التوحش والطغيان ..مرايا الروح في زمن الانهيار..

admin
2026-03-05T02:14:27+01:00
مقالات رئيس التحرير
admin5 مارس 2026آخر تحديث : منذ 3 أشهر
التوحش والطغيان ..مرايا الروح في زمن الانهيار..
  • مصطفى قشنني

التوحش والطغيان وجهان لعملة واحدة، عملة تصكّها يد الإنسان حين ينسى ذاته ويغرق في ظلال القوة العمياء. إنهما ليسا مجرد حدثين عابرين في التاريخ، بل هما ثنائية ميتافيزيقية تعكس الصراع الأزلي بين النور والظلمة في أعماق النفس البشرية. ولعلنا نستطيع أن نلمح تجلياتهما الأكثر عنفاً ووضوحاً في تلك اللحظات الفارقة التي تتداعى فيها الحضارات، أو في تلك النماذج التاريخية التي لا تزال تطل برأسها من أعماق الماضي، أو في وجوه معاصرة تختزل كل وحشية العصر في ابتسامة سياسية باردة.

تأملوا معي نموذج “النمرود”، ذلك الملك الطاغية الذي تحدى السماء ذاتها، وجمع الناس في سهول بابل ليبنوا برجاً يصل إلى عنان السماء، ليس طموحاً عمرانياً، بل إعلان حرب على الله، ورغبة في امتلاك المطلق. كانت مملكته ممتدة، وجبروته لا يعرف حدوداً، حتى قيل إنه أول من توج نفسه إلهاً في التاريخ، وأول من جعل من الطغيان ديناً ومن الخضوع عبادة. النمرود لم يكتف بأن يحكم الأجساد، بل أراد أن يمتلك الأرواح أيضاً، أن يخلق للناس جنة موعودة على الأرض مقابل أن يبيعوه أرواحهم وعقولهم. لقد كان طغيانه كونياً، لأنه تجاوز الأرض إلى السماء، وتجاوز البشر إلى الخالق. وفي هذه التجاوز، يكمن سر كل طغيان: الطاغية لا يريد أن يكون حاكماً فقط، بل يريد أن يكون إلهاً، أن يعيد تشكيل العالم وفق صورته، أن يفرض على الوجود كله ناموسه وهوسه.

ثم انظروا إلى نموذج “نيرون”، ذلك الإمبراطور الروماني الشاب الذي ورث إمبراطورية مترامية الأطراف، فلم يعرف كيف يديرها إلا بالجنون والدم. حين اشتعلت روما بالنيران في تلك الليلة المشؤومة، وقف نيرون على تل مرتفع يعزف على قيثارته وينشد قصائده، متأملاً لهيب مدينة عظيمة تتحول إلى رماد. لم يكن مجنوناً بالمعنى السريري، بل كان تجسيداً للطغيان في أنقى صوره: طغيان يتغذى على الجمال والفن والثقافة، ثم يحرقها كلها في لحظة نزوة. نيرون لم يكتف بإحراق روما، بل ألقى باللوم على المسيحيين، فكانت أولى موجات الاضطهاد الديني المنظم في التاريخ. لقد ابتكر عدواً وهمياً ليبرر بطشه، وزين القتل بأنه دفاع عن روما، واستخدم الخوف كأداة لترويض الشعب. هكذا يفعل الطغاة دائماً: يخلقون كابوساً ثم يقدمون أنفسهم كمنقذين منه، يحرقون العالم ثم يبيعون الماء للعطشى.

تأملوا نموذج “جلجامش”، ذلك الملك السومري الذي حكم أوروك في الألف الثالث قبل الميلاد. كان جلجامش في بداية ملحمته الخالدة تجسيداً حياً للطغيان في أبهى صوره وأكثرها وحشية. لقد جمع بين جمال” الآلهة” وجبروت الوحوش، فكان لا يدع فتاة لعشيقها، ولا ابناً لأبيه، يمارس سلطته كأنها غريزة جياشة لا تعرف حداً. لم يكن طغيانه مجرد نزوة حاكم، بل كان تعبيراً عن خلل كوني، عن تجاوز للحدود التي رسمتها ” الآلهة” بين البشر والسماء. لقد كان جلجامش الطاغية صورة عن ذلك الإنسان الذي امتلك القوة فظن أنه إله، لكنه في العمق كان يعاني فراغاً وجودياً لا يملؤه سوى ممارسة القهر والاستعلاء. وما كان تحوله على يد صديقه أنكيدو، ذلك الكائن البدائي الذي أتت به “الآلهة” ليواجه الطغيان، إلا إشارة عميقة إلى أن التوحش والطغيان يتصارعان داخل الإنسان، وأن الخلاص لا يأتي إلا بترويض الوحش الداخلي واكتشاف قيمة الصداقة والعدالة والموت.

ثم انظروا إلى نموذج آخر أكثر تجذراً في التاريخ، نموذج “فرعون موسى”، الذي مثّل أقصى درجات التأليه السياسي والطغيان المقدس. لقد كان النظام الفرعوني نتاجاً حتمياً للجغرافيا ذاتها. فنهر النيل، ذلك الشريان الذي منح الحياة لمصر، كان هو نفسه سبب نشأة الاستبداد. فالزراعة النهرية تتطلب نظاماً مركزياً للري، وضبطاً للنهر يحول فيضانه السنوي من كارثة محتملة إلى نعمة. وهذا الضبط للنهر استلزم “ضبطاً للناس” أيضاً، أي ظهور سلطة مركزية قوية. وهكذا، تحول الحاكم من مجرد منسق للري إلى مالك للماء، ثم إلى إله متأله يمتلك الأرض ومن عليها. هذه العبارة ليست مجرد كبرياء، بل هي إعلان فلسفي عن تحول الطاغية إلى قوة طبيعية مفترضة، عن استلاب الجماعة لإرادتها لصالح سلطة تقدم نفسها كضرورة وجودية. الطغيان هنا لم يولد من فراغ، بل من نسيج الجغرافيا والتاريخ والخوف المتبلور نظاماً.

أما اليوم، فنحن إزاء نموذجين طاغيين جديدين، يجسدان بامتياز تحول الطغيان إلى ظاهرة عالمية عابرة للحدود، تتجاوز الجغرافيا والتاريخ لتضرب في صميم الإنسانية ذاتها. إنهما دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، هذان الرجلان اللذان صارا في اللحظة الراهنة أيقونتين للجنون السياسي والطغيان العالمي بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ترامب، ذلك الرجل البرتقالي الذي اقتحم البيت الأبيض كوحش أسطوري يريد التهام كل شيء، لم يكن مجرد رئيس أمريكي عابر، بل كان تجسيداً حياً للتوحش وقد ارتدى بذلة أنيقة وربطة عنق حمراء. إنه الطاغية البهلوان، الذي يحول الخطاب السياسي إلى سيرك، والحقيقة إلى كذبة كبرى، والعالم إلى مسرح لمهاتراته ونرجسيته وجنون عظمته. حين صعد على خشبة السياسة، لم يأتِ بجيش ولا بدبابات، بل جاء بفوضى الكلمات وتشظي المعنى واستباحة كل القيم. كان يغرد في الرابعة فجراً كأنه مراهق ثائر، لكن تغريداته كانت تقرر مصير شعوب وتحرك أسواق المال وتشعل حروباً بالوكالة. إنه طاغية العصر الرقمي، الذي لا يحتاج إلى سجن ليزج بمعارضيه، بل يكفيه أن يصفهم بالأعداء وأن يحشد ضدهم جماهيره العمياء. والغريب أن هذا الطاغية خرج من رحم الديمقراطية ذاتها، من قلب الإمبراطورية التي طالما صدّرت للعالم قيم الحرية وحقوق الإنسان. وهكذا، أثبت ترامب أن الطغيان ليس حكراً على الديكتاتوريات العسكرية، بل يمكن أن يزهر في أكثر حدائق العالم خضرة، إذا ما تهاوت الأخلاق وتفسخت المؤسسات وانحل العقد الاجتماعي.

أما نتنياهو، ذلك السفاك المتعطّش للدماء الذي يحكم إسرائيل لأكثر من عقد من الزمن وكأنه ملك أعاد إنتاج نفسه في زمن الجمهوريات، فهو نموذج آخر للطغيان المتوحش الذي لا يعترف بحدود. إنه طاغية الحرب الدائمة، الذي يحول الصراع إلى أبدية، والسلام إلى كابوس، والدم الفلسطيني إلى ماء يجري في شوارع غزة والضفة ولبنان واليمن وسوريا وووو. نتنياهو لا يقود حكومة فحسب، بل يقود مشروعاً وجودياً، مشروعاً يقوم على إلغاء الآخر جسدياً ومعنوياً، على جعل الفلسطيني كائناً بلا أرض ولا هوية ولا مستقبل. إنه يجلس في قدسها المحتلة، أو في منتجعاته الفاخرة، أو أمام الكاميرات الأمريكية، ويطلق التصريحات كالسكاكين: يهودية الدولة، وضم الضفة، وتصفية القضية، وقتل الأطفال في غزة بحجة الدفاع عن النفس. إنه طاغية القرن الحادي والعشرين بامتياز، لأنه يجيد لعبة التضليل العالمي، يتحدث عن الديمقراطية وهو يهدمها، عن حقوق الإنسان وهو يسحقها، عن السلام وهو يزرع الموت. والأخطر من كل ذلك، أنه يتمتع بحصانة دولية، يحتمي خلف جدار الإفلات من العقاب، فيما العالم ينظر ويتفرج، أو يصفق في قاعات الأمم المتحدة ثم يعود ليبيع السلاح للقتلة.

وما يثير الرعب حقاً، أن ترامب ونتنياهو ليسا مجرد فردين طاغيين، بل هما رأس حربة لظاهرة أعمق وأخطر، هي تحالف الطغيان العالمي. لقد رأينا كيف احتضن ترامب نتنياهو كأخٍ وصديق، كيف نقل السفارة الأمريكية إلى القدس في تحدٍ سافر لكل الشرائع الدولية، كيف صفّق لضم الجولان وكأنها قطعة أرض تشترى من سوبرماركت. إنهما معاً يقدمان نموذجاً للتوحش الحديث: توحش لا يكتفي بقمع شعوبه، بل يتعداه إلى تدمير شعوب الآخرين، توحش يمتلك ترسانة نووية وإعلامية واقتصادية تجعله فوق المحاسبة وفوق القانون. ترامب في واشنطن يهدم الداخل الأمريكي بسياسات عنصرية وقرارات حمقاء، ونتنياهو في تل أبيب يهدم الخارج الفلسطيني بدباباته وطائراته، وكلاهما يتغذى على الخوف والكراهية والتضليل، وكلاهما يزرع الفوضى ليقطف منها السلطة.

وهنا نتذكر الفرق بين “التوحش التقليدي” و”التوحش الحديث”. فالتوحش التقليدي هو تلك الممارسات البدائية: سكين تحز رقبة، وفأس تشج رأساً، وجثث يمثل بها في الميادين. وهذا ما نراه في مقاطع التنظيمات الإرهابية التي تحاكي ألعاب الفيديو، حيث يتحول القتل إلى سيناريو معدّ بعناية. أما “التوحش الحديث” الذي يمثله ترامب ونتنياهو، فهو أشد فتكاً وأكثر حنكة، لأنه يتخفى وراء أقنعة القانون والعقلانية والتقدم. إنه توحش لا يحتاج إلى مشاهد إعدام جماعية، بل يكفيه بيان عسكري جاف يتحدث عن “ضربة دقيقة لعناصر إرهابية”. إنه توحش يقع خارج نطاق الصورة، خارج دائرة الضوء، فلا تذرف عليه دموع، ولا تُقام لأجله مآتم. والأخطر أنه يحظى بشرعنة دولية، فالدول الكبرى تمتلك رخصة القتل، وتعرف كيف توظف أجهزة استخباراتها لترتكب أبشع الجرائم خارج حدودها.

لكن رغم كل هذه الهيمنة المظلمة، يبقى في جسد التاريخ نبض مقاومة لا يخفت. فالحرية ليست هبة من أحد، بل هي ماهية الإنسان وجوهره. إنها تنمو في الظلام، في زنزانات القهر، في ليالي الخوف الطويلة، وتنتظر لحظة الانفجار. ولهذا، كل طاغية مهما طال عمره، محكوم عليه بالسقوط. دوام الحال من المحال، والطغاة لا يخلدون. ترامب سيرحل عن البيت الأبيض ويترك وراءه خراباً، لكنه قد يعود، ونتنياهو يسقط ويقوم، لكنه باقٍ ما دامت آلة القتل تعمل. ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحاً: كيف نواجه هذا الطغيان العالمي الجديد؟ كيف نفضح توحشه المتخفي وراء أقنعة الديمقراطية والتحضر؟

الجواب يبدأ من الداخل، من ترويض الوحش الذي يسكننا، من رفض العبودية الطوعية قبل رفض الطاغية. لأن الطاغية الخارجي ما هو إلا مرآة تعكس طغياناً داخلياً، والوحش في الشارع ما هو إلا صورة مكبرة للوحش في الروح. إن مواجهة ترامب ونتنياهو ليست مجرد معركة سياسية، بل هي معركة وجودية، معركة الإنسان ضد العدم، ضد الفراغ، ضد موت المعنى. ومن هنا، يصبح كل فعل حر، كل كلمة صادقة، كل حلم بالعدل، طلقة في قلب الطاغية، وخطوة نحو ترويض التوحش، وإعادة الإنسان إلى ذاته، إلى إنسانيته، إلى حريته التي لا تُقهر. والتاريخ، في نهاية المطاف، ليس مجرد سجل للدم والطغيان، بل هو أيضاً ساحة مفتوحة لصراع الأمل ضد الرعب، للحلم ضد الكابوس، للإنسان ضد الوحش. وفي هذا الصراع، يبقى السؤال مفتوحاً، والرهان قائماً، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

ولله في خلقه شؤون…؟.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.