أنتم لا تفهمون في السياسة”. وكأن السياسة أصبحت مرادفًا للرياء، والتنمية أصبحت غطاءً للفساد، والإحسان أصبح وسيلة للابتزاز.
لكن، من قال إن العبث يحتاج إلى منطق؟ في هذه المدينة، العبث هو القاعدة، والاستثناء هو الاستقامة. ومن لم يستح، فليفعل ما يشاء. يكرّم من يشاء، ويمنح ما يشاء، ويأكل ما يشاء، ثم يخرج علينا بخطاب عن النزاهة والشفافية والحكامة الجيدة. أما من يجرؤ على التذكير بالقيم، أو بالمبادئ، فمصيره أن يُتهم بأنه “سلبي”، أو “عدمي”، أو “يُعكر صفو الأجواء”.
وهكذا ستبقى المدينة كما هي وإلى آجل غير مُسمى: واجهة براقة تخفي وراءها خرابًا أخلاقيًا، ومجتمعًا يُكافئ النفاق ويُعاقب الصدق، وسلطة تُحب من يُطبل لها، وتخشى من يُمسك المرآة. ويبقى السؤال معلقًا: إلى متى سيستمر هذا العبث؟ الجواب بسيط: إلى أن يُكسر الصمت، ويُفضح التواطؤ، ويُعاد الاعتبار للمعنى الحقيقي للإحسان، لا كوسيلة للتمخميخ، بل كقيمة إنسانية نبيلة، لا تحتاج إلى عدسات، ولا إلى زرود، ولا إلى رخص “مُستحيلة”. فقط إلى قليل من الحياء، وكثير من الصدق.. ولله في خلقه شؤون….








