الفجوة السحيقة بين عبقريّة مُفكّر  وأمّية وزير..

admin
2025-12-13T01:57:08+01:00
مقالات رئيس التحرير
admin13 ديسمبر 2025آخر تحديث : منذ 3 أشهر
الفجوة السحيقة بين عبقريّة مُفكّر  وأمّية وزير..
  • مصطفى قشنني

في ذلك الحوار الأطلسي، لم يكن المشهد مجرد لقاء بين ضفتين، بل كان تعرياً صارخاً لهوة سحيقة لا تعبر مجرّد بحر، بل تعبر دهوراً من الفكر والرؤية. على المنصة، وقف رجلان يحملان لقب “متحدث”، لكنهما كانا من كوكبين مختلفين. من جهة، جاك أطالي: العقل الموسوعي المفكّر الذي يسبح في محيطات المستقبل، والذي يتحدث عن التحولات التكنولوجية والاجتماعية بأدوات جراح تشريح، يُفكّك الواقع إلى مكوناته الأولية ويعيد تركيب احتمالاته. كلماته ليست خطاباً، بل هي “بوصلة معرفية” تشير إلى اتجاه العالم قبل أن ينحرف. ومن جهة أخرى، وقف وزير مغربي، حاملاً حقيبة تتّسع لأسماء عديدة: الإدماج، المقاولة، التشغيل، الكفاءات. لكن خطابه كان حقيبة فارغة من المعنى، مليئة بالكلمات الطنانة التي تطفو على السطح كالزبد: “منظومات”، “مواءمة”، “كفاءات رقمية”، “اقتصاد أخضر”. كان وكأنه يقرأ من قاموس موضة المفاهيم، دون أن يمس جوهرها، أو يفهم الزلزال الذي تحمله بين طياتها.

هذه ليست مجرد فجوة في “المستوى”. هذه قطيعة أنطولوجية. أطالي يتحدث من داخل عقل المستقبل، من مختبر حيث تُخلق الأفكار قبل أن تصير واقعاً. هو رجل “المستقبليات”، أي ذلك العلم الذي لا يخمّن الغد، بل يبني إطاره النظري من قراءة عميقة للحاضر والاتجاهات الكبرى. عندما يناقش الذكاء الاصطناعي، فهو لا يرى أداة تقنية، بل يرى قوة جيوسياسية تعيد تشكيل السلطة والطبقات والوجود الإنساني نفسه. نقاشه عن التعليم ليس شكلاً إدارياً، بل هو تشريح لكيفية تكوين العقل البشري في عصر الآلة الذكية، وكيف يمكن للنظام التعليمي أن يكون آلة لتكبير الفجوات أو أداة للتحرر. لغته هي لغة الخبير الذي يمتلك أدوات التحليل الاستراتيجي العميق: السببية، السياق التاريخي، المقارنة المنهجية، بناء السيناريوهات.

في المقابل، كان خطاب الوزير – السياسي الشعبوي – أشبه بظلّ يتلوّى محاولاً تقليد جسد. لغة افتراضية تناقش الأمنيات: “تحقيق نموذج”، “تعبئة موارد”، “ضمان استدامة”. إنها لغة التقارير الإدارية المكرورة، لغة “المطلوب عمله” دون أي بيان واضح عن “كيفية عمله” على مستوى الفلسفة والتقنية معاً. عندما ميّز بين “الكفاءات التي لا يحل محلها الذكاء الاصطناعي” و”الكفاءات الرقمية”، كان يكرر تصنيفاً عالمياً جاهزاً دون أن يضيف ذرة من البصيرة المحلية: كيف نبني هذه الكفاءات؟ ما هي العقبات السوسيو-ثقافية في المغرب؟ كيف ننتقل من ثقافة الشهادة إلى ثقافة المهارة؟ كيف نتعامل مع البنية التحتية العقلية لمجتمع لا يزال جزء كبير منه يعاني الأمية الرقمية والأبستمولوجية؟ السكوري يتحدث عن “الاقتصاد الأخضر” كمجرد قطاع جديد، بينما أطالي سيراه تحولاً جذرياً في مفهوم القيمة والثروة والعلاقة مع الطبيعة. الوزير يذكر “المهن اليدوية” كرافعة، والعالم يتحدث عن اندماج الحرفية مع الروبوتات المتقدمة والتصميم بمساعدة الذكاء الاصطناعي.

هذا التفاوت المُشين ليس حادثة عابرة؛ إنه العرض الأبرز لمرض بنيوي: غياب طبقة سياسية مغربية مُؤهّلة فكرياً لمجاراة سرعة التحولات العالمية. نحن أمام نخبة حكومية تعيش في الزمن الافتراضي للبروتوكولات والخطابات، بينما العالم يتحرك في زمن التسارع التكنولوجي والانزياحات الجيوسياسية العنيفة. لقد تم تهميش العقول المغربية الحقيقية: المفكرين، الاستراتيجيين، العلماء، المبتكرين، أولئك الذين يقرأون العالم بلغته ويحملون مشاريع فكرية عميقة. في المقابل، تم تسليم دواليب الدولة لـ “شبه النخب”، نخب المحسوبية والولاء والخطاب الأجوف، الذين تم “تبليصهم” وتوزيرهم ليس لأنهم الأكفأ، بل لأنهم الأكثر انسجاماً مع منطق الواقع المغربي القائم: منطق إدارة الوضع الراهن، لا قيادة التحوّل.

النتيجة هي أن المغرب يدخل معركة المستقبل بأسلحة الماضي. بينما يحاور العالم في قضايا مثل أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، السيادة على البيانات، مستقبل العمل في ظل الاقتصاد المؤتمت بالكامل، نحن نناقش “إصلاح المنظومة” وكأننا نصلح عربة حصان في زمن الصواريخ الفائقة. هذا العبث سيكون ثمنه باهظاً: جيل ضائع، اقتصاد هش، ومجتمع منفصل عن قطار الحضارة. إنها خسارة لا تقاس بالمال، بل بفقدان الزمن التاريخي، بالتراكم في متاهة التخلف – أي التقدّم في التخلّف كما عبر عن ذلك المفكر المغربي المقتدر الراحل المهدي المنجرة- بينما الآخرون يختصرون المسافات نحو آفاق لم نعد نراها حتى في أحلامنا.

لذلك فإن الحل لا يكمن في استبدال وزير بآخر، بل في قلب المعادلة: يجب أن تنتقل السلطة الفعلية من أيدي “الموظفين السياسيين” إلى أيدي “المفكرين-المنفذين”، أولئك الذين يجمعون بين عمق الرؤية وقدرة الفعل. نحتاج إلى ثورة في تكوين النخب، تعتمد على الكفاءة الحقيقية، المعرفة العميقة، والرؤية الاستشرافية. يجب أن يصبح الخطاب العام خطاب أفكار، لا خطاب وعود. آن الأوان لإنهاء مهزلة “حوار الطرشان” مع المستقبل، والخروج من قفص الخطاب المسطح إلى فضاء الفكر المجنّح. لأن الأمة التي لا تحاور العصر بأدواته ولغته، تكون قد حكمت على نفسها بأن تكون مجرّد هامش في كتاب التاريخ، أو صفحة بيضاء لم يُكتب فيها شيء سوى الفراغ.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.