المغرب بين سندان التطبيع ومطرقة القضية الفلسطينية: دهاء التاريخ في مواجهة مفارقات الحاضر..

admin
2025-09-20T01:58:38+02:00
مقالات رئيس التحرير
admin20 سبتمبر 2025آخر تحديث : منذ 6 أشهر
المغرب بين سندان التطبيع ومطرقة القضية الفلسطينية: دهاء التاريخ في مواجهة مفارقات الحاضر..
  • مصطفى قشنني

في قلب العاصفة التي تعصف بالمنطقة، يقف المغرب كما وقف المتنبي ذات يوم بين الروم والروم، حائراً على أي جانبيه يميل. فالوضع الراهن لا يتيح له رفاهية الحياد، ولا يمنحه فسحة التردد. إنه زمن المفارقات الحادة، حيث تتقاطع الجغرافيا مع التاريخ، وتتصادم المصالح مع المبادئ، وتُختبر الحنكة في أتون نار لا ترحم. فالمغرب، الذي يحمل على عاتقه رئاسة لجنة القدس، يجد نفسه اليوم في مفترق طرق تاريخي، بين الوفاء للقضية الفلسطينية التي شكلت جزءاً من وجدانه السياسي، وبين الالتزامات الاستراتيجية التي نسجها مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية في إطار اتفاقيات أبراهام، والتي كانت بوابة الاعتراف بمغربية الصحراء.

إن ما تشهده غزة من إبادة جماعية، وتجويع ممنهج، وترحيل قسري، وما تتعرض له الضفة الغربية من استيطان متوحش، واقتحامات متكررة، وتهويد للقدس، وهدم ممنهج للمسجد الأقصى، ليس مجرد أحداث عابرة في سجل الصراع العربي الإسرائيلي، بل هو اختبار أخلاقي وسياسي لكل دولة عربية اختارت طريق التطبيع. فالمشهد الفلسطيني اليوم لا يحتمل التجميل، ولا يقبل التبرير. إنه مشهد دموي، تتقاطر فيه الأرواح كما تتساقط أوراق الخريف، وتُسحق فيه الكرامة تحت جنازير الدبابات، وتُغتال فيه الطفولة على مرأى العالم، دون أن يرف له جفن.

وفي هذا السياق، تبرز مخرجات قمة الدوحة الأخيرة كمرآة تعكس هشاشة النظام العربي، وتفكك خطابه السياسي، وتعدد اصطفافاته المصلحية. فالدعوة إلى مراجعة العلاقات مع إسرائيل، وإن بدت في ظاهرها استجابة للغليان الشعبي، إلا أنها في جوهرها تفتقر إلى الإرادة الموحدة، وتُعاني من التناقضات البنيوية التي تعصف بالبيت العربي. فالدول المطبعة نفسها تعيش انقسامات داخلية، وتخوض صراعات خفية، وتُغذي أحقاداً تاريخية، وتُشعل فتنًا لا تنطفئ، وكل ذلك تحت عباءة الواقعية السياسية التي تبرر كل شيء.

أما المغرب، فقصته أكثر تعقيداً، وأكثر تشابكاً. فهو ليس مجرد دولة مطبعة، بل هو دولة ارتبط تطبيعها باعتراف دولي بمغربية الصحراء، وهو اعتراف لم يكن ليتحقق لولا نسج خيوط دقيقة بين واشنطن وتل أبيب، في لحظة سياسية كانت فيها إدارة ترامب تبحث عن إنجازات خارجية تُغذي خطابها الشعبوي. ومن هنا، فإن أي مراجعة للعلاقة مع إسرائيل تعني، ضمنياً، مراجعة لهذا الاعتراف، أو على الأقل تعريضه للاهتزاز. وهذا ما يجعل المغرب في وضعية المنزلة بين المنزلتين، لا هو قادر على الانفكاك من ربقة التطبيع، ولا هو قادر على تجاهل ما يحدث في فلسطين من جرائم تُندى لها جبين الإنسانية.

وهنا، يصدح بيت المتنبي من عمق التاريخ، وكأنه كُتب للمغرب في هذه اللحظة بالذات:

وسوى الرومِ خلفَ ظهركَ رومٌ

فعلى أيّ جانبيكَ تميلُ

بيتٌ يختزل المأزق، ويُجسد الحصار، ويُصور التردد بين قوتين تتنازعان الجسد السياسي، وتُحاصران القرار الوطني من كل الجهات.

ولا يمكن الحديث عن موقع المغرب في هذه المعادلة دون التوقف عند علاقته الاستراتيجية مع دول الخليج، وعلى رأسها قطر، التي تضخ استثمارات بمليارات الدولارات في قطاعات حيوية داخل المملكة، من السياحة إلى الطاقة والبنية التحتية. فالعلاقة بين الرباط والدوحة ليست مجرد تبادل مصالح، بل هي امتداد لتفاهمات سياسية عميقة، خاصة في ظل ما تعرضت له السيادة القطرية مؤخراً من محاولات استهداف ممنهجة، جعلت المغرب يقف إلى جانبها في لحظات حرجة، مؤكداً على استقلالية قراره ودعمه للشرعية. ومن هنا، فإن أي تصعيد في ملف التطبيع لا يُهدد فقط التوازن المغربي مع إسرائيل والولايات المتحدة، بل يُعرض أيضاً علاقاته الخليجية، التي تشكل ركيزة من ركائز استقراره الاقتصادي والدبلوماسي، إلى اهتزازات غير محسوبة.

لكن المغرب ليس دولة عادية، بل هو دولة راكمت قروناً من الحنكة الدبلوماسية، ونسجت لنفسها شخصية سياسية فريدة، قادرة على المناورة في أحلك الظروف، وعلى التوازن بين المتناقضات. فالمغرب الذي احتضن القضية الفلسطينية منذ بداياتها، واحتفظ لنفسه بمكانة رمزية في وجدان الشعوب العربية، لا يمكنه أن يتجاهل الغليان الشعبي، ولا أن يصم أذنه عن صرخات الأطفال في غزة، ولا أن يغض الطرف عن تهويد القدس، وهو الذي يرأس لجنتها. وفي الوقت ذاته، لا يمكنه أن يفرط في مكاسب استراتيجية حصل عليها بشق الأنفس، ولا أن يغامر بعلاقاته مع قوى دولية كبرى، في لحظة إقليمية تتسم بالهشاشة، وبقابلية الاشتعال، خاصة بعد خروج إيران من الضربات التي تلقاها برنامجها النووي أكثر قوة وتماسكا.

إنه وضع إشكالي بامتياز، يُشبه رقصة على حافة الهاوية، أو مشياً على خيوط العنكبوت. فالمغرب مطالب اليوم بأن يُبدع في صياغة موقف يُرضي ضميره التاريخي، ويُحافظ على مصالحه الاستراتيجية، ويُراعي حساسية اللحظة، ويُجنب المنطقة مزيداً من الانفجار. وهذا يتطلب خطاباً سياسياً جديداً، لا يقوم على التبرير، بل على المبادرة، ولا يكتفي بالإدانة، بل يُقدم البدائل، ولا يختبئ خلف المصالح، بل يُواجه الحقائق بشجاعة.

فالمغرب قادر، إن أراد، أن يُعيد تعريف التطبيع، لا كخضوع لإملاءات خارجية، بل كأداة ضغط من أجل وقف الجرائم، وفرض احترام الحقوق، وإعادة الاعتبار للشرعية الدولية. وهو قادر، إن أراد، أن يُحول علاقته بإسرائيل إلى ورقة تفاوض من أجل حماية القدس، ووقف الاستيطان، ورفع الحصار عن غزة. وهو قادر، إن أراد، أن يُقنع واشنطن بأن الاعتراف بمغربية الصحراء لا يجب أن يكون مشروطاً بالصمت عن الجرائم، بل يجب أن يكون جزءاً من رؤية شاملة للسلام والاستقرار في المنطقة.

وفي هذا السياق، يمكن للمغرب أن يُلهم الدول العربية الأخرى، ويُعيد تشكيل النظام العربي على أسس جديدة، تُراعي المصالح، وتحترم المبادئ، وتُعلي من شأن الشعوب، وتُعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية، لا كعبء سياسي، بل كقضية تحرر إنساني. فالمغرب، بتاريخيه، وبثقافته، وبموقعه الجغرافي، وبحنكته الدبلوماسية، قادر على أن يكون صوت العقل في زمن الجنون، ونموذج الحكمة في زمن الفوضى، وجسر التواصل في زمن القطيعة.

إنها لحظة اختبار حقيقي، لا للمغرب وحده، بل لكل من اختار طريق التطبيع. فإما أن يكون التطبيع بوابة للسلام العادل، وإما أن يتحول إلى غطاء للجرائم، وإما أن يُعيد العرب تعريف أنفسهم كأمم حرة، وإما أن يظلوا أسرى التكتلات المصلحية، والانقسامات الداخلية، والخطابات المفككة. والمغرب، بما له من رصيد تاريخي، وما له من مكانة رمزية، وما له من قدرة على المناورة، قادر على أن يُعيد رسم المشهد، وأن يُحول الأزمة إلى فرصة، وأن يُثبت للعالم أن الحنكة ليست مجرد مهارة، بل هي فن قيادة في زمن العواصف.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.