- مصطفى قشنني
لنتوقف لحظة، لا لنتأمل المشهد بل لنغوص في جوهره، لنسأل أنفسنا سؤالاً قد يبدو بسيطاً في ظاهره لكنه عميق في جذوره: هل الانتخابات التي سنعيشها هي بالفعل انتخابات؟ أم أنها مجرد طقس نؤديه لنخدع أنفسنا بأننا نمارس الديمقراطية؟ إن الإجابة ليست في صناديق الاقتراع، ولا في اللوحات الإعلانية، ولا في الخطابات الحماسية التي تملأ الساحات، بل في ذلك الصمت الذي يملأ عيون الكثير من الشباب وهم يغلقون الهواتف بعد مشاهدة برامج حزبية، يضغطون على زر العزل بينهم وبين السياسة، وكأنهم يغلقون باباً لا يريدون فتحه مرة أخرى. هذا الصمت هو الإجابة، وهذا الإغلاق هو التعبير الأوضح عن حالة لا يمكن وصفها إلا بأنها اغتراب سياسي، اغتراب عميق بين المواطن وكل ما يسمى سياسة، اغتراب يجعل من الديمقراطية مجرد كلمة مترهّلة، لا تعني شيئاً في قاموس الحياة اليومية.
وهذا الصمت الذي يلفّ المشهد السياسي المغربي ليس مجرد غياب للصوت، بل هو حضور كثيف، حضور يكشف عن أزمة أعمق من أزمة النخب والتمثيل، إنها أزمة المعنى ذاته. فالمواطن الذي يغلق هاتفه بعد مشاهدة برنامج حزبي لا يمارس عزلة، بل يمارس احتجاجاً، احتجاجاً بلغة لا يفهمها إلا من يعرف أن الصمت أحياناً يكون أبلغ من الكلمات، وأن الانسحاب قد يكون أقوى حضور. في اللحظة التي يقرر فيها الشاب أن لا يصوت، أنه لا يشارك، أنه يبتعد، فإنه لا يبتعد عن السياسة فقط، بل يبتعد عن كل شيء يبدو له زائفاً، يبتعد عن كل شيء يبدو له غير حقيقي، عن كل شيء لا يستحق وقته ولا جهده ولا قلقه. إنه يمارس ما يمكن تسميته بـ”الانسحاب النشط”، وهو انسحاب يختلف عن اللامبالاة، لأنه انسحاب واعٍ، انسحاب يعرف جيداً ما يفعله، انسحاب هو في الواقع رفض، رفض لا ينطق به، لكنه يكتبه بحروف صامتة في يومياته. إن هذا الانسحاب ليس هروباً، بل هو حكمة، حكمة تقول إنه في بعض الأحيان، يكون السكوت هو الكلمة الوحيدة التي تستحق أن تقال، وأن عدم المشاركة في لعبة زائفة – كما يظن البعض – هو أصدق شكل من أشكال المشاركة الحقيقية.
إن السؤال الحقيقي ليس لمن تصلح الانتخابات؟ بل السؤال الأعمق هو: هل الانتخابات نفسها ما زالت صالحة لهذا الزمن؟ إننا نتحدث عن تجديد النخب، عن إشراك الشباب، عن تمكين الكفاءات، وكأننا نتحدث عن إصلاح سيارة قديمة، نُغيّر إطاراتها ونُلمّع هيكلها، لكننا لا نجرؤ على النظر إلى المحرك الذي يتآكل من الداخل، ولا إلى العجلات التي تطحن كل جديد كلما حاول الدخول إلى عجلة السياسة. إننا نرفع شعارات التجديد في المؤتمرات، ونطلقها في الخطابات، وكأننا نرمي بذوراً على أرض صخرية لا تنبت، لأن المنظومة السياسية المغربية، في بنيتها العميقة، ليست مهيأً لاستيعاب الجديد، بل هي مهيأ لطرده، ليس لأنها لا تريد التغيير، بل لأنها لا تعرف كيف تتعامل معه، وكأن التغيير هو العدو الذي يجب هزيمته.
إن المشهد السياسي في بلادنا يعجّ بالأسماء التي لا تتغيّر، بوجوه تتردد كأنها تدور في حلقة مفرغة لا نهاية لها، وجوه تجد طريقها إلى الكراسي بقدرة فائقة على الظهور في كل الحلقات وكأنها أضواء لا تخفت. وكل هذه الوجوه تعلن عن ولائها للحزب، لكنها في الحقيقة ولاء للكرسي، ولاء للسلطة، ولاء للمكانة التي تمنحها إياه. إنها ليست وجوهاً بقدر ما هي أقنعة تتغير بتغير المناسبات، أسماء لا تمتلك أي رؤية، بل تمتلك فقط قدرة على البقاء، وقدرة على التكيف مع أي حزب، ومع أي شعار، ومع أي مرحلة، وكأن السياسة ليست التزاماً بل هي فن البقاء على قيد الحياة في غابة من الكراسي.
وفي هذا السياق، تبرز ظاهرة غريبة قد تبدو طريفة لو لم تكن مأساوية، ظاهرة الزعيم الذي يختار “مول اشكارة” مرشحاً له، ويعتبر هذا الاختيار إنجازاً سياسياً، وكأن السياسة ليست حواراً بين العقول، بل هي طاعة وامتثال، وكأن الديمقراطية ليست مشاركة في القرار، بل هي تكريس للقرار الواحد، وكأن الكفاءة ليست مطلوبة، بل المطلوب هو ذلك الشخص الذي لا يفكر، لا يسأل، لا يناقش، لا يرفض، لا يقترح، بل فقط يطيع، فقط ينفذ، فقط يردد “سمعاً وطاعة” وكأنه في رقصة طقسية تعبد الكرسي. إن اختيار “مول اشكارة” ليس مجرد خطأ في التقدير، بل هو فلسفة سياسية كاملة، فلسفة ترى أن السياسة ليست حكمة، بل هي جندية، وليست عقلانية، بل هي انقياد، وليست إبداعاً، بل هي تكرار.
لكن هذا الاختيار لا يأتي من فراغ، إنه يأتي من بنية سياسية تقليدية عتيقة ترى في العقل المتمرد تهديداً وجودياً، وتعتبر أن كل شاب متعلم هو عدو محتمل، كل امرأة حرة هي تحدٍ مكشوف، كل رأي مخالف هو خيانة، وكل نقاش هو خرق للانضباط. هذه البنية تبني نفسها على الخوف من الكفاءة، ليس لأنها عاجزة عن فهمها، بل لأنها تعلم أن الكفاءة إذا دخلت، ستكشف زيفها، وستفضح ضعفها، وستكشف أن الأمر لا يقوم على الكفاءة بل على العلاقات، على الولاءات، على الخدمات المتبادلة. لذلك تختار القيادة الحزبية من لا يفهم إلا لغة الطاعة، ومن لا يعرف إلا فن الانحناء، ومن لا يملك إلا سيرة ذاتية مكتوبة بإملاءات الحزب، لا بإنجازاته الشخصية.
إن الانتخابات في ظل هذا النظام ليست صراعاً بين الأفكار، ولا بين البرامج، بل هي صراع بين الأسماء، صراع لا يغير شيئاً، لأن الفائز في النهاية هو نفسه الذي كان سيفوز لو لم تقع الانتخابات، هو نفسه الذي كان سيحصل على الكرسي حتى لو لم يذهب أحد إلى صناديق الاقتراع. إنها انتخابات لا تفرز نخباً جديدة، بل تقوم فقط بتأكيد نخب قديمة، انتخابات لا تخلق ديمقراطية، بل تعيد إنتاج ديمقراطية عرجاء، ديمقراطية تسير على ساق واحدة، ساق الوعود، وتجر الأخرى خلفها جراً، كأنها أسيرة لا تتوقف عن السقوط. إنها ديمقراطية لا تنتج سوى خيبة الأمل، خيبة أمل الشباب الذين صدقوا الخطابات ذات يوم، خيبة أمل النساء اللواتي انتظرن دورهن، خيبة أمل الكفاءات التي قدمت ملفاتها وذهبت أدراج الرياح.
لماذا يصوت الشاب إذا كان صوته لا يغير شيئاً؟ لماذا يشارك في طقس لا ينتج سوى تكرار المألوف؟ الشاب الذي يصهر الليل وهو يتابع ما يجود به العالم من أفكار، يرى أن السياسة في بلاده لا تزال رهينة لعلاقات قديمة، لانتماءات تقليدية، لولاءات قبلية، يرى أن المال في الكثير من الأحيان هو الفيصل، أن الوعود هي العملة التي تشترى بها الأصوات، أن الكراسي لا تمنح للكفاءة ، وأن الوضع العام يعتمد على إبقاء المواطن في حالة من الضياع، لا يعرف لمن يصوت، ولا يعرف ماذا يريد، ولا يعرف أن صوته هو حجر الزاوية، ليس فقط في الديمقراطية، بل في كل علاقة بين المواطن والدولة، وأن تهميش هذا الصوت هو تهميش للدولة نفسها وانزياح عن التوجيهات الملكية السامية في هذا الصدد، هو تهميش للوطن، هو تهميش للمستقبل – طبعا أنا لا أعمّم لأن هنالك سياسيون شرفاء لكن قليل ما هم-.
إن أزمة السياسة في المغرب ليست أزمة كفاءات، بل أزمة ثقة، ثقة مهشمة بين المواطن والمنظومة السياسية، ثقة انتهت بإصرار الأحزاب على إعادة إنتاج وتدوير نفسها، بإصرارها على عدم تعلم أي درس من الانتخابات السابقة، بإصرارها على أن تبقى كما هي، وكأنها لا تريد أن تتغير، وكأن التغيير هو العدو الذي يجب هزيمته. هذه الثقة لن تعود إلا إذا تغيرت القواعد، إذا أصبح الانتخاب حقيقياً، إذا أصبح الصوت فعالاً، إذا أصبحت الكفاءة هي المعيار، وإذا أصبحت السياسة خدمة عامة، وليست وسيلة خاصة.
إن الشاب الذي يعيش هذا الواقع، الذي يرى الوجوه نفسها تتردد، الأسماء نفسها تتكرر، الأقنعة نفسها تتجدد، لا يمكن إقناعه بأن يذهب إلى صندوق الاقتراع وهو يعلم أن ما يفعله ليس سوى وضع ورقة في صندوق لا يغير شيئاً، لا يحقق شيئاً، لا يبني شيئاً. إن هذا الشاب يبحث عن معنى لصوته، يبحث عن قيمة لمشاركته، يبحث عن أثر لمشاركته، لكنه لا يجد إلا الوجوه نفسها، والوعود نفسها، والخطابات نفسها، وكأنه يعيش في زمن لا يتغير، في حلقة لا نهاية لها، حيث كل شيء يعود إلى نقطة الصفر. إنه لا يريد أن يكون مجرد متفرج، بل يريد أن يكون فاعلاً، لكن الفاعل السياسي لا يمنحه هذه الفرصة، لأن هذا الفاعل لا يريد فاعلين بل مفعول بهم، يريد متفرجين، متفرجين يصفقون، متفرجين يؤيدون، متفرجين يصوتون ولا يسألون.
ولكن هذا الصمت، كما هو مؤلم، هو أيضاً أمل، لأنه صمت يمكن أن يتحول إلى كلمة، وكلمة يمكن أن تتحول إلى فعل، وفعل يمكن أن يتحول إلى تغيير. لأن الصمت، في النهاية، ليس سوى أرض خصبة تنتظر بذرة، وليس سوى رحم ينتظر ولادة، ولادة جديدة، ولادة وعي جديد، وعي لا يكتفي بالمراقبة، بل يشارك، ولا يكتفي بالانتظار، بل يبادر، ولا يكتفي بالنقد، بل يبني. وهذا الوعي الجديد هو الوحيد الذي يمكن أن يخرج الانتخابات من دائرة الطقس إلى دائرة الفعل، ومن دائرة التكرار إلى دائرة الإبداع، ومن دائرة اليأس إلى دائرة الأمل.
ولكن ربما نكون أخطأنا السؤال منذ البداية. لم نكن بحاجة إلى أن نسأل “لمن تصلح الانتخابات؟”، بل كان ينبغي أن نسأل: “هل نحن مستعدون لأن تكون الانتخابات شيئاً آخر غير ما كانت عليه من قبل؟” لأن الانتخابات، في جوهرها، ليست سوى مرآة تعكس ما نحن عليه، وليست أداة تصنع ما نريد أن نكون. فالمرآة لا تكذب، لكننا نخاف من رؤية أنفسنا فيها، فنلوم المرآة، ونكسرها، ونشتري أخرى، ونظل نبحث عن مرآة تُرينا ما نريد، لا ما نحن عليه. والانتخابات التي سنعيشها ليست إلا مرآة تعكس واقعنا السياسي، تعكس ضعفنا، تعكس خوفنا من التغيير، تعكس تمسكنا بالمألوف حتى لو كان مريضاً. إنها تعكس أننا مجتمع لا يثق في نفسه، لا يثق في شبابه، لا يثق في كفاءاته، لا يثق في قدرته على الابتكار، لا يثق في أنه يستطيع أن يختار، وأن يقرر، وأن يغير.
إن التغيير الحقيقي لا يأتي من صناديق الاقتراع، بل يأتي من وعي المواطن بأنه ليس مجرد ناخب، بل هو صانع القرار، وأن صوته ليس مجرد ورقة، بل هو إرادة، وأن كراسي السياسة ليست سوى مقاعد مؤقتة، وأن الوطن ليس مجرد منصة لخطباء، بل هو مسرح لأبطال. فالانتخابات لا تصلح إلا لمن يصلح نفسه أولاً، ولا تنفع إلا من ينفع غيره، لأن السياسة في النهاية ليست لعبة كراسي، بل هي فن العيش المشترك، وهي أخلاق المسؤولية، وهي التزام بالآخر، وهي بناء للمستقبل.
والحقيقة الأعمق هي أننا لسنا بحاجة إلى انتخابات تفرز نخبًا جديدة، بل نحتاج إلى مجتمع يفرز وعيًا جديدًا، وعيًا يدرك أن الديمقراطية ليست حدثًا موسميًا، بل هي ممارسة يومية، هي قرار صغير في كل بيت، هي كلمة حق في كل مجلس، هي رفض للخنوع في كل موقف. الديمقراطية لا تُصنع في صناديق الاقتراع وحدها، بل تُصنع في كل شارع، في كل حي، في كل مدرسة، في كل مستشفى في كل فرصة عمل في كل ورشة، في كل علاقة إنسانية. وعندما يدرك المواطن أن المسؤولية ليست ملقاة على عاتق المنتخبين فقط، بل هي ملقاة عليه، عندها فقط تتحول الانتخابات من طقس إلى فعل، ومن حلم إلى واقع. لذلك، أيها الشاب، لا تقل إن الانتخابات لا تصلح لأحد، بل اسأل نفسك: هل أنت صالح لأن تكون مواطناً؟ لأن المواطن الصالح هو الذي يصنع الانتخابات الصالحة، هو الذي يفرز النخب الصالحة، هو الذي يخلق الحياة السياسية الصالحة. وفي اللحظة التي ندرك فيها أننا جميعاً مسؤولون، نكون قد فتحنا الباب للتغيير الحقيقي.








