رسبريس في مشهد يصلح لأن يكون فيلماً كوميدياً ، تجولت أنظارنا في شارع الدرفوفي بوجدة، حيث تتمركز الإدارة الجهوية للضرائب. كنا نمر عابرين، فإذا بنا أمام مفاجأة من العيار الثقيل: متاريس حديدية تمتد كجدار برلين مصغر على بعد عدة أمتار، وخلفها جحافل بشرية لا حصر لها. للوهلة الأولى، ظننا أن القنصلية الفرنسية افتتحت فرعاً لها في وسط المدينة، أو أن الاتحاد الأوروبي قرر توزيع تأشيرات ذهبية بالمجان. لكن المفارقة القاتلة أن هؤلاء الجموع ليسوا لاجئين، ولا طالبي تأشيرات بل مغاربة متعبون يقفون في طابور انتظار “لأداء واجب ضريبة النظافة” قبل أن نقع في فخّ السخط والتذمر، قالت لنا إحدى المسؤولات ببرود الأعصاب: “كان الأداء فيما قبل يتم عبر أربع خزينات ووكالات الخدمات، لكن الضرائب استلمت المهمة بسرعة الضوء التي يستحيل فيها تهيئ أي شيء”. أليس هذه عبقرية إدارية فريدة من نوعها، لكن مغلفة بالغباء؟ أن تُحول نظاماً كان يعمل ولو بعرج، إلى نظام لا يعمل أصلاً، وتسمي ذلك “تحديثاً”. لقد نجحت المديرية في تحويل الخزينة العامة إلى مجرد لوحة زرقاء للذاكرة، بينما تحولت مكاتب الضرائب إلى ورشة بناء لا تنتهي من المتاريس. النتيجة أن المواطن الذي كان يقضي ساعة أو ساعتين بالكاد أمام شباك الخزينة، أصبح يقضي نصف يوم وهو يتساءل: هل أنا دافع ضرائب أم جندي في حرب الخنادق؟ أما السخرية الأعمق، فتتمثل في “عبقرية التوقيت”. فالأداء مباشرة بعد انتهاء شهر ماي، يكون مع رسوم مضاعفة لمن تأخر. نعم، المواطن تأخر، لكن الإدارة لم توفر له الظروف والشروط المريحة لآداء واجبه الضريبي. إذن الأولى بالمحاسبة هي إدارة الضرائب. وهنا يأتي سؤال المقال الحارق: هل هذه المأساة اليومية التي تعم كل مدن المغرب، من طنجة إلى الكويرة، هي مجرد “سوء تنظيم عابر” أم أنها “سادية إدارية منهجية”؟ لأن وصف إحدى السيدات بـ “التكرفيص” و”التعذيب البيروقراطي” لم يكن مجرد كلمة عابرة، بل تشخيص دقيق لداء عضال. جريدة “رسبريس”، إذ تقف على حجم هذا العبث، تناشد المسؤولين المركزيين ، أن يوقفوا هذه المهزلة. ألا تستطيعون، على الأقل، فتح أربعة خزينات مؤقتة بوجدة حتى تكتمل “أشغال التحديث” التي قد تستمر إلى ما بعد الديناصورات؟
لقد اتصلنا بمراسلينا، وأكدوا لنا بالإجماع أن وجدة ليست حالة شاذة، بل هي النموذج الأمثل للفشل المعمم. من طنجة إلى لكَويرة، المواطنون يقفون في طوابير لا تنتهي، ووجوههم ترسم لوحة وطنية للإحباط. إنها كوميديا سوداء بامتياز، ضحيتها المواطن الضعيف، ومخرجها “إدارة لا تعرف كيف تخطط حتى لكرسي واحد إضافي”. فهل يأتي يوم يدرك فيه صانعو القرار أن احترام المواطن يبدأ من احترام إنسانيته أولا..