من نهاية التاريخ إلى تدمير الحضارات: ثلاثية الوهم الغربي..

admin
2026-04-08T00:50:07+02:00
مقالات رئيس التحرير
admin8 أبريل 2026آخر تحديث : منذ شهرين
من نهاية التاريخ إلى تدمير الحضارات: ثلاثية الوهم الغربي..
  • مصطفى قشنني

عندما سقط جدار برلين عام 1989، لم يسقط مجرد بناء من خرسانة مسلحة يفصل بين عالمين، بل سقط معه وهم طويل من الصراع الأيديولوجي الذي شكّل وجدان القرن العشرين. وفي تلك اللحظة التاريخية الفارقة، وقف فرانسيس فوكوياما ليعلن فرحته المشؤومة بأن التاريخ قد انتهى، ليس بمعنى توقف الأحداث، بل بانتصار نهائي للديمقراطية الليبرالية ورأسمالية السوق كشكل نهائي للتطور البشري. كان فوكوياما، تلميذ هيغل عبر ألكسندر كوجيف، يظن أنه يقرأ روح العصر، لكنه في الحقيقة كان يكتب شهادة ميلاد لكابوس جديد. نهاية التاريخ، في رؤيته، تعني نهاية الصراعات الكبرى بين المشاريع الكونية، وتحول البشرية إلى مجرد تكرار ممل لنفس النمط: انتخابات، أسواق، استهلاك، وموت كل حلم يتجاوز الأفق الليبرالي. لكن هذه النهاية المزعومة لم تكن سوى وهم بصري لرجل غارق في نشوة النصر البارد.

ثم جاء صموئيل هنتنغتون ليكسر هذه النشوة بقسوة المفكر الواقعي، أو كما يحلو للبعض تسميته، نبي الصدام. في مقاله الشهير ثم كتابه “صراع الحضارات”، لم يقل هنتنغتون إن التاريخ لن ينتهي، بل قال إنه لم يبدأ أصلاً بالشكل الذي نحسبه. التاريخ الحقيقي، في نظره، ليس صراع أيديولوجيات ولا طبقات، بل صراع أعماق وجودية أثبت من أي فكر بشري: صراع الحضارات. إن هوياتنا العميقة – الدينية، الثقافية، اللغوية، التاريخية – هي التي سترسم خطوط المعركة القادمة. الغرب ضد البقية، المسيحية ضد الإسلام، الكونفوشيوسية ضد الهندوسية، والحضارة الغربية التي تعتقد أنها تقدم نموذجاً كونياً ستصطدم بجدران لا تقبل الانصهار. هنتنغتون كان أكثر جرأة من فوكوياما، لأنه لم يخف الحقيقة المرة: الليبرالية الغربية ليست قدراً كونياً، بل مجرد رواية محلية ترفض بقية الحضارات أن تكون جمهورها. وها هو العالم بعد ثلاثين عاماً يثبت صحة هنتنغتون في كل جبهة: من صعود الصين إلى عودة روسيا القيصرية، من امتداد النموذج التركي إلى تمرد الهندوسية الهندية، ومن حروب الجيل الرابع في الشرق الأوسط إلى تصدع أوروبا بين قيمها المسيحية وواقعها المهاجر.

ثم يأتي دونالد ترامب ليضرب بكل هذه النظريات عرض الحائط، أو بالأحرى ليحولها إلى كاريكاتير دموي. ترامب ليس مجرد رئيس أمريكي عابر، بل هو مفجر كل اليقينيات الغربية من الداخل. إذا كان فوكوياما قد بشّر بنهاية التاريخ، فترامب هو من دفن هذا الإنجيل تحت أنقاض مبنى الكابيتول. وإذا كان هنتنغتون قد تنبأ بصراع الحضارات، فترامب هو من حوّل هذا الصراع إلى تصدّع داخل الحضارة الغربية نفسها. لقد أتى ترامب ليقول: ليست الصين هي عدوتكم، بل المهاجر المكسيكي. ليس الإسلام هو الخطر الوجودي، بل حلفاؤكم الأوروبيون الذين يستغلون الناتو. ليس التعدد الثقافي هو التحدي، بل وسائل الإعلام التي تكذب عليكم. إن ترامب يمثل مرحلة جديدة من التدمير الحضاري، حيث تتحول كل الحروب الخارجية إلى حرب داخلية، حيث تصبح الحدود جدراناً نفسية قبل أن تكون مادية، حيث يصبح “نحن” فئة متقلصة تذبح “هم” المتخيل كل يوم في تغريدة.

لكن ترامب لم يكتفِ بهدم الحضارة الغربية من الداخل؛ بل مدّ يده إلى خارج الحدود ليعلن عن شكل أكثر فجاجة من “تدمير الحضارات” بالمعنى الحرفي. هنا يأتي التهديد لإيران كأمثولة صارخة. عندما غرّد ترامب أو صرّح أكثر من مرة بأنه سيُدمّر الحضارة الإيرانية، لم يكن يستخدم استعارات دبلوماسية، ولا كان يتحدث عن نظام سياسي أو برنامج نووي. كان يقول ما يعنيه بفظاظة ما بعد الحداثة: أنه يريد محو ثلاثة آلاف سنة ويزيد من التاريخ، وتمزيق النسيج الحضاري لبلاد فارس، وشطب اسم إيران من قائمة الأمم المتحضرة. إن تهديد ترامب بإيران ليس مجرد ورقة ضغط نووية، بل هو لحظة انكشاف للنيوليبرالية الغربية عن وجهها الإبادي. فوكوياما تنبأ بنهاية التاريخ السعيدة، وهنتنغتون تنبأ بصراع الحضارات المحكوم، أما ترامب فجسّد النهاية الحقيقية: نهاية أي أخلاق كونية، نهاية أي احترام للآخر، نهاية الادعاء بأن الحضارة الغربية تحمل مشروعاً إنسانياً. إن تهديده بتدمير إيران هو إعلان أن الحضارة الغربية، في ذروة قوتها، لا تسعى إلى نشر الحرية ولا إلى كسب العقول، بل إلى تحويل التاريخ إلى رماد. والمفارقة القاتلة أن إيران، التي يريد ترامب تدمير حضارتها، هي إحدى أعرق حضارات العالم، التي علمت البشرية مفهوم الدولة والإدارة والعدالة قبل أن يخرج أجداد ترامب من كهوف أوروبا. ولكن في منطق ترامب، الحضارة لا تُقاس بالكتب والمدارس والمساجد والقصور، بل بالقدرة على تهديد الآخرين بطائرات بدون طيار وعقوبات الحصار و التجويع.

إن العلاقة بين هذه الثلاثية – فوكوياما، هنتنغتون، ترامب – ليست علاقة تطور خطي، بل هي مثل حلم يتحول إلى كابوس ثم إلى جنون إبادي. فوكوياما أراد أن يريح العالم من عناء التاريخ، فأعطاه غيبوبة صناعية. هنتنغتون أيقظ العالم على صراخ الحضارات، فأعطاه حرباً باردة جديدة. أما ترامب فقد أخذ هذا الصراخ وجعله فوضى عارمة، حيث لا حضارة تنتصر ولا تاريخ ينتهي، بل مجرد تدمير يومي لكل المعاني التي بنيناها عن العقل والحرية والتقدم. ترامب هو نهاية تاريخ فوكوياما بطريقة ساخرة: نعم، انتهى التاريخ، لكن ليس لأننا وصلنا إلى القمة الليبرالية، بل لأننا أحرقنا كل الخرائط. وهو أيضاً صراع حضارات هنتنغتون في أنقى صوره: ليس صراعاً بين الغرب وآخر، بل صراع الغرب مع نفسه، حيث كل طرف يحمل حضارة بأكملها تحت جناحيه. وبتهديده بتدمير إيران، يضرب ترامب أروع مثال على أن “صراع الحضارات” لم يعد صراعاً على القيم، بل صراعاً على حق البقاء البيولوجي والتاريخي. إنه يعلن أن الحضارة الغربية مستعدة لقتل حضارة بأكملها، ليس لأنها تشكل خطراً استراتيجياً، بل لأنها مجرد “هم” يجب محوه من الخريطة الذهنية للعالم الأحادي القطب.

والسؤال الفلسفي الأعمق الذي يطرح نفسه الآن: هل كان فوكوياما ساذجاً وهنتنغتون كئيباً وترامب مجرد عَرَض مرضي، أم أنهم جميعاً وجوه لحقيقة واحدة مروعة؟ تلك الحقيقة تقول إن الحضارة الغربية، منذ لحظة إعلانها انتصارها النهائي، بدأت تتحلل من الداخل بفعل تناقضاتها الذاتية، وانحدارها إلى عنف بدائي لا تحكمه أخلاق ولا قانون دولي. تهديد ترامب لإيران ليس حادثة عابرة، بل هو مرآة تعكس وجه الغرب الحقيقي في القرن الحادي والعشرين: غرب لا يؤمن بنهاية التاريخ السعيدة، ولا حتى بصراع الحضارات المتحضر، بل يؤمن فقط بحقه في تدمير أي حضارة تقف في طريقه. لقد آمن الغرب بأن الديمقراطية والحرية ستجلبان السلام والازدهار للجميع، فجاء ترامب ليثبت أن الديمقراطية يمكن أن تنتج وحشاً يهدمها من الداخل. وآمن الغرب بأن السوق الحرة ستنشر القيم الكونية، فجاء ترامب ليضع رسوماً جمركية على كل من يختلف معه ويُجوع الأطفال في طهران. وآمن بأن العولمة ستمحو الحدود، فجاء ترامب ليبني جداراً على الحدود المكسيكية وجداراً آخر حول العقل الأمريكي، ويهدد بمسح حدود الحضارة الفارسية بأكملها من الوجود.

نعم، ربما كان فوكوياما محقاً في شيء واحد: التاريخ بمعنى الصراعات الكبرى حول المعنى قد انتهى حقاً. لكن ليس لأن الليبرالية انتصرت، بل لأننا دخلنا عصراً لا معنى فيه على الإطلاق، عصر التهديد الوجودي المباشر للحضارات الأخرى. وربما كان هنتنغتون محقاً في شيء آخر: صراع الحضارات هو الواقع الجديد، لكنه ليس صراع الغرب والشرق، بل صراع من يزال يؤمن بأن الحضارات تُبنى بالأفكار وبين من يعتقد أنها تُبنى بالجدران والتغريدات. وربما كان ترامب، في شراسته العبقرية، هو أكثرهم صدقاً: لأنه أظهر للعالم أن الحضارة الغربية، التي تحدثت عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، هي في النهاية مجرد قبيلة خائفة تسعى إلى البقاء، حتى لو كان البقاء يعني تدمير كل ما بنته بأيديها وتدمير غيرها من الحضارات العريقة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. إن تدمير الحضارات لم يبدأ بترامب، لكنه وجد فيه المتحدث الأكثر صدقاً، والأكثر فجاجة، والأكثر قدرة على قول ما لا يجرؤ أحد على التفكير به: ربما لا تستحق هذه الحضارة البقاء، وربما أن تدمير إيران لن يكون جريمة حرب، بل سيكون مجرد تغريدة أخرى في صباح من صباحات واشنطن الدافئة ليس إلا   .

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.