- ياسين لمقدم
على أجنحة الحالمين، يطير الفيلم القصير “حياة – HAYAT”، بتوقيع المخرج بلال طويل وإنتاج شركة Guerguerat Pictures، ليحط رحاله في أقصى أصقاع المعمورة، حاملاً معه في تفاصيله عبق المكان وروح الإبداع الأصيل. فبعد أن سحر القلوب في منتصف شهر ماي 2026 على أرض “جاكميل” بهايتي في Festival du Film de l’Amitié، ها هو اليوم يشد الرحال نحو قمم جبال الأنديز الساحرة، ليمثل المغرب بكل فخر في Festival International de Ciné de Los Andes بمدينة “كوسكو” في بيرو، في رحلة عابرة للبحار تؤكد أن شمعة الإبداع تأبى الانطفاء.
وهذا الألق العالمي ما هو إلا صدى لروح شفيفة تسكن ثنايا هذا العمل، إذ يغوص الفيلم في أعماق النفس البشرية من خلال حكاية فتاة تحس دائما بالدونية وعدم الاكتمال، فيتحول النفور الخانق من جسدها إلى رغبة في تقمص الذكورية بحثاً عن القبول وتحقيق الذات. غير أن مسار الأحداث يفضي بها في الأخير إلى اكتشاف منقذ ومدهش: أن الأنثى، في جوهرها، تظل دائماً مصدراً للحياة عبر الأزمان، وهي محور الوجود، لتنتهي رحلة الصراع الداخلي بصلح عميق مع الهوية والذات.
ومن رحم هذا الوجدان النابض، تتكشف فصول قصة ميلاد الفيلم التي نبتت أصولها من تراب الوطن ورحم المدرسة، فقد خط المخرج بلال طويل خطاه الأولى في دروب الفن بتفانٍ مخلص، إذ كرّس عقدين من عمره خادماً للمسرح المدرسي، معلماً ومربياً للأجيال في صرح “مدرسة ابن زهر للبنات”. ورغم فيض البذل وجمال الرسالة، ظل هذا النبض الرائد حبيس ركح المدرسة وأسوار الأقسام، جراء بيئة محلية بمدينة “العيون الشرقية” افتقرت للنيات الحية والإمكانات التي تليق ببناء نهضة ثقافية تحتضن الطاقات الواعدة. لكن الروح الحية تأبى إلا أن تشق طريقها نحو الضياء، متخذة من الصبر والجلد درعاً. فبعد عشر سنوات من صقل الأدوات وتطوير الرؤية، غادر المخرج ضيق المحيط إلى آفاق السينما الرحبة، ليخط بعدسته فصولاً من السحر البصري، حيث أفرزت عدسته عشرة أفلام قصيرة ناطقة بلغة الوجدان، وتكللت مسيرته بالتتويج بأكثر من خمسين جائزة وطنية ودولية بصمت المحافل بتمييز لافت.ولم يتخلف الاعتراف المؤسساتي عن موعده مع الاستحقاق، إذ توج بلال طويل بالبطاقة المهنية، كمخرج، الصادرة عن المركز السينمائي المغربي بالرباط، ليزين بها صدر مسيرته، ويصبح أول مبدع يظفر بهذا اللقب السينمائي في مدينة “العيون الشرقية”، بل وربما على امتداد إقليم تاوريرت بأسره، حافراً اسمه بماء الذهب كرمز للتحدي والريادة.
وفي محطة الوفاء، يتجلى العرفان لمن آمن بالإبداع، إذ يأتي هذا التألق العالمي للفيلم القصير “حياة” ليطوق عواتق ساكنة “تويسيت” الأبيّة بأزكى تحيات التقدير. فقد فتحت هذه الأرض المعطاءة قلوبها وأزقتها ومصراعي دعمها لتسهيل مولد هذا العمل البديع، لتغدو الشاشات الدولية مرآة حية تعكس سحر جغرافيتها ودفء أرواح أهلها، ولتثبت أن الفن الأصيل، متى وجد الحاضنة الصادقة، يستطيع أن ينبع من صميم الصخر ليصافح قمم المجد بكل اقتدار.











