أحيانا تتحوّل “المصلحةِ العليا” إلى كلمة حقّ يُراد بها باطل..

admin
مقالات رئيس التحرير
adminمنذ 11 ثانيةآخر تحديث : منذ ساعتين
أحيانا تتحوّل “المصلحةِ العليا” إلى كلمة حقّ يُراد بها باطل..
  • مصطفى قشنني

ثمة عبارة مسكوكة في المغرب صارت تُتلى في كل بيان حزبي، وتُردَّد في كل ندوة صحفية، وتُكتب على كل لافتة انتخابية، حتى صارت أشبه بنشيد وطني غير رسمي: «المصلحة العليا للوطن تقتضي المشاركة في الحكومة». لا أحد يعرف من صاغ هذه الجملة أول مرة، ولا في أي مؤتمر، ولا بأي قلم، لكن الجميع يتقنها كأنها محفوظات المدرسة الابتدائية. إنها ليست حجة، بل ترنيمة. ليست برهاناً، بل لازمة. وحين تتكرر اللازمة في كل أغنية، تفقد الأذن قدرتها على التمييز، ويصبح النشاز لحناً، واللحن نشازاً.

تصوّر المشهد: قاعة مؤتمر، منصة، شعارات، أناشيد، ثم يصعد الأمين العام المُبجّل ليقول بلسان الواثق إن حزبه قرّر المشاركة، لأن المصلحة العليا للوطن تقتضي ذلك. ثم يصعد أمين عام آخر ليقول الشيء نفسه بعبارات مختلفة. ثم ثالث. ثم رابع. حتى تظن أنك في حفل موسيقي، لا في مؤتمر سياسي، وأن الأوركسترا كلها تعزف من النوتة ذاتها، لكن بأدوات مختلفة. الكمان يعزف، والعود يعزف، والناي يعزف، والطبل يعزف، والدف يعزف، والنتيجة سيمفونية مشروخة نشاز تسمعها الأذن فتُدرك أن العازفين لم يتفقوا على اللحن، بل اتفقوا على الغاية.

والغاية واحدة: الدخول. الدخول إلى الحكومة صار غاية في ذاته، لا وسيلة لشيء. لم يعد السؤال «ماذا سنفعل في الحكومة؟» بل «هل سنكون فيها أم لا؟». ولم يعد المعيار «هل نستطيع أن نُغيّر؟» بل «هل نستطيع أن نُشارك؟». وهكذا انقلبت المعادلة: كان الأصل أن المشاركة وسيلة لتحقيق برنامج، فصارت البرامج وسيلة لتبرير المشاركة. وكان الأصل أن الحكومة مكان لتنفيذ سياسات، فصارت السياسات مكاناً لتبرير الجلوس على الطاولة.

والغريب الغريب في الأمر أن الجميع اكتشف فجأة أن «المصلحة العليا» تقتضي مشاركته هو، لا مشاركة غيره. الحزب الكبير يقول: المصلحة العليا تقتضي وجودنا لأننا الأقوى. الحزب الصغير يقول: المصلحة العليا تقتضي وجودنا لأننا الأقرب إلى الشعب. الحزب الذي في الأغلبية يقول: يجب أن نبقى لاستكمال الإنجاز. الحزب الذي في المعارضة يقول: يجب أن ننتقل إلى الأغلبية – أعيينا من العارضة – لأن الظرف استثنائي. حتى الذي يملك مقعداً برلمانياً واحداً، مقعداً واحداً في بحر من المقاعد، وجد في نفسه الجرأة ليقول إن المصلحة العليا للوطن تقتضي أن يكون في الحكومة. مقعد واحد! كأن المغرب لا يُبنى إلا بذلك المقعد، وكأن التوازن الوطني كله يقوم على ذلك الكرسي الوحيد اليتيم، وكأن التاريخ سيتوقف إن لم يشارك صاحب المقعد الواحد في الحكومة و(يُمخمخ) حقّه من كعكتها..

وهنا تصل الكوميديا إلى ذروتها. إذا كان صاحب المقعد الواحد يرى أن المصلحة العليا تقتضي مشاركته، فما الذي يمنع سائق الطاكسي من أن يقول إن المصلحة العليا تقتضي أن يكون وزيراً للنقل؟ وما الذي يمنع بائع السمك من أن يعلن أن المصلحة العليا تقتضي أن يكون وزيراً للصيد البحري؟ وما الذي يمنع الجلاد من أن يطلب حقيبة العدل، بحجة أنه يعرف الظلام أكثر من غيره، فيكون الأصلح لإصلاح السجون وتهذيب وأنسنَة المعتقلات؟ يا لله! لقد صار المنطق مقلوباً، وصار كل من يملك شيئاً يريد أن يملك كل شيء. وإذا كان الكوميسير الجلاد يريد الدخول إلى الحكومة، فلا تسألني كيف يفهم المصلحة العليا، بل اسأل الجلاد نفسه: هل مصلحة الوطن في الحبل أم في الرقبة؟

المشكلة ليست في الأحزاب وحدها، بل في اللغة التي صنعت هذه المسرحية السمجة. فكلمة «المصلحة العليا» لم تُصنع لتوضيح شيء، بل لتغطية شيء. إنها كلمة مطاطة، تتمدد حتى تشمل كل شيء، وتتقلص حتى لا تعني شيئاً. وهي شبيهة بـ«الظرف الاستثنائي» و«المرحلة الدقيقة» و«التحديات الكبرى»: عبارات فضفاضة لا تُلزم صاحبها بشيء، لكنها تُلزم الآخرين بالصمت. لأن من يتحدث باسم المصلحة العليا لا يمكن أن تُسائله، لأنك إن ساءلته تكون قد ساءلت الوطن نفسه. وهكذا يصبح النقد خيانة، والاعتراض تخريباً، والسؤال جريمة ومؤامرة .

لكن السؤال المشروع طبعا يبقى: كيف يفهم هؤلاء المصلحة العليا؟ هل هي المصلحة الوطنية فعلاً، أم مصلحتهم الحزبية؟ أم مصلحة الزعيم الديناصور في البقاء؟ أم مصلحة الطبقة السياسية في إعادة إنتاج وتدوير نفسها؟ إن كان الوطن هو المقصود، فلماذا لا يُسأل المشاركون عن برنامج واضح، بأرقام، بمواعيد، بأجوندات، بمسؤوليات؟ ولماذا لا يُحاسب من فشل، ويُعفى من لم ينجز؟ ولماذا تكون المشاركة دائماً مكسباً، والخروج دائماً خسارة، ولا يكون الانسحاب في لحظة ما خدمةً للوطن بدل خيانة له؟ الجواب بسيط ومُرّ: لأن المصلحة العليا في خطابهم ليست شيئاً يُقاس، بل شيئاً يُقال. ولأن من يقيس المصلحة العليا بالأرقام قد يكتشف أنه لم يخدمها، بل خدم نفسه. فالأفضل أن تبقى غامضة، مثل الضباب، يُخفي الجميع، ولا يُرى فيه أحد.

والحقيقة أن هذه السيمفونية المشروخة لا تُعزف في المغرب وحده، لكن المغرب صار واحداً من أبرز مسارحها. كل حزب يدخل الحكومة يقول إنه ذهب لخدمة الوطن، ثم يخرج منها يقول إنه خرج لخدمة الوطن. وفي الحالتين، الوطن هو الغائب الوحيد عن الجلسة. يدخلون باسمه، ويخرجون باسمه، ويختلفون على كل شيء إلا عليه: الجميع يتفقون على أن «المصلحة العليا» معهم، ولا أحد يتفق على ما هي. وكأن الوطن فندق، والحكومة غرفة، والسياسيون نزلاء، وكل نزيل يريد أن يُقنعك أنه لا يريد الغرفة، لكنه نزل فيها مؤقتاً لخدمتك.

ولو أنصفنا، لقلنا إن السياسة فن الممكن، وإن المشاركة قد تكون ضرورة، وإن الحكم يحتاج أحياناً إلى من يقبل الاتساخ. لكن الفرق كبير بين من يدخل ليُغيّر، ومن يدخل ليُغيَّر. وبين من يشارك لتنفيذ برنامج، ومن يشارك لقضاء حوائجه وأغراضه ومصالحه هو. وبين من يقول «دخلت لأخدم»، ومن يقول «دخلت لأن المصلحة العليا اقتضت». الأولى جملة رجل، والثانية جملة من يريد أن يبقى نظيفاً في مرآة نفسه، حتى وهو يغرق في الوحل..

لكن دعني أُغلق هذا القوس أو هذا النص بمشهد أخير، مشهد لا يُروى في المؤتمرات، ولا يُبثّ على الشاشات، لكنه يحدث كل ليلة في بيت كل مواطن مغربي. رجل عائد من العمل، متعب، يفتح التلفاز، يرى وجوهاً تعرفه ولا تعرفه، تبتسم، تصافح، تُقبّل، تخرج من قاعة، تدخل إلى قاعة أخرى، وتقول إنها تخدم المصلحة العليا. فيُطفئ التلفاز، ويقول لزوجته: «المصلحة العليا هي أن ننام باكرين». هذا هو الحكم النهائي، ليس من محكمة، ولا من برلمان، بل من رجل لم يعد ينتظر شيئاً من أحد. وحين يصمت الشعب هذا الصمت، لا لأنه راضٍ، بل لأنه لم يعد يرى في المرآة وجهاً يشبه ما يُقال، فإن السيمفونية ستُعزف يوماً ما على مسرح فارغ، والعازفون سيُدركون، متأخرين، أن اللحن الذي عزفوه طويلاً لم يكن يوماً للوطن، بل كان لهم. وحدهم. والوطن، كما قال الشاعر، لا يُبنى بالشعارات، بل بالأيدي التي لا تشرب نَخب “المصلحة العلياّ، لأنها مشغولة بحمل الطوب لرصّ البناء..

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.