- عبد السلام انويكًة
متى تلتفت وزارة الثقافة ومعها الجماعة الترابية لتاريخ وتراث وكنوز تازة المتفردة، من خلال ورش حفريات أثرية يتوجه بعنايته لموقع “كيفان بلغماري” على مستوى الشرفة الشرقية للمدينة العتيقة، من اجل ما ينبغي من تعميق وتدقيق لمعرفة تاريخية وأركيولوجية تخص واحدا من أبرز مواقع تاريخ المغرب وشمال افريقيا القديم حيث ممر تازة، والكشف عن قيمته التاريخية وحمولته الحضارية والإنسانية والتعميرية الأثرية. فضلا عما ينبغي من توثيق منهجي لبقايا الموقع الأثرية على مستوى كل امتداده المركب، من اجل صورة بحثية تاريخية اثرية علمية أكثر دقة حول الموقع ومحيطه خلال الزمن القديم. فأي تعاون ممكن بين المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث التابع لوزارة الثقافة، ومراكز ومعاهد بحث وحفريات متخصصة بدول رائدة في هذا المجال. لأعطاء هذا الموقع الأثري ما يستحق من اعتبار وإبراز، فضلا عن تهيئة رافعة لتنمية تراب المدينة، وكذا ما ينبغي ان يشمل الموقع من استثمار منسجم لجعل المكان بأفق استجمامي ترويحي ثقافي حضاري انساني، إسوة بما هو كائن مثلا بمغارة هرقل بطنجة وغيرها.
يذكر أن موقع كيفان بلغماري الأثري بتازة، هو ببصمات حضارة إبيروموروسية عن فترة ما قبل التاريخ تعود لإنسان العصر الحجري الأعلى، فضلا عن كونه واحدا من أغنى مواقع المغرب الأركيولوجية، بل بشمال افريقيا والحوض الغربي للبحر المتوسط. وهذا الموقع الذي بشبكة كهوف متصلة، يعد وعاء أثريا ببقايا متفردة عن زمن ما قبل التاريخ على أساس ما أنجز حوله من حفريات زمن الحماية بالمغرب، وهي البقايا التي يرجعها الباحثون المتخصصون لفترة البلايستوسين الأعلى. ولعل من بقايا هذه الكهوف التي بحاجة لتدقيق معرفي اركيولوجي، ما ورد من حديث حول أدوات حجرية وعظمية ومواقد تعود لفترة ما يعرف بـ”الموستيري” و”الابيرومغربي”، فضلا عن عظام بشرية وأخرى حيوانية تخص الضبع والأسد والحصان والحمار والخنزير والغزال والخروف والجمل والنمر والدب والكروكدن والثعلب والأرنب وغيرها مما انقرض من هذه المنطقة ؟. ولا شك أن “كيفان بلغماري” كانت مسكنا لإنسان زمن ما قبل التاريخ، بناء على شواهد حياة وتفاعل بشري قديم تم العثور عليها. ويسجل ما لكهوف تازة الأثرية القديمة هذه، من علاقة بزمن حضارات أقصى غرب حوض البحر المتوسط الغربي، وبمعالم حياة وحضارة “ابيريوموروسية”، تعني ما تعنيه من انتماء لمجال شبه جزيرة ايبيريا وشمال إفريقيا القديم. هكذا إذن بعض وعاء شبكة “كيفان بلغماري” بمدينة تازة، باعتبارها واحدة من أعظم مواقع حوض البحر المتوسط الأثرية، حيث أولى المعطيات الأركيولوجية حولها تعود لسنة 1917 من خلال ما بلغه الضابط الفرنسي “كومباردو” من تنقيب في المكان. وقد تبنى وفحص وصادق عدد من الخبراء البيئيين الفرنسيين من قبيل “دوميركً” و”بلاري” ثم “لوكواطر”، على ما تم العثور عليه من بقايا أثرية بهذه الكهوف، علما أنه لم تسجل أية أبحاث حول الموقع وجواره لاحقا، لمزيد من الدراسة والتنقيب وفهم ما طبع الحياة البشرية محليا من خصوصية، فضلا عن ابراز أصول الإنسان الذي عاش بمغرب هذه المرتفعات وما هناك من مستويات اركيولوجية بالمدينة / المنطقة.
نعتقد أنه حان الوقت لإعطاء هذا الموقع الأثري المتفرد بتازة عن زمن ما قبل التاريخ، ما يجب من عناية عوض ما هو عليه من وضع مقزز وحال يرثى له لشدة ما به من مشاهد اهمال ومظاهر تخريب وطمر وردم ونفايات..، ولعل إعادة الاعتبار لشبكة “كيفان بلغماري” الأركيولوجية المتفردة وطنيا وعلى صعيد غرب البحر المتوسط، هو مسؤولية الجميع كل من موقعه لإبراز قيمة الموقع بما يدعم ويخدم تطلع المدينة في التهيئة الشاملة والتنمية السياحية، وبما ينسجم مع حماية الذاكرة التاريخية المحلية، فضلا عن استثمار تراث تازة التاريخي الاركيولوجي الانساني الصخري، وفق رؤية استراتيجية ترابية حضرية رافعة واستشرافية.
رئيس مركز ابن بري للدراسات والأبحاث وحماية التراث









