- مصطفى قشنني
في بلدٍ يُلقب بـ”أرض الأولياء”، أو كما قال أحد العلماء المشهود لهم قديما: “في المغرب ينبت العلماء كما ينبت الفطر” حيث تُقام الأضرحة وتُرمم الزوايا وتُسكب الملايير على القبور، يبدو أن الموت لم يعد نهاية، بل بداية لمشروع تمويلي طويل الأمد وساري المفعول. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في المغرب تُنفق الملايير في العام الواحد فقط على الأضرحة والزوايا، لا لتجديد الإيمان، بل لتجديد الطلاء. وتبليط الجدران، وكأن القبور تحتاج إلى كهرباء، والبركة إلى ميزانية، والقداسة إلى تصريح إداري.
الخطاب الرسمي يبرر هذا الإنفاق بأنه حفاظ على الذاكرة، على التراث، على “الخصوصية المغربية”. لكن أي ذاكرة هذه التي تُرمم كل عام؟ وأي خصوصية تُقاس بعدد القباب؟ هل الهوية تُبنى على الموتى؟ وهل الزهد يحتاج إلى دعم مالي ليبقى حيًا؟ أم أن الأمر، في جوهره، لا يتعلق بالروحانيات بقدر ما يتعلق بالسياسة، بالتحكم في التدين، بتدجين الغيب، وتحويله إلى أداة للاستقرار.
الزوايا التي كانت يومًا ملاذًا للروح، صارت ملاذًا للميزانية. الأضرحة التي كانت تُزار بخشوع، صارت تُزار بكاميرا. والشيوخ الذين كانوا يُنظر إليهم كمرشدين، صاروا يُعاملون كموظفين. التصوف الذي كان طريقًا فرديًا نحو مدارج الصفاء، صار عرضًا جماعيًا يُدار بمنطق المؤسسة. كل شيء صار قابلًا للتمويل، حتى الصمت. وكل شيء صار قابلًا للشرح، حتى الكرامة.
فقد قالها أحد الشيوخ المعروفين جهارًا، وبلا مواربة ولا خجل: “جيبو لي اللي عندو لفلوس، أنا ما عندي ما ندير بلمزاليط.” عبارة واحدة كانت كافية لنسف قرون من الزهد، ودفن كل ما قيل عن الفقر كطريق إلى الله. لم يعد التصوف عنده سلوكًا روحيًا، بل تصنيفًا اقتصاديًا. الفقراء، الذين كانوا يومًا عماد الزوايا، صاروا عبئًا لا يُطاق. والمريد، إن لم يكن يحمل في جيبه ما يكفي من الدراهم، فليبحث عن بركة في مكان آخر.
هكذا، وببساطة، تحوّل الشيخ من مرشد إلى مدير علاقات مالية. لم يعد يسأل عن حال القلب، بل عن حال الحساب البنكي. لم يعد يطلب التوبة، بل التحويل البنكي. التصوف، الذي كان يُبنى على الدروشة، صار يُبنى على الرفاهية. والزاوية، التي كانت ملاذًا للمنكسرين، صارت نادٍ للنخبة الروحية المدفوعة الأجر .
أي مفارقة هذه؟ أن يُقصى الفقير من حضرة الزهد، لأنه لا يملك ما يكفي ليُحترم؟ أن يُقال له إن البركة ليست له، لأن جيبه فارغ؟ كأن الفقر لم يعد فضيلة، بل جريمة. وكأن الدروشة، التي كانت تاجًا على رؤوس المتصوفة، صارت وصمة تُبعد صاحبها عن الحضرة.
لكن الناس لم يعودوا يصدقون. ليس لأنهم كفروا، بل لأنهم رأوا. رأوا الشيخ يمتطي يختًا، ويحتسي القهوة في فنادق خمس نجوم، بينما يطلب من مريديه أن يصوموا عن الدنيا ويزهدوا فيها ويتركوا بطونهم تغرغر. رأوا الزوايا تُغلق أبوابها بعد انتهاء موسم التمويل، ورأوا المريد يتحول إلى زبون، يطلب البركة مقابل رسوم التسجيل. رأوا أن التصوف صار وظيفة، لا طريقًا. وأن الزهد صار شعارًا، لا حياة.
الوزارة تقول إن الزوايا تُسهم في السلم المجتمعي. لكن أي سلم هذا الذي يُبنى على القبور؟ هل يُمكن أن تُطفئ نار التطرف بصبّ الزيت عليها؟ هل يُمكن أن تُقنع شابًا غاضبًا بأن يهدأ، لأن هناك ضريحًا يُرمم؟ أم أن التطرف الفكري نفسه صار رد فعل على هذا التقديس الزائف، على هذا التصوف الذي لا يشبه التصوف، على هذه الزوايا التي لا تشبه الزوايا؟
في زمنٍ كانت فيه الزوايا تُبنى من الطين والتبن، وكان الشيخ ينام على حصير ويرتدي الثوب المُبرقع، وكان المريد يقطع المسافات سيرًا على الأقدام ليطلب دعاءً، كان التصوف يشبه الجوع: حقيقي، مؤلم، لكنه نقي. أما الآن، فالزوايا أصبحت قصورا تُبنى من الرخام، وترصّع بالثرايا الفخمة والشيخ ينام في جناح ملكي مرتديا ثياب مرصّعة بالسندس والأستبرق وأرقى أنواع وألوان الحرير، والمريد يُمنح شهادة حضور. كأن البركة صارت دورة تدريبية، وكأن الزهد صار بندًا في الميزانية.
الناس، حين يئسوا من الزوايا، لم يذهبوا إلى التطرف. ذهبوا إلى أنفسهم. صار التصوف فرديًا، داخليًا، صامتًا. – كما قلت في المقال السابق -صار يُمارس في الغرف، في الكتب، في التأمل. لم يعد يحتاج إلى شيخ، ولا إلى زاوية، ولا إلى ضريح. صار طريقًا شخصيًا، لا جماعيًا. لأن الجماعة صارت عبئًا، والشيخ صار علامة تجارية، والزاوية صارت مؤسسة تُغلق أبوابها في نهاية الدوام.
ثم يأتيك من يقول إن هذا كله من أجل الحفاظ على “الخصوصية المغربية”. كأن الخصوصية تُقاس بعدد الأضرحة، لا بعدد الأفكار. كأن الهوية تُبنى على القبور، لا على العقول. كأننا نحتاج إلى أن نُموّل الموت، لنُثبت أننا أحياء. لكن الحقيقة أن الأحياء لا يحتاجون إلى ضريح، بل إلى أفق وتنمية وتشغيل وعيش كريم. والزاوية، مهما كانت مقدسة، لا تُعطي أفقًا، بل تُعيدك إلى الوراء، إلى زمنٍ كان فيه كل شيء يُفسر بالكرامة، وكل سؤال يُجاب عليه بالحكاية.
الناس لا يكرهون الزوايا. ما يكرهون هو الكذب والبهتان. ما يرفضونه هو أن تُستخدم القداسة كغطاء للفساد، وأن يُباع الزهد في علب فاخرة، وأن يُطلب منهم الإيمان بشيء لا يؤمن به حتى من يروّج له. ما يرفضونه هو أن يُقال لهم إن البركة تُصرف من نافذة الوزارة، وإن التصوف يحتاج إلى تصريح، وإن الشيخ لا يتكلم إلا إذا كان مدعومًا.
لقد رأوا أن الموت يُموّل، بينما الحياة تُهمَل. أن القبور تُرمم، بينما البيوت تنهار. أن التصوف صار عرضًا، لا طريقًا. وأن الزوايا صارت ديكورًا، لا ملاذًا. وفي وسط كل هذا، ما زال هناك من يركض خلف البركة، لا لأنه يؤمن، بل لأنه يائس. يائس من الواقع، من السياسة، من العدالة، من الأفق. يائس إلى درجة أنه يفضل أن يطلب من ضريحٍ ما لم يحصل عليه من الدولة.
وهذا، في حد ذاته، مأساة. مأساة أن يتحول التصوف إلى ملجأ للمنكسرين، لا لأنه يداوي، بل لأنه لا يطلب شيئًا. مأساة أن يُموّل اليأس، بينما يُترك الأمل يتعفن ويتآكل. لكن الزوايا لا تهتم. لأنها، في نهاية المطاف، لا تُحاسب من طرف المجلس الأعلى للحسابات. لا أحد يسألها عن نتائج، ولا عن أثر، ولا عن معنى. فقط تُموّل، وتُرمم، وتُبارك. ثم تُترك لتُعيد إنتاج نفسها وتدوير خزعبلاتها، كأنها آلة قديمة، لا تتوقف، ولا تتغير، ولا تموت.








