محنة أبناء الجالية مع جواز السفر المغربي التي لا تنتهي..

admin
2026-07-16T18:49:58+02:00
شكاوى المواطنين
adminمنذ 24 ثانيةآخر تحديث : منذ ثانية واحدة
محنة أبناء الجالية مع جواز السفر المغربي التي لا تنتهي..
  • رسبريس

في وعدٍ قطعه المغرب على نفسه، كانت الجالية المغربية في الخارج تحمل في حقائبها، إلى جانب حنينها للوطن، ثقةً مطلقة في جهاز إداري يواكبها أينما حلّت، ويُسير معاملاتها بسرعةٍ تليق بمكانتها كسفراء للمملكة في أصقاع الأرض. كان تجديد جواز السفر، ذلك الممرّ الآمن للعودة إلى الديار، يتم في أقل من أسبوع، وكأنه رسالةٌ ضمنية من الرباط مفادها: “أنتم أولويتنا، وأنتم نبضنا النابض في المهجر”. لكن هذه الصورة المشرقة، التي كانت مصدر فخرٍ لكل مغربي مقيم بالخارج أو حتى بالداخل، بدأت تتلاشى بسرعةٍ مخيفة، لتحلّ محلها كوابيس إدارية تحوّلت إلى كابوس يومي ينهش في استقرار عائلات بأكملها.

فاليوم، وبينما كانت البيروقراطية المحلية في بعض الدول تتراجع، إذا بالبيروقراطية المغربية تتفشى في أبسط معاملة، وتجعل من تجديد وثيقة السفر رحلة محفوفة بالمخاطر. عشرون يوماً، أو تزيد، هي المدة التي أصبحت تفصل المغربي عن جواز سفره، عشرون يوماً من القلق والترقب، عشرون يوماً تحوّلت فيها حياة الناس إلى رهينة لختم إداري يتعذر استخراجه. لم يعد الأمر مجرد تأخير روتيني، بل تحوّل إلى أزمة إنسانية بامتياز، حيث يرتبط بمصير مواعيد طبية دقيقة، كانت الأمل الوحيد في الشفاء، بجواز سفر عالق في رفوف إحدى المصالح. أطفال ينتظرون آباءهم، مرضى يترقبون أدويتهم، وعجزة يحتاجون إلى من يسندهم، كلهم أصبحوا ضحية لتلك الأيام العشرين أو يزيد التي تتضاعف كأنها سنوات، في انتظار وثيقة لم تعد مجرد بطاقة عبور، بل أصبحت شهادة حياة.

والأمر لا يتوقف عند المواعيد الطبية، فالمساعدات الاجتماعية التي تصل إلى الأسر المغربية في المهجر، والتي كانت شريان حياة للكثيرين، أصبحت معلقةً بخيط رفيع، إذ تتطلب هوية ثبوتية سارية المفعول. والطرق القانونية التي تتطلب تدخل صاحب العلاقة شخصياً، كلها تجمّدت أمام هذا الجمود الإداري. لكن المفارقة الأكثر إيلاماً، هي تلك الرحلات التي يتم إلغاؤها في آخر لحظة، وتلك التذاكر الباهظة الثمن التي تتحول إلى رمادٍ في أيدٍ لا ذنب لها، لتُضاف إلى معاناة الجالية خسائر مادية فادحة، كان يمكن تفاديها بلحظة من اللطف الإداري، أو بتذكّر بسيط بأن وراء كل جواز سفر قصة إنسان.

أين ذهب شعار العناية بالجالية الذي رفعته الدولة؟ أين تلك اللمسة الرسمية التي كانت تفيض حناناً على أبنائها في الخارج، والتي جعلت من قنصلياتنا صروحاً للخدمة لا عوائق للانتظار؟ كيف يمكن لنا أن ندّعي بأننا دولة حديثة، ودولة المؤسسات، بينما نعجز عن تجديد جواز سفر في زمنٍ أصبحت فيه التكنولوجيا تختصر المسافات وتُنجز المعاملات في ثوانٍ؟ إن هذا التراجع لم يعد مجرد عيب بيروقراطي، بل أصبح جرحاً نازفاً في جسد العلاقة بين المغرب وأبنائه المغتربين، الذين يشعرون اليوم أنهم يُعاقبون على ولائهم، وأنهم يدفعون ثمن حبهم للوطن بانتظارٍ لا طائل من ورائه.

إن المغرب الذي يتباهى بقفزاته الاقتصادية، ويستقبل المستثمرين بذراعين مفتوحتين، لا يمكنه أن يغفل عن معاناة جاليته التي هي الرئة التي يتنفس بها. لقد آن الأوان لمراجعة هذا النظام الإداري المتقادم، وتطويق البيروقراطية التي تحولت إلى وحشٍ يلتهم أوقات الناس وأموالهم، وإعادة الاعتبار لتلك الثقة التي طالما منحها المغاربة لدولتهم. فالجواز ليس مجرد وثيقة، إنه عهد، والعهد يا سادة يجب أن يُحترم.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.