عُمْيُ البصر والبصيرة: في بلاطاتٍ تُغلق نوافذها على النصيحة..

admin
2026-10-21T00:24:50+02:00
مقالات رئيس التحرير
admin21 أكتوبر 2026آخر تحديث : منذ 22 ساعة
عُمْيُ البصر والبصيرة: في بلاطاتٍ تُغلق نوافذها على النصيحة..
  • مصطفى قشنني

يروي ابن كثير في تاريخه «البداية والنهاية» أن أبا العتاهية أنشد هارون الرشيد شعرًا يذكّره بزوال النعيم، فبكى الخليفة، فعوتب من طرف الوزير القوي الفضل بن يحيى البرمكري لأنه أحزن أمير المؤمنين، فقال الرشيد كلمته الخالدة: «دعه؛ فإنه رآنا في عمى فَكَره أن يزيدنا عمى». هذه العبارة القصيرة ليست مجرد استحسان عابر لتنبيه شاعر، بل هي اعتراف ملكي نادر بأن السلطة قد تُصاب بعمى، وأن المحيطين بها قد يختارون ألا يفتحوا عينيها على ما يريحها ألا تراه. إنها لحظة صفاء في تاريخ طويل من الغفلة، ونافذة ضوء في جدار سميك من ثقافة التمجيد التي أحاطت بعروش الشرق والغرب على السواء. وليست الواقعة إلا نموذجًا مصغرًا لمسرحية تتكرر فصولها في كل زمان: حاكم يجلس على قمة هرم، وحول قاعدته حاشية تعلمت أن الصمت أجدى من الكلام في حضرته، وأن تزيين المرايا أوثق من عرض الحقائق. وهكذا يتحول البلاط إلى غرفة مظلمة لا يدخلها الضوء إلا عبر شقوق نادرة، يحرسها شاعر جسور أو مفكر متمرد أو مهرج يخفي تحت أجراسه رسائل القيامة.

إن ما فعله شاعر  الزهديات أبو العتاهية لم يكن مجرد إنشاد شعر، بل كان فعل مقاومة رمزية ضد آلة التبرير التي يصنعها المحيطون بالخليفة. لقد نظر الشاعر إلى الخليفة لا كإله بل كإنسان مهدد بالفناء، وذكّره بأن النعيم زائل وأن القصور لا تحمي من الموت. وهذا التذكير، في جوهره، دعوة إلى استعادة البصر بعد أن غطّاه غبار المجاملة. لكن المحيطين، ممثلين في الوزير الفضل بن يحيى، لم يروا في الشعر إلا إحزانًا للخليفة، لا تنبيهًا له. إنهم يخشون على مزاجه لا على مصيره، ويقلقون على لحظته لا على دولته. وهنا يتكشف جوهر المشكلة: حين يصبح الحاكم مريضًا بمزاج يجب حمايته من كل ما يكدّره، تتحول النصيحة إلى جريمة، ويصبح الصدق تهديدًا للأمن القومي. لقد كان الفضل بن يحيى، بمنطقه هذا، يمثل كل حاشية في التاريخ: إنها لا تحمي الحاكم من الأعداء بقدر ما تحميه من الحقيقة. وهي في ذلك تشبه طبيبًا يخفي عن مريضه أعراض المرض لكي لا يزعجه، فيتركه يموت مطمئنًا. إنها رحمة قاتلة، وحرص على المزاج يؤدي إلى خراب الأساس.

لكن عبارة الخليفة هارون الرشيد تكشف عن مفارقة أعمق: «رآنا في عمى فَكَره أن يزيدنا عمى». إن الخليفة هنا لا ينكر العمى، بل يعترف به. إنه يعلم أنه محاط بمن لا يريدون له أن يُبصر. وهو يعلم أيضًا أن الشاعر، بهذا الشعر، لم يزد عماه بل حاول أن يفتح له نافذة. فلماذا يعترف الرشيد ولا يغيّر؟ لأن الاعتراف بالعمى لا يعني القدرة على البصر. فالسلطة ليست فقط علاقة بين حاكم ومحكوم، بل هي أيضًا شبكة من المصالح والأوهام والخوف المتبادل. فالحاشية تخاف على مكانتها، والحاكم يخاف من فقدان هيبته، والجميع يخاف من كسر السكون الذي يغطي هشاشة النظام. وهكذا يبقى العمى مشتركًا: الحاكم يرى ما يريد أن يرى، والمحيطون يرون ما يريدون أن يُرى لهم. أما الشاعر، فيقف على الحدود بين العالمين، يحمل مرآة لا يريد أحد أن ينظر فيها.

إن هذه الواقعة تذكرنا بشبيهاتها في تاريخ الملوك والرؤساء والزعماء. فكم من مستشار أخفى عن رئيسه تقريرًا صادقًا لأنه «سيغضب»، وكم من وزير جمّل أرقامًا لكي لا «يحزن» الزعيم، وكم من إعلامي رسمي حوّل الكارثة إلى «تحدٍّ» والانكسار إلى «درس» والانهيار إلى «إنجاز». وكلهم يظنون أنهم بذلك يحمون الحاكم من القلق، بينما هم في الحقيقة يحمونه من الوعي. إنهم يبنون حوله جدارًا من الكلمات المريحة، حتى تصبح الكلمات هي السجن. وحين تأتي اللحظة الحاسمة، لحظة الحرب أو الأزمة أو السقوط، يكتشف الحاكم أنه كان يحكم بلدًا لا يعرفه، ويحارب عدوًا لا يفهمه، ويستند إلى شعب لم يسمع صوته. عندئذٍ فقط يدرك أن من أغللقوا نوافذ القصر على النصيحة لم يكونوا حراسًا لراحته، بل حراسًا لعماه.

والسؤال المرّ: لماذا يحيط الحكام أنفسهم بمن يجاملهم؟ ليس فقط لأنهم ضعفاء، بل لأن السلطة بطبيعتها تُنتج عمىً خاصًا. فمن يملك القرار النهائي يبدأ في تصديق أنه يملك الحقيقة النهائية. ومن يجد كل من حوله يومئ برأسه، يظن أن الإيماءة هي الحقيقة. وهنا تتدخل آلة التمجيد لتصنع واقعًا بديلًا: خطاب يُعيد صياغة الفشل نجاحًا، ويحوّل النقد خيانة، ويجعل من السكوت فضيلة وطنية. وحين يصل الأمر إلى هذا الحد، لا يعود الشاعر مثل أبي العتاهية قادرًا على الوصول، ولا يبقى للرشيد من فضل يحيى سوى عتاب خفيف. لكن التاريخ لا يرحم: كل سلطة أغلقت أذنها عن النصيحة فتحت أبوابها للانهيار. وكل حاكم أحاط نفسه بمن يخافونه بدل من ينصحونه، حكم في الظلام وسقط في النور.

إن الدرس الأعمق في عبارة هارون الرشيد – التي تحتاج إلى أكثر من تحليل – هو أن العمى ليس حالة فردية، بل نظام بصري كامل. فالمجتمع الذي يكافئ الصامتين ويعاقب الناطقين بالحق هو مجتمع يعلم أبناءه أن العمى فضيلة. والبلاط الذي يطرد الشعراء الصادقين ومن يوازيهم ويحتفي بالمنافقين والمخادعين هو بلاط يربي حاكمًا أعمى ولو كانت عيناه مفتوحتين. وهنا يتجلى دور العلماء والمثقفون والصحافيون… الحقيقيون: ليس في ترديد ما يريد الحاكم سماعه، بل في الإمساك بيده نحو النافذة، حتى لو كان الضوء مؤلمًا. إن النصيحة ليست خيانة، بل أعلى أشكال الولاء. ومن يحرم الحاكم من النصيحة يظن أنه يحميه، وهو في الحقيقة يدفعه إلى الهاوية بابتسامة. لقد أحسن أبو العتاهية حين أنشد، وأحسن الرشيد حين اعترف، لكن التاريخ لم يحسن حين كرر المشهد ملايين المرات دون أن يتعلم.

وتبقى العبرة في تلك الهمسة الملكية: «رآنا في عمى فَكَره أن يزيدنا عمى». فمن يرى العمى ويصمت فهو شريك فيه، ومن يرى العمى ويحاول فتح عين واحدة فقد أضاء ما استطاع. والسلطة التي لا تسمع إلا صدى صوتها، ستنتهي إلى أن تحكم نفسها في غرفة مغلقة، ثم تتفاجأ بأن العالم الخارجي لم يكن ينتظرها. إن النصيحة مرآة، والمرآة لا تكذب، لكنها تحتاج إلى من يجرؤ على النظر فيها قبل أن تنكسر.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.