وجدة… حيث العبث والفوضى و التكنولوجيا تُدرّس في أقفاص قصديرية ..ما رأي المديرة العامة للتكوين المهني؟

admin
2025-10-02T23:17:07+02:00
متابعات
admin28 سبتمبر 2025آخر تحديث : منذ 5 أشهر
وجدة… حيث العبث والفوضى و التكنولوجيا تُدرّس في أقفاص قصديرية ..ما رأي المديرة العامة للتكوين المهني؟
  • رسبريس

في مدينةٍ وجدة، لا تزال مؤسسات التكوين المهني تمارس طقوس العبث كما لو كانت طقسًا مقدسًا. هنا، لا يُدرّس المستقبل بل يُجلد، ولا تُصنع الكفاءات بل تُدفن تحت طبقات من القصدير واللامبالاة. في معهد النصر، التكنولوجيا مجرد زخرفة لغوية، اسمٌ يلمع على لافتةٍ صدئة، بينما الأقسام القصديرية تصرخ في وجه كل من يحاول أن يتعلم دون أن يتحول إلى بهيمةٍ مدجنة. لا شيء هنا يليق بالبشر، لا المقاعد، لا الجدران، لا الهواء، حتى الحلم يبدو كائنًا غريبًا لا يُسمح له بالدخول.

أما في المعهد المتخصص للتكنولوجيا التطبيقية كولوش، فالفوضى ليست عرضًا جانبيًا، بل هي المنهاج الرسمي. المدير، ذلك الكائن الإداري الذي لا يعرف من التسيير سوى اسمه، يراقب انهيار المؤسسة كما يراقب أحدهم سقوط كأسٍ فارغ دون أن يمد يده. مادة الإعلاميات، تلك التي تُعتبر عصبًا في زمنٍ رقمي، لم تُدرّس العام الماضي، وكأننا في عصر ما قبل الكهرباء. ولأن العبث لا يأتي وحيدًا، تم توزيع محتوى المادة هذه السنة على أساتذة الميكانيك والكهرباء، في مشهدٍ يشبه توزيع قصائد نزار قباني على لاعبي كرة القدم. لا علاقة، لا منطق، لا احترام للعقل أو التخصص أو حتى للكرامة المهنية.

بعض الأساتذة، أو من يُفترض أنهم كذلك، يدخلون ويخرجون كما لو أن المؤسسة نادٍ صيفي، لا توقيت، لا التزام، لا أدنى شعور بالمسؤولية. تجمعاتهم في الساحة تشبه حلقات النميمة أكثر مما تشبه نقاشًا تربويًا، أما الأقسام فمفتوحة على مصراعيها للفوضى، كأنها ساحات حربٍ بلا جنود. الدخول المتأخر والخروج المبكر أصبحا عرفًا، لا يُسأل عنه أحد، ولا يُحاسب عليه أحد، حتى وقعت الكارثة: هجومٌ بالسلاح الأبيض – على متدرّب خرج قبل التوقيت – من قبل أطرافٍ خارجية، في مُحيط المؤسسة، على الساعة الواحدة زوالًا. لولا الألطاف الإلهية، لكانت الدماء قد كتبت بيانًا أكثر بلاغة من كل التقارير المغلوطة .

في كولوش أيضًا، خلال الامتحان الوطني لمادة تشخيص السيارات، تم ضبط متدربين في حالة غش بيّن باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. المصحح اكتشف الأمر، وتم ترسيب المتدربين رغم تفوقهم في المعدلات، بينما الأساتذة الذين حرسوا الامتحان لم يُسألوا حتى عن سبب نومهم أثناء الحراسة. العدالة هنا ترتدي نظاراتٍ سوداء، لا ترى إلا من يُطلب منها أن تراه، وتغض الطرف عن من يجب أن يُحاسب.

ثم نصل إلى مؤسسة التيكنوبول، تلك التي كانت تُبشر بجيلٍ جديد من التكوين، فإذا بها تتحول إلى هيكلٍ فارغ، بلا آلات ناسخة، بلا “داطا شو”، بلا أدوات، بلا روح. الأساتذة يشرحون الدروس من هواتفهم، كأنهم يلقنون العلم عبر تطبيقات الطقس، والطلبة يحدقون في شاشاتٍ صغيرة كأنهم يتعلمون من إشعارات واتساب. لا شيء هنا يدل على أننا في مؤسسة تعليمية، سوى الجدران التي تئن من فرط الصمت.

أما عن المتقاعدين، فقد أغرقوا المؤسسات كما تُغرق السفن المهجورة بالماء، في مشهدٍ يضرب تكافؤ الفرص في مقتل. الكفاءات الشابة تنتظر على الأرصفة، بينما المقاعد تُمنح لمن قرروا أن يعودوا من التقاعد كأبطالٍ في فيلمٍ لا أحد يريد مشاهدته. لا أحد يسأل عن الجودة، عن الكفاءة، عن الأثر، فالمهم أن تُملأ الخانات، وتُرفع التقارير، وتُقال الجملة السحرية: “كل شيء على ما يرام”.

في وجدة، التكوين المهني ليس تكوينًا، بل هو تمرينٌ على الصبر، على التحمّل، على التظاهر بأننا نتعلم. المؤسسات هنا لا تُخرّج مهنيين، بل تُخرّج ضحايا، يُرمى بهم في سوقٍ لا يعترف إلا بمن تعلم في مدنٍ أخرى، حيث التكنولوجيا ليست مجرد اسم، وحيث الأقسام ليست أقفاصًا، وحيث المدير لا يختبئ خلف جدارٍ من الجهل.

نقول للمديرة العامة، التي ربما لا تعرف أن وجدة ليست مجرد نقطة على الخريطة: صح النوم. وجدة ليست هامشًا، بل هي مرآةٌ تعكس فشلًا إداريًا ممنهجًا، وتُعلن أن التكوين المهني في جهة الشرق يعيش موتًا بطيئًا، لا يُعلن عنه إلا حين تقع الكارثة. صح النوم، لأننا تعبنا من الصراخ في غرفٍ قصديرية، ومن الحلم في مؤسساتٍ لا تحلم. صح النوم، لأننا نريد أن نستيقظ في مكانٍ يشبه المستقبل، لا الماضي الذي يرفض أن يموت.

 - رسبريس - Respress
رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

التعليقات 4 تعليقات

  • قمرقمر

    أشاطر مداخلة الام التي عبرت بصدق عن ما يجري في بعض مؤسسات التكوين المهني من إهمال و عدم مسؤولية ، لكن لكي لا نكون مجحفين ، هناك بعض الأساتذة يقومون بواجباتهم على أكمل وجه. . شكرا لهم .

  • مواقفمواقف

    :

    كشف المقال عورة الواقع، فمؤسسات بأكملها تنهار تحت ثقل الفوضى، ويعمّها صمت الإهمال، وتُدار بلا وازع ات تتهاوى، يسكنها الإهمال، تحكمها اللامبالاة، وتُساق بلا قائد مسؤول.

    • مواطنةمواطنة

      كأم لأحد المدربين في التكوين المهني ، غير راضية بتاتا على ما اكتسبه ابني خلال الموسم السابق ، صحيح ، ابني لم يدرس مادة الاعلاميات نظرا للغياب المحدود للأستاذ و لأسباب نجعلها .
      المرجو الالتفاف عاجلا.

  • مواعيدمواعيد

    لقد وضع المقال الأصبع على الجرح، فبعض المؤسسات تعيش حالة من الترهل الإداري: إهمال يطال تفاصيلها اليومية، ولا مبالاة تسيطر على القائمين عليها، وانعدام للمسؤولية يجعلها عاجزة عن أداء مهامها الأساسية.
    تحياتي للأنامل الذهبية الجريئة