- مصطفى قشنني
ليس ثمة مشهدٌ أكثر إثارةً للشفقة من رجلٍ يحمل ماضيًا لا يؤمن به، ويبيع حاضرًا لا يملكه، وينتظر مستقبلًا لا يستحقه. هذا هو “الشيوعي الأخير” في لحظته الأخيرة: لا شيوعيٌّ لأنه تخلّى، ولا آخرٌ لأنه لا يزال يقف على خشبة المسرح بعد أن أسدل الستار. إنه كائنٌ سياسيٌّ هجين، وُلد من رحم انهيارٍ إيديولوجيٍّ كبير، وترعرع في مختبرات الانتخابات، وتغذّى على فضلات الخطابات الثورية. جاء بقوةٍ انتهازيةٍ لا هدف لها سوى حصد الأصوات، فحصد حفنةً من المقاعد لا ترتقي إلى فريق. والحفنة، في المنطق الانتخابي، ليست قوةً ولا وجودًا، بل هي اعترافٌ مكتوبٌ بأنك حاضرٌ بلا وزن، موجودٌ بلا تأثير، مقعدٌ بلا ظهرٍ يسندك. ومن هنا تبدأ المأساة: رجلٌ انتصر في معركةٍ لم يكن فيها خصم، فظنّ أن النصر صناعته، وهو في الحقيقة صناعة غياب الآخر.
لكن المفارقة الأعمق ليست في الانتخابات، بل في البنية الفكرية لهذا الكائن. إنه يجمع ما لا يُجمع: الإسلام والماركسية والليبرالية والانتهازية، ليس كتركيبٍ جدليٍّ يُنتج وعيًا جديدًا، بل كخلطةٍ انتخابيةٍ جاهزة. يحفظ من ماركس جملة “الدين أفيون الشعوب” ثم يصلي الجمعة ويأكل الكسكس ويشرب اللبن ليكسب أصوات الحي. يؤمن من الليبرالية بالحرية الفردية ثم يمارس السلطة الحزبية بيدٍ من حديد. هذا ليس تناقضًا فكريًا فحسب، بل هو انفصالٌ كاملٌ بين الفكر والجسد، بين العقل والسلوك. إنه يفكّر بعقلٍ ويؤدّي بجسدٍ آخر. وهنا تكمن الكوميديا السوداء: رجلٌ لا يحمل أفكاره في قلبه، بل في جيبه، ويستدعيها عند الحاجة كما يستدعي تاجرٌ بضاعته من الرفّ الخلفي.
وهكذا، يتحوّل التاريخ إلى حرفة. كان رفاقه في زمن الحرب الباردة يرفعون المظلة في الدار البيضاء حين كانت سماء موسكو أو ستالينغراد تمطر. مظلةٌ من ورق، تظلّلهم من الرأسمالية العالمية، لكنها لا تحميهم من بلل الواقع. كانوا يهتفون للثورة في القاعات المكيّفة، ويوزّعون المنشورات في الأزقة الضيقة، ويحلمون بجنّة العمال، ثم يعودون إلى بيوتهم ليشربوا الشاي بالنعناع ويشاهدوا الأخبار بلغةٍ أجنبية. وحين سقط جدار برلين، سقطت معه المظلة، فبقوا يحملون العصا، والعصا لا تظلّل. وهنا ينكشف السؤال الأعمق: هل كانت الشيوعية لديهم عقيدةً أم وظيفة؟ هل كانت مشروع تغييرٍ أم وظيفةً في جهازٍ حزبيّ؟ الجواب لا يأتي من الكتب، بل من سلوك “الشيوعي الأخير” اليوم. لقد انتقل من رفع المظلة إلى بيعها. ومن يبيع مظلّته في العاصفة، لا يمكن أن يكون قد آمن يومًا بالمطر.
والأدهى أن هذا التحوّل لا يزعجه. يرفع شعار “لا للامبريالية” ثم يهرول إلى سفاراتها للتأشيرة، ويقول “لا للرأسمالية” ثم يفتح حسابًا في بنكٍ أوروبي. تناقضٌ لا يحمله في قلبه، بل في جيبه. لماذا؟ لأن الفكر عنده ليس مرجعيةً أخلاقية، بل أداةً براغماتية. والبراغماتية، حين تُفصل عن الأخلاق، تصبح انتهازية. والانتهازية، حين تُفصل عن المبدأ، تصبح مهنة. والمهنة، حين تُفصل عن الرسالة، تصبح مجرد وسيلةٍ للبقاء على الكرسي. وهنا يتضح أن الغاية لا تبرّر الوسيلة، بل تفضحها. ميكيافيلي كان يعلم الأمراء، أما صاحبنا فيتعلم من الأمراء، ويطبّق على الرفاق.
لكن الانقلاب الحقيقي ليس على ماركس ولينين، بل على الذات. إنه انقلابٌ على الذاكرة، على الانتماء، على المعنى. الرجل الذي قال يومًا إن الشيوعية هي الحل، يقول اليوم إن الحل هو المقعد. الرجل الذي آمن بأن الطبقة العاملة هي المحرّك، أصبح يرى أن الصندوق هو المحرّك. الرجل الذي رفع راية التغيير الاجتماعي، رفع اليوم راية البقاء الشخصي. هذا ليس تطوّرًا فكريًا، بل ارتدادٌ وجوديّ. إنه لم يتغيّر لأنه اقتنع، بل لأنه خاف. خاف من الفناء، فاختار الاندماج. خاف من العدم، فاختار الوجود الشكليّ. خاف من الموت السياسي، فاختار الحياة الانتخابية. وهكذا، يبيع الشيوعي الأخير مظلّته ويشتري كرسيًا. لكن الكرسي، في النهاية، ليس وجودًا. الكرسي مجرد عرشٍ في غرفةٍ فارغة. وحين يدخل الحكومة، ولو لوحده، سيحتفل. سيصوّر نفسه في حفل الإستقبال الحكومي، ويقول: “ها أنا ذا، رفيقكم، وصلت”. لكنه لن يصل إلى شيء، لأنه لا يحمل رسالة، بل يحمل حقيبة. سيعقد المؤتمرات، ويطلق التصريحات، ويعد بالعدالة الاجتماعية، ثم ينسى. الرفاق القدامى سينظرون إليه من بعيد، بعضهم سيبكي، وبعضهم سيسخر، وبعضهم سينتظر دوره في الصف.
والسؤال الأعمق: لماذا يبقى؟ لماذا لا يعتزل؟ لأنه لا يستطيع. الانتهازي لا يعتزل، لأنه لا يملك هويةً خارج السلطة. الرفاق القدامى، حتى في هزيمتهم، كانوا يملكون ذاكرةً ومبدأً. أما هو، فقد باعهما. ومن لا يملك مبدأً، لا يملك نهايةً كريمة. سيظلّ في اللعبة، لا لأنه يريد، بل لأنه لا يعرف كيف يكون خارجها. وهنا تكتمل المأساة: الشيوعي الأخير ليس آخر من آمن، بل آخر من تذكّر أن الشيوعية كانت حلمًا، لا منصبًا. لكنه لا يتذكّر، لأنه لا يريد أن يتذكّر. التذكّر يؤلم، والنسيان يريح. وهو اختار الراحة.
لكنْ، قبل أنْ نُصدّقَ هذه النهاية، لنقفْ وقفةَ الشاكّ، فإنّ أسوأ ما في الحكاية أنْ نُغلقَها بسهولة. أليس “الشيوعي الأخير” في الحقيقة ابنَنا جميعًا؟ ألمْ نصنعْه بأيدينا حينَ طلبنا من الفكر أنْ يُطعمنا، ومن المبدأ أنْ يُوظّفنا، ومن التاريخ أنْ يُعفينا؟ إنّه ليس استثناءً، بل مرآة. حينَ يبيعُ رفيقُنا المظلّة، فمَن الذي اشتراها؟ نحن. وحينَ يجلسُ على الكرسي، فمَن الذي صوّتَ له؟ نحن. وحينَ يخونُ ماركس ولينين، أفلمْ نُعلّمْه أن الخيانةَ ذكاءٌ، وأنّ الثباتَ غباء؟ إنّ الانتهازيَّ لا يُولد انتهازيًّا، بل يُصنع في مختبراتِ انتظاراتِنا الصغيرة: نُريدُ البطلَ بلا ثمن، والعدالةَ بلا تضحية، والحلمَ بلا سهر. فنُنتجُ رفيقًا يعرفُ كيف يُقايض، لا كيف يُقاوم.
ومع ذلك، لن أتركَك تُغادرُ الحكايةَ مرتاحًا. فإن كان “الشيوعي الأخير” قد باعَ المظلّةَ واشترى الكرسيّ، فاسألْ نفسَك: وما مظلّتُك أنت؟ وما كرسيّك؟ كلُّ إنسانٍ يحملُ مظلّةً يرفعُها في وجه مطرٍ ما، وكرسيًّا يدّخِرُه لساعةِ العاصفة. بعضُنا يبيعُ المظلّةَ ليشتريَ الكرسيّ، وبعضُنا يحرقُ الكرسيَّ ليبقى واقفًا تحت المطر. لكنّ الأغلبيةَ، وهي الصامتةُ دائمًا، تُخبّئُ المظلّةَ وتنتظرُ الكرسيَّ، وتُسمّي هذا الانتظارَ حكمة. وهنا الطُعمُ الحقيقيّ: ليس الشيوعيُّ الأخيرُ من باع، بل مَن لم يشترِ، ومَن لم يبعْ، ومَن جلسَ يتفرّجُ على البيعِ والشراءِ وهو يقول: “أنا بريء، أنا فقط أنتظر”. والانتظارُ، في زمنِ الانهيارات، ليس براءةً، بل تواطؤٌ صامت.
ثم اعلمْ أنّ الفكرَ الذي لا يُكلّفُ صاحبَه شيئًا، لا يستحقُّ أنْ يُسمّى فكرًا، بل هو زينة. والزينةُ تُعلَّقُ على الجدران، لا تُحمَلُ في الأزقّة. لذلك، فإنّ درسيّ من هذه الحكاية ليس أنّ الشيوعيةَ ماتت، ولا أنّ اليسارَ انهزم، ولا أنّ الانتهازيّ خائن. الدرسُ أنّ المبدأَ لا يُقاسُ لحظةَ النصر، بل لحظةَ الفوات. لحظةَ أنْ تُضطرَّ للاختيار بين المقعدِ والذاكرة، بين الجيبِ والضمير، بين أنْ تبقى صامتًا فتسلم، أو تتكلّمَ فتخسر. هناك، في تلك اللحظةِ الصغيرةِ الهادئة، تُولدُ الأيديولوجياتُ الحقيقية أو تموت. وكلُّ ما عدا ذلك مسرحٌ، وكراسٍّ، ومظلّاتٌ من ورق.









رشيد بشيريمنذ يومين
احسن ما قرأت عن الا نتهازية الحقيقية تحليلا ووصفا.الله يحفظك