- رسبريس
ها هو الزمن يتجمد مرة أخرى عند بوابة مكتب قاضي التوثيق بالقصبة في وجدة، ليحول حياة المواطنين إلى جحيم من الانتظار العبثي. فبعد شهرين من الكشف عن هذه المعاناة، لم يتحرك ساكن، ولم يُسمع صوت مسؤول، ولم يتغير شيء سوى زيادة تراكم الملفات وتعميق جراح المرتفقين الذين علقت مصائرهم بإرادة فرد واحد. إنه مشهد يختزل أزمة الثقة بين المواطن ومؤسساته، حيث تتحول أبسط الخدمات القانونية إلى محنة تهدر الكرامة والوقت والمال.
المأساة هنا ليست في التأخير فحسب، بل في طابعه المتعمد واللامبرر. فالقاضي يغيب عن مكتبه في أوقات العمل، وتتراكم العقود والوثائق الموقعة منذ أكثر من شهرين دون أدنى اكتراث. هذه ليست إجراءات روتينية، بل هي عقود زواج تحدد مصير أسر، ووثائق ميراث تحفظ حقوق الأرامل والأيتام، وعقود بيع وشراء تتوقف عليها أرزاق الناس. وخلف كل وثيقة قصة إنسانية تتحول إلى رهينة بين دفتي ملف مهمل.
والكارثة الأكبر أن هذا الصمت الرسمي والتقصير المتواصل يجعلان بعض الوثائق عرضة للتقادم، ليعود المواطن من نقطة الصفر، محملاً بأعباء مالية جديدة لإجراءات التحيين، ضحية لإهمال لم يختره. إنه عقاب مضاعف لمن لم يقترف ذنباً سوى طلبه حقه في الخدمة التي يفرضها القانون ويوجبها المنطق.
هذا الحصار الذي تفرضه مزاجية فرد واحد ليس مجرد خلل إداري، بل هو انتهاك صريح لمبدأ سيادة القانون واستهانة صارخة بجوهر العدالة. فكيف تتحول مؤسسة قضائية، يفترض أنها رمز للإنصاف والحماية، إلى مصدر للتعسف؟ السؤال الذي يصرخ في وجوه كل المسؤولين في القطاع القضائي والسلطات الوصية: أين المساءلة؟ أين الرقابة؟ وأين ذلك التدخل العاجل الذي يقطع دابر هذه الفوضى؟
لقد طفح الكيل، والصبر لم يعد فضيلة أمام إهدار الحقوق. المطلوب اليوم ليس وعوداً بل تحركاً ملموساً. مساءلة فورية للقائم على هذا المكتب، وفتح تحقيق يضع النقاط على الحروف، وتدخل إداري يقصّر هذه المهزلة ويعيد للمواطن اعتباره وللمرفق العام هيبته. فالعدالة التي تتباطأ بهذا الشكل المشين ليست سوى صورة مشوهة للظلم، ولا يمكن لقضاء أن يبني احترامه وهو يمتهن من يفترض أن يخدمهم. (سنعود إلى هذا الموضوع لاحقا).








