- مصطفى قشنني
كنت يا صديقي متشائماً، بل كنت متشائماً من الدرجة الأولى، متشائماً بامتياز، متشائماً لدرجة أن التفاؤل نفسه كان يخاف من الجلوس بجانبي في المقاهي الوجدية. لكن حتى أنا، بتشاؤمي الأسطوري الذي يُدرّس في معاهد التنبوء الكارثي، لم أكن أتخيل أن الكوميديا الانتخابية في وجدة ستصل إلى هذا المستوى من العبقرية السوداء. ها هي الخريطة السياسية تتضح، ها هي الوجوه تظهر من خلف الضباب، ويا للهول، إنها نفس الوجوه. نفس الوجوه التي لو رسمها فنان تشكيلي وقدمها في معرض تحت عنوان “قبح ما بعد الحداثة” لربح الجائزة الأولى. وجوه النحس بعينها، تطل علينا من جديد، وكأن الانتخابات عندنا ليست عملية ديمقراطية، بل برنامج تلفزيوني واقعي بعنوان “النجوم السوداء: لنر من سيفسد أكثر”.
إنهم هناك، يستعدون لتمديد تدبيرهم النحس، وكأن المدينة مرهونة لهم بالإيجار القديم. بل أكثر من ذلك، هم لم يغادروا الكراسي أصلاً. إنهم مازالوا هناك، يقبضون عليها بالمخالب والأنياب، يتشبثون بها كما يتشبث الغريق بآخر قطعة خشب، لكن الفرق أن الغريق يريد النجاة، أما هؤلاء فيريدون الغرق الجماعي. يعضون على ملفات بعينها بالنواجذ، ليس لأن تلك الملفات تهم المواطن، كلا، بل لأنها تهم جيوبهم ومصالحهم الخاصة. ملفات تُرى بالعين المجردة، ولو كان في المدينة رجل أعمى لقال: “هذه رائحة فساد نتنة تفوح”.
بعض هؤلاء الكائنات الانتخابية مثقل بملفات فساد تصل إلى السقف، ملفات لو وضعت فوق بعضها لبنيت ناطحة سحاب في محكمة جرائم الأموال في فاس. وبعضهم لا يزال في طور التحقيق، أي أن القضاء لم يفرغ بعد من فضائحه، وهو مع ذلك يزين نفسه للانتخابات كما تزين الحمار نفسه لسباق الخيل. وبعضهم الثالث – وهذه هي الذروة الكوميدية – لا يزال حبر كتابة حكم إدانته بالفساد لم يجف بعد. نعم، لم يجف الحبر! القاضي يمسح أنامله من الحبر، والمتهم يمسح قدميه لدخول السباق الانتخابي. مداد القضاء لم يجف، ومداد الملصقات الانتخابية سيغرق الجدران قريبا. أي تناغم درامي هذا؟ أي سيناريو عبثي يكتبه كاتب ساخر يائس؟
وهم يفعلون ذلك بدون حياء، بدون خجل، بدون حتى تكلف ارتداء قناع البراءة. إنهم أصبحوا كائنات انتخابية بامتياز، تطورت عبر السنين لتتكيف مع هذه البيئة العجيبة. لقد تحولوا إلى نوع جديد من الزواحف السياسية التي لا تموت ولا تندثر، بل تخرج كل أربع أو خمس سنوات من جحورها، تهرول نحو صناديق الاقتراع كما تهرول الضباع نحو الجيف. إن الانتخابات بالنسبة لهم ليست شرف خدمة، بل هي فرصة مقدسة لمراكمة الثروة، فرصة لتجديد مخزون السلطة، فرصة لتلميع الجاه الصدئ. يخرجون منها كل دورة بكرسي جديد أو بملف فساد إضافي أو بعلاقة جديدة تسهل لهم نهب ما تبقى من مقدرات المدينة.
أما مصلحة مدينة وجدة، مدينة الألفية التي شهدت حضارات وتعاقبت عليها دول، مدينة كانت يوماً قبلة التجار والعلماء والأدباء، مدينة كانت حديقة للشرق المغربي… هذه المصلحة؟ يقولون عنها: “فلتذهب إلى الجحيم”. وليس أي جحيم، بل جحيم من سبعة أبواب، كل باب عليه اسم مسؤول فاشل. وجدة يا حسرتاه، وجدة التي كانت تتنفس خضرة وبهجة، أصبحت قرية كبيرة. بل عفواً، هذا إهانة للقرى. هناك قرى في الأطلس المتوسط أنظف وأكثر تنظيماً منها. وجدة الآن عبارة عن ساحة معركة بين الفوضى والإهمال.
الفضاءات الخضراء التي كانت زينة المدينة في زمن مضى، تلك المتنزهات والبساتين التي كان العشاق يتبادلون فيها الغرام والأهازيج، أين ذهبت؟ إما أن تكون قد تحولت إلى مرامي قمامة غير رسمية، أو إلى أرض قاحلة تباع وتشترى بعقود مشبوهة، أو إلى سوق للباعة الجائلين الذين يبيعون كل شيء من الجوارب إلى الدجاج. طرقات المدينة محفرة كوجه رجل عجوز عانى من الجدري. تحفر هنا، وتُفتح هناك، ثم تُترك مكشوفة كجرح لا يندمل. الشوارع تئن تحت وطأة الحفر التي لا تنتهي، وكأن المدينة تخوض حرباً تحت الأرض مع شعب من الخنافس العملاقة.
غياب التشوير الطرقي واضح كالشمس. لا إشارات، لا لوحات، لا ممرات للراجلين. السائح الذي يزور وجدة يحتاج إلى مرشد سياحي خاص به، وإلى جراح عظام أيضاً، لأنه حتماً سيسقط في حفرة أو ستصدمه سيارة لأنه لم يجد مكاناً آمناً لعبور الشارع. أما الفوضى في الشارع العام فحدث ولا حرج. احتلال الملك العمومي تحول إلى رياضة وطنية في وجدة. الباعة يضعون بضائعهم في منتصف الرصيف، والمقاهي تمدد كراسيها حتى منتصف الطريق، والدراجات النارية وحتى السيارات تصعد إلى الأرصفة كما يصعد الجدول إلى الضفاف. إنه عرض فوضوي مبهر، مشهد عبثي يستحق التصفيق، لأنه وصل إلى درجة من العبقرية في اللا تنظيم.
انتشار مظاهر البداوة في المدينة يكاد يطمس هويتها الحضرية. لست ضد البداوة بطبيعة الحال، فهي جزء من تراثنا، لكن أن تجد قطيعا وعربات مجرورة بالبغال والحمير تمر من شارع محمد الخامس أو أغناماً ترعى في حديقة لالة مريم، فهذا يحتاج إلى وقفة. والكلاب الضالة؟ إنها أصبحت جزءاً من المشهد اليومي، تتجول في أسراب وكأنها دورية أمنية خاصة بها. ربما هي الأكثر تنظيماً في المدينة، لأنها على الأقل تعرف أين تذهب، تنقل المواطنين كالبهائم عبر تريبورتورات الهوندات والعربات المجرورة بالحمير في غياب شبه تام للنقل الحضري فتلك قصة درامية أخرى.
مراكز الترفيه ودور الشباب والثقافة؟ أسألك بالله، متى كانت آخر مرة فتحت فيها دار شباب في وجدة؟ أغلبها إما موصد بالأقفال الصدئة، وإما خارج الخدمة كلياً، وإما تحولت إلى مستودعات لا علاقة لها بالثقافة والشباب. شاب وجدة الذي يريد أن يقرأ كتاباً أو يمارس هواية أو يشاهد عرضاً مسرحياً، أمامه خياران: إما أن يجلس في مقهى إنترنت مُهترئ، أو أن يهاجر إلى مدن أخرى. وهذا بالضبط ما يفعله الكثيرون.
التشغيل والتنمية؟ في مدينة تملك أكثر من مركز استثماري، ووكالة تنمية جهة الشرق، ووكالة التهيئة، ولجاناً ولجنات ولجاناً عليا ولجاناً دنيا. كل هذه المؤسسات التي تحمل أسماء براقة مثل “النهوض” و”التأهيل” و”الشرق المتجدد”، ماذا أنتجت؟ وجدة من أكثر المدن المغربية هشاشة، وبطالة، وفقراً. شاب وجدة إذا لم يهاجر إلى أوروبا مخاطِراً بحياته في قوارب الموت، يبقى عالقاً في دوامة البطالة التي لا تنتهي، ينتظر فرصة عمل وهمية لا تأتي من تلك الوكالات الوهمية.
أغلبية المسؤولين الذين تمت توليتهم على المدينة منذ مدة طويلة هم إما فاشلون بامتياز، أو لا حس تنموي في أذهانهم أصلاً. هناك من يغلق أبواب مكتبه منذ اليوم الأول لمجيئه إلى المدينة رفعا للحرج، ولا يفتحها إلا لالتقاط الصور التذكارية في المناسبات الرسمية. وهذا النوع يعتبر أفضل من النوع الآخر، لأنه على الأقل لا يحدث ضرراً إضافياً. أما النوع الآخر، فهو الأسوأ: أولئك الذين ليس لديهم لا في العير ولا في النفير، لا يفهمون في التخطيط الحضري، ولا في الاقتصاد، ولا في البيئة، ولا في أي شيء يخص المدينة. لكنهم يتقنون فناً واحداً: فن الإلتصاق بالكرسي. كيف يفعلونها؟ هذا سؤال يحير الباحثين والأنثروبولوجيين. ربما هم يمتلكون سحراً أسود يجعل الناخبين يرونهم كل دورة وكأنهم أبطال جدد.
هكذا تمضي وجدة في رحلتها الأليمة، مدينة تحمل على كتفيها ألف عام من التاريخ، وهم يحولونها إلى كابوس انتخابي يتكرر كل بضع سنوات. نعم أنا متشائم، لكن تشاؤمي لم يخبرني أن الأمور ستصل إلى هذا السخف. الكوميديا الإلهية لدانتي كانت جحيماً، لكن كوميديا وجدة الانتخابية تجعل جحيم دانتي يبدو كنزهة في حديقة…
لكن، وعودا على بدأ فقط أتساءل:من يريد تدوير المرحلة المقبلة بوجوه النحس ذاتها؟ من يراهن على نفس الكائنات الانتخابية المثقلة بملفات الفساد؟
لماذا يُصرّون على تسمية نفس الوجوه التي حوّلت وجدة من مدينة ألفية إلى قرية كبيرة تعيش على ذاكرة خضرتها الضائعة؟ هل يعقل أن يكون هؤلاء هم الأكفاء الوحيدون؟ أم أن اللعبة صُنعت أصلاً لتبقى الكراسي في دائرة مغلقة، يتبادلها الفاسدون كما يتبادل اللصوص البطاقات المسروقة؟
هل يستحيل التفكير في صيغ أخرى ناجعة ومجدية؟ هل يمكننا تخيل قانون يمنع المحكومين بالفساد من الترشح ولو بعد انقضاء عقوبتهم؟ هل يمكن أن نُحدث هيئات مستقلة تزكّي النزاهة قبل الصندوق، بدلاً من أن تُزكّي الأموال النجسة؟ هل يمكن أن نعيد الثقة للعمل السياسي بوجوه جديدة لم تتعلم بعد كيف تكذب ببراعة؟ هل يمكن أن نعيد الطمأنينة إلى قلوب المواطنين الذين باتوا يرون في الانتخابات لا أكثر من موسم لترحيل الفساد من عام إلى عام؟
لكن لا، يبدو أن أحداً يريد ذلك. بعض – أقول بعض – من يملكون القرار يجدون مصلحتهم في استمرار العبث. فالوجوه الفاسدة سهلة الابتزاز، مطيعة الأوامر، لا ترفع شعاراً ولا تلتزم ببرنامج. هم أفضل حراس للوضع القائم. أما الوجوه النزيهة فمزعجة، تسأل، تطالب، تكشف، تهدد المصالح.
لذا نحن نسير بثبات نحو الهاوية. ليس سيراً، بل ركضاً. وكلما اقتربنا من الجدار، وجدنا نفس الوجوه هناك تصفق لنا وتقول: “مرحباً بكم في الديمقراطية”. الفرق الوحيد أن الجدار هذه المرة ليس جداراً إسمنتياً، بل جدار من خيبات متتالية، من كراسي مختلسة، من مدينة تئن تحت نير النحس الإنتخابي. ارتطامنا به لن يحدث دوياً، بل صمتاً مخيفاً: صمت الذين فقدوا الأمل فقط.







