لو دامت لغيركم لما وصلت إليكم..

admin
2026-10-23T00:52:26+02:00
مقالات رئيس التحرير
adminمنذ 4 ثوانيآخر تحديث : منذ ثانيتين
لو دامت لغيركم لما وصلت إليكم..
  • مصطفى قشنني

لا تزال تلك اللافتة المعلقة بخيوط ذهبية في مكتب وزير التوقعات الاقتصادية والتخطيط، عبد الحميد عواد، أثناء حكومة التناوب التي قادها الزعيم الاتحادي عبد الرحمن اليوسفي، تعمل في ذاكرتي كمنشار خفيّ يشقّ جسد النسيان. كانت اللافتة تقول: “لو دامت لغيركم لما وصلت إليكم”. لم تكن زينة مكتب ولا ترفًا بلاغيًا، بل كانت، كما قال لي الرجل يومها، مصدر قوة نفسية وعزيمة روحية لا حدود لها. كان صحافيًا قويًا، مديرًا لصحيفة “لوپينيون” لسان حال حزب الاستقلال بلغة موليير، ثم صار وزيرًا يعرف أن الكرسي ليس ملكًا، وأن الجلوس عليه امتحان، لا تتويج. وحين كان يشعر بحلاوة الموقع ورفاهية السلطة، كان يلوذ باللافتة ليعرف قدره، ويبقى دونه، لا فوقه.

الآن، وأنا أتابع بعض وزراء حكومة عزيز أخنوش وهم يغادرون مناصبهم الوزارية، أتذكر تلك اللافتة كأنها نزلت من جدار قديم لتلاحق وجوهًا أخذها الغرور إلى حيث لا يذهب إلا من نسي أنه عابر. بين عشية وضحاها، يكتشف المغادر أن السائق لم يعد سائقًا له، والسيارة الفارهة لم تعد تفتح أبوابها، والباب الخلفي الذي كان يُفتح له كطقس يومي أصبح بابًا مغلقًا في وجه ذاكرته. يختفي الجاه، ويذوب السلطان، وتنكشف العجرفة، وتسقط النرجسية، وتبقى الذات عارية أمام مرآة لم تعد تجمّلها الامتيازات. لا حرس، لا هاتف يرن ليلًا ونهارًا، لا معالي الوزير يتردد في دهاليز المكاتب، بل صمت ثقيل، ووجوه كانت بالأمس تبتسم، ثم تدير لك ظهرها كما أدرت أنت وجهك للناس.

إنها لحظة الحقيقة الكبرى. لحظة يتحول فيها المسؤول إلى مجرد مواطن عادي، أو ربما أقل من ذلك، لأنه خسر الكثير من الناس، من الأصدقاء، من الأقارب، من رفاق الأمس، حين أدار لهم وجهه، وحين حسب أن المنصب يحول بينه وبينهم، وأنه أصبح من علية القوم، وأنهم صاروا دون مستواه الاجتماعي ومكانته. لكن السلطة، في جوهرها، ليست ارتفاعًا، بل اختبار. إنها ليست تاجًا على الرأس، بل حجر في الطريق: من حمله بخفة أدرك أنه أمانة، ومن حمله بخيلاء سقط تحت ثقله. الكرسي لا يمنح الإنسان قيمة، بل يكشف هشاشته. والوزير الذي ينسى أن سيارة الدولة ظل زائل، وأن الحراس ليسوا حراسًا لشخصه بل لوظيفة ستُسحب منه، هو وزير لم يفهم بعد معنى أن يكون في السلطة، لا أن تكون السلطة فيه.

في تلك اللافتة الذهبية التي كانت تلمع في مكتب الرجل، كانت تختصر فلسفة سياسية كاملة. “لو دامت لغيركم لما وصلت إليكم” ليست عبارة عن القدر، بل عن المسؤولية. إنها تقول إن الوصول إلى المنصب ليس انتصارًا شخصيًا، بل فرصة عابرة لخدمة الناس. من يعتقد أن الكرسي دام له، فقد كفر بنعمة الزوال. ومن يعتقد أن الناس تحت قدميه، فقد نسي أن القدمين لا تلبثان أن ترتفعا عن الأرض إلى القبر. السياسة، حين تفقد معناها الأخلاقي، تتحول إلى مسرح للغرور، وإلى سوق للامتيازات، وإلى غابة يأكل فيها القوي الضعيف. لكن الزمن، في النهاية، سكين لا ترحم. يقطع الحبال، يسحب السجاد، يغلق الأبواب، ويترك المسؤول وحيدًا مع سجل أفعاله.

لقد كان عبد الحميد عواد، كما عرفته، قويًا وملماً بمجال تخصصه. لكن قوته لم تكن في الكرسي، بل في وعيه بأن الكرسي مؤقت. لهذا كان سؤال الهوامش عندي عن سر اللافتة سؤالًا في صميم المعنى. كان يريد أن يقول لي، من خلال تلك الخيوط الذهبية، إن من يشعر بحلاوة السلطة يجب أن يتذكر قدره، وأن يبقى دون المنصب، لا أن يتعالى به. هذا ليس تواضعًا شكليًا، بل وعي وجودي بأن الإنسان مهما علا، يبقى رهن الزوال. وحين يغادر الوزير مكتبه، لا تغادر معه الدولة، ولا تغادر معه الشوارع، ولا تغادر معه الذاكرة. تغادر معه فقط الأوهام، وتدخل مكانها الحقيقة القاسية: كنت نائبًا عن الناس، لا مالكًا لهم.

ما يحدث لبعض من غادروا الحكومة الآن ليس مجرد تغيير إداري، بل درس في تشريح السلطة. كانوا يتحدثون بصوت عال، ويسيرون كأن الأرض تشق لهم طريقًا خاصًا، ويظنون أن الهاتف الذي يرن باستمرار إنما يرن لشخصهم، لا لمنصبهم. ثم جاءت اللحظة التي أُطفئ فيها الضوء، فاكتشفوا أنهم كانوا يعيشون في مسرح، وأن دورهم انتهى، وأن الجمهور غادر القاعة. بعضهم سيحاول أن يلمّ شتات كبريائه، وبعضهم سيبحث عن منصب آخر، وبعضهم سيكتب مذكرات يجمّل فيها هزيمته، لكن الحقيقة ستبقى عالقة: من يستعلي على الناس يعود إليهم ذليلًا، ومن ينسى أصله يذكره الزمن بقسوة.

إن المنصب الوزاري ليس ملكًا، ولا إرثًا، ولا امتيازًا أبديًا. إنه استعارة قصيرة من الشعب. من فهم هذا، مشى على الأرض بلا كبر، وفتح بابه للناس، ورد الهاتف، واحترم من دونهم، لأنهم قد يصبحون فوقه غدًا. أما من ظن أن الكرسي دام له، فسيأتي يوم يجد فيه نفسه في دهاليز النسيان، يبحث عن “معالي الوزير” فلا يجد إلا رجلًا عاديًا، ينتظر سيارة أجرة، ويبحث عن صديق قديم، ويحاول أن يشرح للناس أنه لم يتغير، لكن الناس سيقولون له: بل تغيرت، ثم عدت، ولكن بعد فوات الأوان.

لقد كانت اللافتة درسًا في السياسة والأخلاق معًا. كانت تقول إن السلطة لا تدوم لأحد، وإن من وصل إليها بغير استحقاق أخلاقي سيعود منها بغير كرامة. وحين نرى اليوم هذا المشهد المتكرر، ندرك أن المغرب ليس بحاجة إلى وزراء يحبون الكراسي، بل إلى مسؤولين يقرأون اللافتة كل صباح. مسؤولين يعرفون أن الوزارة ليست شرفًا شخصيًا، بل عبء وطني. أن السيارة ليست ملكًا، والسائق ليس تابعًا، والهاتف ليس ضجيجًا، والجاه ليس حقيقة. كلها ظلال تتبع المنصب، فإذا ذهب المنصب ذهبت الظلال، وبقي الإنسان وحده أمام ضميره.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.